الثلاثاء، 24 أبريل 2012



الربيع العربي قادم وإلى الربيع الإسلامي ذاهب بإذنه تعالي (18)

تكلمنا في الحلقة الماضية عن الملكية في النظام الليبرالي والنظام الشيوعي والاشتراكي وقارناهما بنظام الملكية في الإسلام والذي جعلني أتطرق  إلي هذا الموضوع ما سمعته من كثير من المثقفين والمنضوين تحت أحزاب سياسية علمانية أو ليبرالية يقولون أنه لا يوجد نظام اقتصادي في الإسلام , وإنما يوجد نظام اقتصادي اجتماعي ويقصدون به النظام الاشتراكي .
لذا وددت أن أبين الأسس التي يعتمد عليها كل من النظام الاقتصادي الليبرالي أو الرأسمالي والنظام الشيوعي الاشتراكي ونظام الاقتصاد في الإسلام . وفي هذه الحلقة أتطرق إلي عوامل الإنتاج  في كل من النظم الثلاثة مبتدئا  بالنظام الليبرالي الرأسمالي .

 عوامل الإنتاج في النظام الليبرالي الرأسمالي :
 وحسب المألوف نبدأ الكلام عن عوامل الإنتاج بالمدرسة التقليدية ثم بالاتجاه الحديث , وحيث نجد عناصر الإنتاج عند التقليديين تنقسم إلي أربعة أقسام : الطبيعة , العمل , رأس المال , التنظيم , وقد درج على هذا التنظيم  الأدب الاقتصادي  وشاع وعرف عنه هذا التقسيم لدى الجميع من الدارسين , وقد اختلف علماء الاقتصاد والتقليديون في هذه التقسيمات , إذ نجد ( أدم سميث , ومالتس ودافيد ريكاردو ) يقسمون عوامل الإنتاج  إلي ثلاثة أقسام : الأرض  , والعمل , ورأس المال , ولم يفرقوا بين  الربح والفائدة معتبرين أن الربح هو عائد رأس المال , وعلي هذه الثلاثة ناقشوا توزيع الدخل القومي , فنجدهم ناقشوا الربح باعتباره  عائد الأرض ,  والأجر باعتباره  عائد العمل , والأرباح باعتبارها عائد رأس المال . ثم جاء بعدهم ( ديكل وبوهم بافريك ) (    Dekel- B.Bafreek ) اللذان ناقشا عوامل الإنتاج , ورغم موافقتهما  علي أن أهم عناصر الإنتاج ثلاثة إلا أنهما ناقشا أسسا جديدة مثل الاختلاف بين الأرض ورأس المال , و تميز الأرض بالثبات عرضها وفكرة العوامل الإنتاجية الأصلية أي الأرض والعمل فقط , أما رأس المال فهو ثمرة التعاون بينهما . ثم أتى بعد ذلك ( كارل منجر C.Manger   وليون فالراس    L.walrez) فأعطي كل منهما بعدا جديدا في الموضوع , حيث أنكر الأول تقسيم عوامل الإنتاج إذ اعتبر  ذلك عملا تحكميا لأن كل مجموعة تجمع مقررات غير متجانسة , وفرق الثاني بين الموارد الإنتاجية والخدمات الإنتاجية المشتقة منها , حيث يري أن جميع الموارد تعتبر رأس المال ثابت , ويقسمها إلي رأس مال الأرض  ورأس مال الشخص ( المادي ) (رأس مال استثماري ) , ويقسم خدماتهما إلي خدمات موجهة لأغراض الإنتاج , وخدمات موجهة لأغراض الاستهلاك . ثم أتى بعد ذلك اقتصاديون بحثوا فكر المنظم الذي يدير المشروع الإنتاجي , وكان سائدا أن الذي يملك رأس المال المشروع هو الذي يديره , وبهذا فقد حصل دمج بين عنصر الإدارة وعنصر التنظيم , وبالتالي نتج عدم تميز الفائدة علي رأس المال عند الربح وظل هذا الفكر سائد إلي أن أتى فركلين  F.Nighet  حيث نادى بضرورة الفصل بين ملكية رأس المال وبين الرقابة عليه , وهذا نتيجة التخصص في العمليات والوظائف , فأصبح المنظم محل تقدير واهتمام الاقتصاديين الذين ناقشوا بإسهاب  خاصة جوزيف شومبير وبهذا فإن عوامل الإنتاج انقسمت لدى الاقتصاد التقليدي إلى أربعة , الأرض  ( أو الطبيعة ) , العمل , رأس المال , المنظم .

 تقسيم عوامل الإنتاج في الفكر الحديث .
لقد وجهت انتقادات لتقسيم عوامل الإنتاج لدى الفكر التقليدي , كلها تركز علي صعوبة الفصل والتمييز بين عنصري الطبيعة ورأس المال , ذلك لأن أية محاولة للتمييز بينهما ستثير مسائل تاريخية  يصعب أن تقرر أي العوامل الإنتاجية كل من صنع الإنسان , وما هو من مواهب الطبيعة . كما وجهت انتقادات إلي التفرقة بين عنصري العمل والتنظيم في الفكر التقليدي ذلك لأن الفكر الحديث يري أن  التنظيم هو نوع من أنواع العمل المتعددة ولا يجوز فصله عنه , وبهذا فقد أصبحت الطبيعة مع رأس المال وأدمج التنظيم مع العمل , وهكذا انتهى  الفكر الاقتصادي الحديث إلي تقسيم عناصر الإنتاج إلي أثنين فقط هما : العمل ويشمل التنظيم ,  ورأس المال ويشمل الطبيعة .

عوامل الإنتاج في الفكر الاشتراكي :
نجد أن الفكر الاشتراكي يركز في عوامل الإنتاج علي العمل فقط , وبهذا فهو لا يعترف بالعناصر الأخرى لعوامل الإنتاج , وذلك لأنه يعتبر العمل محور النشاط الإنساني كله , وبهذا فهو الموجه الأساسي لعوامل الإنتاج نحو إنتاج الثروة المادية , وبهذا فإنه يدمج فيه المعدات والآلات ورؤوس الأموال والأرض أيضا , ويعتبر أن الإنسان يستطيع بعمله التأثير علي الطبيعة وإخضاعها  لرغباته ومشيئته , وبالرغم من ذلك فإن هناك وجودا ضمنيا لعناصر الإنتاج الأخرى وهي رأس المال والأرض والمنظم تتمثل في تحليل ماركس للقيمة التي يفسرها  علي أساس كمية العمل , ولذا فإنه يمكننا أن نقول : أن عناصر العمل  الموجودة في الاقتصاد التقليدي والحديث موجودة في الفكر الاقتصادي الاشتراكي .

 أسس العمل في ظل الاقتصاد الإسلامي :
إن العمل كعنصر من عناصر الإنتاج يعني بذل الجهد المستمر سواء كان عقليا أو بدنيا من أجل زيادة الإنتاج والارتفاع بمستوى الخدمات , ومن اجل تحقيق الرفاء لأفراد المجتمع و رفاهيتهم ماديا وأخلاقيا , كي يدعم هذا المجتمع ويعيش أفراده في أمان من  غوائل البطالة وشرورها  , ويحققوا لأنفسهم ما نصبوا إليه من الحلال وليكون العمل بينهم عامل توجيه إلي تحقيق التعاليم الإسلامية في وجوب تقوية بنيان الدولة الإسلامية وما يجب أن يسوءها من تكافل اجتماعي  وازدهار اقتصادي .
وقد اشتمل القرآن الكريم علي آيات كثيرة تعبر عن المعنى الاقتصادي للعمل منها قوله تعالى :(( ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تزودان قال ما خطبكما  قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير (23) إلى نهاية الآية 28 من سورة القصص . ويقول جل جلاله )) فانطلقا  حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما  فوجدا فيها جدار يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لتخذن عليه أجرا )) ( سورة الكهف آية 77).
وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يفيد المعنى الاقتصادي للعمل , فقد قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه ).
ومن دراسة النصوص الماضية يتضح لنا أن الشريعة الإسلامية قد أباحت لنا إجارة الأفراد مقابل أجر معين , وهذا يتيح لنا استخدام الأفراد في النشاطات الاقتصادية  مقابل أجر سواء كانت هذه النشاطات في مجال السلع أو إنتاج الخدمات , وإذا كان الإسلام أباح للعامل أن يعمل مقابل أجر , فهو معناه جواز امتلاك العامل للأشياء التي أنتجها نفسها مقابل عمله أم أنه لا يجوز له امتلاكها ؟ بل له فقط أجره الذي يتقاضاه نتيجة ما يقوم به من عمل ؟ إن الإسلام يجيز للعامل الذي يعمل في أي عنصر من عناصر الإنتاج أن يتملك إذا استطاع تملك عنصر من عناصر الإنتاج نتيجة لادخاره من عمله  وأن يتصرف فيه كما يشاء , كما أن راتبه أو أجره يستطيع أن يتصرف به كيفما يشاء لإشباع حاجاته الخاصة واستخدامه في شراء أدوات إنتاجية يتملكها ملكية فردية أو أشياء استهلاكية  . بعكس النظم الاشتراكية التي تمنع تملك  أدوات الإنتاج ملكية فردية . ولا تعطي للأفراد الحق في التمتع بالأجر سواء كان نقدا أو عينا , ولم تقف عند هذا الحد بل إنها منعت العامل الحق في أنه يتملك بهذا الأجر عنصرا إنتاجيا فإن الأجر ليس كافيا للقيام بعملية التملك , كما منعته أيضا أن يتملك العناصر الإنتاجية نتيجة لعمله فيها فليس له الحق في تملك الأرض إذا أحياها , والسبب في ذلك يرجع إلى أن عملية التملك هي مسألة متعلقة بالمذهب العام للنظام الاشتراكي , ومخالفا لذا فإن الإسلام يتيح للعامل تملك عنصر من عناصر الإنتاج إذا عمل فيه ومثال ذلك لو قام أي شخص بإحياء أرض موات فإنه يمتلكها وذلك استنادا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم :( من أحيا أرض ميتة هي له ) .
ومما تقدم يتضح لنا أن الإسلام ينظر إلي العمل نظرة اقتصادية  متقدمة لأنه راعى فيها ظروفا وملابسات متعددة , فقد أباح  للعامل أن يتملك أولا أجره , وثانيا أن يتملك وسائل الإنتاج نفسها مباشرة مقابل عمله فيها , وهذا دليل علي تقديس العمل في الإسلام واهتمامه به وبمن يقومون به ناهيكم عن الأجر  الأخروي  .

رأس المال في الاقتصاد الإسلامي :
وحينما نتكلم عن رأس المال كعنصر من عناصر الإنتاج في الاقتصاد الإسلامي فهذا يعني أن تلك الأموال الناتجة عن العملية الإنتاجية التي قام بها العمل بالاشتراك مع الموارد الطبيعية التي لا تصلح بنفسها مباشرة لإيفاء متطلبات وحاجات الأفراد , أي أنها لا يمكن أن تشبع حاجات الأفراد , وإنما تستخدم لإنتاج أموال أخري صالحة لإشباع هذه المتطلبات والحاجات سواء كانت هذه الأموال نقدية أو عينية . ونجد في القرآن الكريم آيات تتعلق برأس المال كعنصر من عناصر الإنتاج منها قوله تعالي : ((  علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقتلون في سبيل الله ))( سورة المزمل الآية 20 ) فقد ساوى الله تعالي بين المجاهد والمكتسب الذي يسعى في طلب الزرق الحلال والضرب في الأرض هو السفر للتجارة . وقوله تعالي )) وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ))  فهذه الآية تدل على أن هناك من الثروات ما قد اعتبرها الإسلام رأس مال , وكانت تعطي لصاحبها دخلا أو عائدا محدودا وهو ما اعتبره الإسلام ربحا محرما , ولكنه أباح استخدام رأس المال في البيع و الشراء والمشاركة في الإنتاج . نجد أن الزكاة قد بين الفقهاء فيها بأنها تجب علي الأموال المرصودة للنماء وإما بنفسها وإما بالعمل فيها .
وقد جاء في تقرير وصفه بعض العلماء المعاصرين أنه قد اتفق الفقهاء على أن العلة في فرضية الزكاة في الأموال نماؤها بالفعل أو بالقوة , وإن الزكاة تثبت في الزروع والثمار لأنها نماء الأرض , فالأرض إذا ما نمت بالفعل والنقود لا تثمر بذاتها ولكنها تنمو باستخدامها في التجارة والصناعة وقد وجدت لذلك , فهي لا تشبع الحاجات بنفسها ولكنها تشبعها بما تتخذ وسيلة لجلبها  ولهذا اعتبرت مالا نافيا بالقوة .
ونجد في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يفيد المعني الاقتصادي لرأس المال باعتباره عاملا من عوامل الإنتاج وذلك لقدرته علي الإنتاج وقدرته علي توليد دخل معين من العملية الإنتاجية التي يستخدم فيها , فقد روى أن العباس بن عبد المطلب كان يدفع ماله مضاربة ويشترط أن  لا يسلك له بحرا ولا ينزل واديا ولا يشتري ذات كبد رطبة فإن فعل ذلك ضمن , فبلغ رسول الله فاستحسنه وأجازه.
وروى عنه عليه الصلاة والسلام أنه لما قدم المدينة وجد أهلها يسلفون بالعمر السنتين والثلاث فقال : من أسف في شئ ففي كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم .
والأقراض كان سائدا في الجاهلية , وكانت قريش أهل تجارة وكان منهم من يعطي ماله مضاربة للغير  ليتجر به بجزء مسمي من الربح , فأقر لهم رسول الله ذلك وعمل به المسلمون عملا للأحلاف فيه ونجد أن بعض الاقتصاديين الإسلاميين عرف رأس المال بمقولة :(( ثروة منتجة وليس مصدرا أساسيا للإنتاج لأنه يعتبر اقتصاديا عن كل ثروة تم انجازها وتبلورت خلال عمل بشري لتساهم من جديد في إنتاج ثروات أخري )) , كما عرفوه أيضا بأنه )) ثروة إنتاجية كأداة إنتاج تولدت بسبب تضافر عنصر العمل معل الأرض )) وبأنه )) كل ثروة تستخدم في إنتاج ثروة أخرى لها .
ورأس المال كعنصر من عناصر الإنتاج في الاقتصاد الإسلامي نجده ينقسم إلى قسمين كبيرين , رأس المال التجاري , ورأس المال الإنتاجي , فرأس المال التجاري هو مجموع الأموال الاقتصادية التي تستخدم قصد المبادلات  سواء كانت هذه الأموال عينية كالسلع أو نقدية كالنقود السائلة , والتفرقة بين المال العيني والمال النقدي في الاقتصاد الإسلامي تفرقة تحمل أكثر من دلالة عند الفقهاء , لأن الأموال العينية تستحق عينا مقابل إسهامها في العملية الإنتاجية , أما المال النقدي فإنه يستحق ربحا نظير مشاركته في الإنتاج مع العمل ولا يستحق أجرا  لأنه يعتبر ربا .
 أما رأس المال الإنتاجي فإنه ينقسم أيضا إلى رأس مال نقدي , وهو عبارة عن مجموع المبالغ النقدية التي تستخدم  في تمويل العملية الإنتاجية , ورأس مال فني أو عيني وهو عبارة عن مجموع الأموال المادية التي تستخدم في العملية الإنتاجية فتؤدي إلي زيادة إنتاجية العمل .
ومما تقدم يتضح لنا أن الإسلام يبيح إجارة رأس المال  وهذا يعني أنه يجوز لصاحب المال  أن يعطيه أو جزء منه إلى شخص آخر بغرض استغلاله في الأنشطة التجارية والاقتصادية مقابل عائد يخضع للأصول الإسلامية العامة ولا يخرج عنها بأن لا يكون هذا العائد ربا أي فائدة محدودة المقدار , وإنما يكون ربحا نتيجة مشاركة رأس المال مع العمل في إيجاد هذا العائد أو هذا الربح , وذلك كما هو الحال في المضاربة إذ يتوزع الربح الناتج عنها بين صاحب المال والعامل الذي يعمل فيه بجهده وخبرته .
ورأس المال مع  ما يضاف إليه من عائد نتيجة مشاركة العمل يتيح لصاحبه أن يتملك ما شاء من  سلع استهلاكية أو إنتاجية تخضع هي ألآخري لمبدأ الحلال والحرام في الإسلام وللقيود التي ترد على الملكية الخاصة في عدم الجواز لها بأن تقع على أملاك تكون تابعة للملكية العامة لجميع الناس أو لملكية الدولة .

ليست هناك تعليقات:

تابعني علي التويتر