الأحد، 11 مارس 2012

الربيع العربي قادم وإلى الربيع الإسلامي ذاهب بإذنه تعالي,الحلقة (17)



الربيع العربي قادم وإلى الربيع الإسلامي ذاهب بإذنه تعالي,الحلقة (17)

تكلمنا في الحلقة الماضية عن الشيوعية والليبرالية وسوف نتكلم في هذه الحلقة عن الملكية في النظامين الشيوعي والليبرالي ونقارنهما بالملكية في الاقتصاد الإسلامي .
أولا الملكية في ظل النظام الشيوعي أو الاشتراكي :
نجد أن النظام الشيوعي يقر الملكية الجماعية أي أن الدولة تملك جميع الأموال , وخاصة الأموال الإنتاجية كالأراضي والآلات والمصالح وهي بهذا نقيض للرأسمالية التي تقوم  علي مبدأ حرية التملك المطلق للأفراد لكافة أنواع الأموال الإنتاجية منها أو الاستهلاكية .

وبهذا فإن للدولة لها حق تملك وسائل الإنتاج الصناعية ومن معامل وآلات وعقارات وأراضي وغير ذلك , وهي التي تضع برامج الإنتاج وفق معدلات وأسس ترتبط بالاستهلاك  كما يزعمون وليس للكسب , وقد يسمح في هذا النظام للأفراد بالتملك الخاص في حدود ضيقة جدا لا تتعدى الاستهلاك  الشخصي أو بعض الصناعات الصغيرة أو الأعمال الزراعية , كما كان عليه الحال في الإتحاد السوفيتي . كما توجد حرية اختيار العمل أو المهنة التي يرغبها الشخص , وكذلك أنواع السلع الاستهلاكية التي يفضلها , إلا أن ذلك مرهون بسياسة الحكومة التي لها الحق في الحد من هذه الحرية  بتحديد بعض أنواع السلع الاستهلاكية والخدمات العامة .
الملكية في النظام الليبرالي أو الرأسمالي :-
أن الفلسفة التي يرتكز عليها النظام الليبرالي الرأسمالي هي الحرية المطلقة بمعناها الواسع الذي يحوي حرية التملك , حرية التعاقد , حرية الإنتاج  , حرية العمل , حرية الاستهلاك . ومن هذا المنطق فإن الملكية الفردية هي من أهم الأسس التي يرتكز عليها النظام الليبرالي الرأسمالي مهما كانت نوعية السلع محل التملك استهلاكية أو إنتاجية  , ومهما كان حجم الملكية صغيرا أو كبيرا , حتي أضحت  ملكية الفرد روح النظام الليبرالي الرأسمالي , لأنها هي الغرض الأساسي  من كل نشاط اقتصادي بل هي القاعدة في النظام الليبرالي الرأسمالي , فلا يمكن الخروج عنها إلا بحكم الظروف الاستثنائية  التي تعرض وضع بعض القيود علي مصادر الإنتاج الضرورية أو تأميمها أو نقلها إلي الملكية العامة .

الملكية وطبيعتها في الإسلام :-
إن الإسلام احترم الملكية الخاصة بل وجعلها أصلا من الأصول الاقتصادية حيث بنى عليها  المبادئ  الثابتة في الاقتصاد الإسلامي ونلخص هذه الأصول في التالي :
-       أصل أن المال مال الله والبشر مستخلفون فيه
-       أصل ضمان ( حد كفاية ) لكل فرد في المجتمع الإسلامي
-       أصل تحقيق العدالة الاجتماعية وحفظ التوازن الاقتصادي بين أفراد المجتمع الإسلامي
-       أصل احترام الملكية الخاصة
-    أصل الحرية الاقتصادية المقيدة وذلك بتحريم أوجه النشاط الاقتصادي التي تتضمن استغلال أو احتكار أو ربا .
-       أصل التنمية الاقتصادية الشاملة .
-       أصل ترشيد الإنفاق .
ومن هنا ندرك أن حكمة تقرير الإسلام للملكية  الخاصة أيضا أن المال يعتبر في نظر الإسلام ضروريا للحياة البشرية ودعامة وجود المجتمع , وكذلك تكون به حياة الإنسان وبقاؤه. وإن سعى الإنسان إلي تحصيله واقتنائه يكون ذلك بحكم فطرته وغريزته وذلك لسد حاجته والحصول على واجب تجنب للهلكة وبعدا عن الفناء.

حماية الملكية الخاصة :
 إن الشريعة الإسلامية لم تكتف بتقرير الملكية الخاصة بل حرصت كل الحرص علي حمايتها والحفاظ عليها من السرقة والتلاعب والتبذير فيما لا فائدة منه . ذلك لأهمية المال في الحياة الذي يعتبر زينتها والمعين للعباد علي أداء الطاعة , فمثلا الخيرات  تمكن المجتمع الإسلامي من بناء اقتصاد متين يشمل علي صناعات متنوعة تشمل جميع المتطلبات الاستهلاكية وكذلك الدفاعية , حتي يكون لدي المجتمع الإسلامي قوة جبارة يستطيع بموجبها صد أي عدوان والدفاع عن الأمة الإسلامية حتي تكون قوية لا تستطيع الشعوب الأخرى قهرها و السيطرة عليها أو الضغط عليها , لأن الإسلام ينص علي أن الأمة الإسلامية لا تخضع لأي قوة أو سلطة سوى السلطة المسلمة التي تمكنها من أداء فرائضها علي الوجه المطلوب .
وحينما نتابع تعاليم الشريعة الإسلامية نجد إنها لا تحمي الملكية الفردية فقط , وإنما هي حريصة أيضا علي حماية الملكية الجماعية وكذلك حماية ملكية الدولة , فحد السرقة مثلا لم يكن تشريعه لحماية الملكية الفردية  فقط , وإنما هو حماية لكل أنواع الملكية,
 وأهم تشريعات حماية الملكية والحفاظ عليها ما يلي :
-    توثيق الدين : وذلك لقوله تعالي  ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ )) إلي نهاية الآية سورة البقرة ( أية 282 ) .
-       النهي عن التصدي على أموال الغير :
لقد نهت الشريعة الإسلامية عن التعدي علي أموال الغير ظلما وعدوانا , بل وصلت حماية الشريعة للأموال أن اعتبرت من يقُتل من أجل الدفاع عن ماله شهيدا , والنصوص التي تحرم أكل مال الغير بالباطل كثيرة , من ذلك قوله تعالي (( وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ )) (188) البقرة.  وقوله تعالى  ((وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا )) . ( سورة النساء أية 6 ) , وقوله تعالى : (( يأيها الذين أمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضي منك ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ))  } سورة النساء آية 29 { وقوله تعالي : (( إن الذين يأكلون أموال اليتمى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا )) ( سورة النساء آية 10 ) .
ولم يقف الأمر عن النهي عن التعدي ظلما وعدوانا , بل جعلت الشريعة حد السرقة بقطع يد السارق وذلك تنفيذا لقوله تعالي : (( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم )) ( سورة المائدة آية 38 ) ومعروف لدينا أن الشرع  شدد في تنفيذ الحدود . وكذلك عقوبة قطاع الطرق والحرابة قد تصل إلي القتل , أو القتل مع الصلب , أو القطع أو النفي وفي ذل يقول الله جل شأنه : (( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع  أيديهم  وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم )) ( سورة المائدة آية 33) , وكذلك نجد أن الإسلام حرم  الفس والضرر في البيوع وحرم القمار والميسر والربا والرشوة .
أسباب التملك الجائز شرعا :-
1-  إحراز المباحات والاستيلاء عليها ويشمل الصيد  وإحياء  الموات والاحتطاب  واستخراج ما في باطن الأرض والغنائم .
2-   العقود الناقلة للملكية وتشمل المعوضات المالية والتبرعات  من بيع وإجارة وهبة ووصية كما تشمل قبول ما يجب دفعه علي المعطى  في الزكاة والنفقات والنذور  والكفارات .
3-   الميراث بحسب الأنصبة  الشرعية المستحقة للوارثين .
4-   التعويض ويشمل ضمان ما يتلفه الإنسان من أموال الغير ولدية وغيرها .
5-   التولد من المملوك مثل نتاج الحيوانات و الزروع وغيرها .
6-  حيازة الشئ لمدة طويلة عند القائلين بها من المالكية بشروط  وهي تثبيت الملك عندهم ظاهرا وباطنا , وعند الحنفية تثبيته ظاهرا لا باطنا .
7-   التقاط المال ثم تعريفه عند من يقولون بملكيته من المالكية و الشافعية والحنابلة وذلك بشروط معينة.
8-   العمل في الإسلام من أهم أسباب التملك ويعتبر أعلاها درجة . ويقول السيوطي في أسباب التملك في كتابه : (( أسباب التملك ثمانية : المعارضات , والميراث , والهبات , والوصايا , والوقف , والأحياء , والصدقات )) . وقال ابن السبكي : (( وبقيت أسباب أخري منها تملك اللقطة بشرطه ومنها دية القتيل  بملكها أولا ثم تنتقل لورثته )) .
 
الملكية العامة في الشريعة الإسلامية :
لقد عرفنا أن الإسلام قد أقر الملكية الخاصة لكثير من الأموال سواء كانت إنتاجية  أو استهلاكية أو عقارات أو غيرها ورأينا كيف حمى هذه الملكية من الاعتداء عليها , وقد راعى في ذلك مصلحة الخاصة مراعيا ما في التكوين الفطري للإنسان من حب للتملك ورغبة في الحيازة , مع تهذيب لهذه الفطرة وتأديب لها , حيث فرض عليها القيود والحدود والالتزامات  والواجبات ومع هذا فقد ترك للجماعة  حقوقا في التملك والنفقة لا يجوز بحال أن تكون محلا للتملك الخاص لأن وقوعها تحت التملك الخاص يبطل الانتفاع بها فيما هي مهيأة  له لمصلحة الجماعة , ويمكن أن نتعرف علي الملكية العامة في خطوطها العامة في التالي :-
أولا : الأراضي الزراعية العامرة :
وهذه إذا دخلت في حوزة الإسلام قهرا عن طريق القتال , فإن علماء المالكية يقولون بأنها تصح فيئا  موقوفا علي سائر المسلمين في مختلف الأعصار والأمصار ولا تخضع للملكية الخاصة . اللهم إلا إذا وجد الأمام أن المصلحة العامة تقتضي توزيعها  علي الأفراد فتوزع . وقال علماء المذهب الحنفي : وإن الإمام مخير  بين توزيعها  كغنيمة وبين وقفها علي سائر المسلمين . أما علماء الشيعة : فيقولون بأن تلك الأرض تصبح خاضعة للملكية العامة . ويقول الحنابلة : إن تلك الأرض تخضع للملكية العامة .
 ومما تقدم يتضح لنا أن جمهور الفقهاء يرون أن هذه الأموال تخضع للملكية العامة , وعلي كل فإن في عصرنا هذا لا توجد فتوحات ولا يوجد فيء  وعلي هذا فالدولة الإسلامية لا تحقق دخلا  لا من خراج  ولا من أراضي وقف علي المسلمين , وإنما كان هذا يعتمد عليه في صدر الإسلام وفي العهد الأموي والعباسي .

ثانيا : المعادن والوقود :-
 إن الفقهاء يفرقون بين الظاهر منها والباطن ,  والمقصود هنا بالظاهر  ما برز فيه جوهره كالنفط
 والباطن المراد به ما أحتاج إلي تنقية كالذهب والنحاس وغيره من المعادن . ولقد اتفق الفقهاء علي أن المعادن الظاهرة تخضع للملكية العامة , ولا يجوز للفرد أن يستأثر بحقل من حقولها في حين أن البعض يري أن المعادن الباطنة أيضا لا يحق للأفراد تملكها وذلك في قول الحنابلة و المالكية . أما الشافعية فيقولون : إن النوع الذي يحتاج إلي تنقيب دقيق يمكن للأفراد تملكه وعلي كل فإن الرأي السائد بين الفقهاء هو أن قطاع التعدين يكون للملكية العامة فقط.

ثالثا الغابات :-
 ونجد أن العلماء لهم رأيان , رأي يقول بأنها تخضع للملكية العامة ورأي يقول بأنها تعامل معاملة أرض الموات فيجوز لأي فرد أن يمتلك جزءا منها .
ومما تقدم يتضح لنا أن الملكية العامة تشمل القطاعات الأساسية في الاقتصاد القومي , والقاعدة المقررة من قبل الفكر الإسلامي في هذا الشأن هي : كل مال لا يستغني عنه المسلمين كافة تكون ملكية عامة .
وقد ترك لكل بلد ولكل عصر أن يطبق هذا المبدأ حسب الظروف التي يعيشها والمتغيرات التي تحيط به , وعلي الدولة تقع مسئولية  تحديد  هذه القطاعات  وتوجيه  ناتجها لصالح جميع الأفراد دون أن تخص بها أحد من الناس ولو كان ذلك الحاكم نفسه .
 ومما تقدم يتضح لنا أن الإسلام جعل الثروات الطبيعية التي في باطن الأرض كالبترول والمعادن حقا عاما لكافة شعب البلاد , وذل لكي تكون مصدرا رئيسيا لتمويل النفقات العامة علي اختلاف أنواعها , والدولة هنا بمثابة الوكيل أو النائب عن جميع أفراد الجماعة , وليست مالكة له , وباعتبار أن السلطة في يد الملك أو الرئيس هو الذي قام بدوره بتوزيعها علي أعضاء الحكومة فهي تنتقل إليه علي حسب تعاليم الشريعة .

ملكية الدولة في الشريعة الإسلامية "
لقد لمسنا أن حكمة التشريع الإسلامي أن لا يختص الفرد وحده أو الجماعة وحدها أو الفرد والجماعة معا في حق التملك , بل اشتركت الدولة في هذا الحق حيث جعلت لوزارة المالية موارد يتصرف فيها القائم علي أمور المسلمين بما فيه تحقيق مصلحتهم العامة والمتمثلة في إيجاد التوازن بين أفراد المجتمع وجماعاته. حيث يختل هذا التوازن بسبب من الأسباب تتدخل الدولة لإصلاح هذا الخلل . ولنعرف ملكية الدولة يمكننا القول بأنها هي الملكية التابعة للدولة والتي يكون صاحب الاختصاص فيها هو بيت ( وزارة )  يتصرف فيها تصرف الملاك في أملاكهم بالبيع والإنفاق  والهبة وغير ذلك بشروط تحقق المصلحة العامة للجماعة الإسلامية .
وهذا الأموال مثل الأرض الموات التي ليست حية بطبيعتها وتحتاج إلي من يحييها فتظل ملكا للدولة إلي أن يحييها أحد من الناس فتصير ملكا خاصا له بالأحياء .
ومن الصور الحديثة لملكية  الدولة أسهم رأس المال في الشركات العامة وكذلك مقار الدوائر الحكومية كمباني الوزارات والمدارس والمستشفيات وفروع الوزارات في المدن المختلفة  إن كانت ملكا لدولة غير مستأجرة .

ملكية الكلأ والنار :
معروف لدينا أن الكلأ هو العشب الذي ينبت في الأرض من المطر بدون فعل فاعل وهذا ملك لجماعة المسلمين , وكذلك الحطب ملك لجماعة المسلمين إذ كان شجره دون فعل فاعل , وذلك تنفيذا لقوله صلى الله عليه وسلم :(( المسلمون شركاء في ثلاث في الماء والكلأ والنار ) ويري المالكية أن الأرض إذا كانت محوطة فإن الكلأ ملك لصاحبها وإن لم تكن محوطة فليس له تملكه لأن الإحاطة كالإحراز له .
ومما تقدم يتضح لنا الفارق الكبير بين الملكية في النظام الرأسمالي والنظام الشيوعي وفي الإسلام , إذ وجدنا أن هنالك مغالاة في الملكية لدى النظام الرأسمالي مما نتج عنه رد فعل كبير لدى طبقة العمال والفقراء مما أدى إلي ظهور النظام الشيوعي كرد فعل للنظام الرأسمالي . والإسلام كعادته أتى وسط بين النظامين . فإن الله عز و جل أنزل الإسلام قبل ظهور النظامين وهو جل جلاله يعرف طبيعة البشر , فشرع لهم نظاما للملكية وسطا وجعل في مال الموسر حقا للسائل والمحروم, وكذلك جعل بجانب الملكية الفردية  ملكية جماعية وملكية للدولة حتى يكون هناك تناسق بين جميع  طبقات الشعب وحتى يكون لدى الدولة مصادر للدخل تصرف منها علي عامة المسلمين حتى حد الكفاية , وقد طبق هذا في صدر الإسلام وفي عهد الدولة الإسلامية التي بعد الخلفاء الراشدين.
                                     الى اللقاء في الحلقة القادمة


ليست هناك تعليقات:

تابعني علي التويتر