الربيع العربي قادم وإلى الربيع الإسلامي ذاهب بإذنه تعالي (16)
تكلمنا في الحلقة الماضية عن القومية العربية وسوف نتكلم في هذه الحلقة عن الليبرالية الجديدة ولكي نتعرف علي الليبرالية يجب أن نتعرف علي الشيوعية أولا ذلك لأن الليبرالية ظهرت للقضاء علي الشيوعية , فالشيوعية هي مذهب فكري يقوم علي الإلحاد , أن المادة هي أساس كل شئ , ويفسر التاريخ بصراع الطبقات وبالعامل الاقتصادي .
ظهرا الشيوعية في ألمانيا علي يد ( ماركس وانجلز ) وتجسدت في الثورة البلشفية التي ظهرت في روسيا سنة 1917م بتخطيط من اليهود , وتوسعت علي حساب غيرها بالحديد والنار . وقد تضرر المسلمون منها كثيرا , وهناك شعوب محيت بسببها من التاريخ , ولكن الشيوعية أصبحت الآن في ذمة التاريخ , بعد أن تخلى عنها الاتحاد السوفيتي , الذي تفكك بدوره إلي دول مستقلة تخلت كلها عن الماركسية , واعتبرتها نظرية غير قابلة للتطبيق .
أما التأسيس وأبرز الشخصيات فقد وضعت أسسها الفكرية النظرية علي يد كارل ماركس اليهودي الألماني (1818- 1883 ) م وهو حفيد الحاخام اليهودي المعروف مردخاي ماركس , وكارل ماركس شخص قصير النظر متقلب المزاج , حاقد علي المجتمع , مادي النزعة , ومن مؤلفاته : 1- البيان الشيوعي الذي صدر سنة 1848م 2- رأس المال الذي ظهر سنة 1868م
ساعده في التنظير للمذهب فردريك إنجلز (1820- 1895 ) م , وهو صديق كارل ماركس الحميم وقد ساعده في نشر المذهب كما أنه ظن ينفق علي ماركس وعائلته حتي مات , ومن مؤلفاته 1- أصل الأسرة 2- الثنائية في الطبيعة 3- الاشتراكية الخرافية والاشتراكية العلمية .
لينين : اسمه الحقيقي : فلاديمير أليتش بوليانوف , هو قائد الثورة البلشفية الدامية في روسيا 1917م وديكتاتورها المرهوب , وهو قاسي القلب , مستبد برأيه , حاقد علي البشرية , ولد سنة 1870م ومات سنة 1924م , وهناك دراسات تقول بأن لينين يهودي الأصل , وكان يحمل اسما يهوديا , ثم تسمي باسمه الروسي الذي عرف به مثل تروتسكي في ذلك . ولينين هو الذي وضع الشيوعية موضع التنفيذ , وله كتب كثيرة وخطب ونشرات أهمها ما جمع فيها يسمى ( مجموعة المؤلفات الكبرى ).
- ستالين : واسمه الحقيقي جوزيف فاديونوفتش زوجا شفلي 1879م - 1954م وهو سكرتير الحزب الشيوعي ورئيسه بعد لينين . اشتهر بالقسوة والجبروت والطغيان والديكتاتورية وشدة الإصرار علي رأيه , ويعتمد في تصفية خصومه علي القتل والنفي , كما أثبتت تصرفاته أنه مستعد للتضحية بالشعب كله في سبيل شخصه , وقد ناقشته زوجته مرة فقتلها .
- تروتسكي : ولد سنة 1879م واغتيل سنة 1940 م بتدبير من ستالين , وهو يهودي اسمه الحقيقي بروشتاين . له مكانة مهمة في الحزب وقد تولي الشؤون الخارجية بعد الثورة , ثم أسندت إليه شؤون الحزب ثم فصل من الحزب بتهمة العمل ضد مصلحة الحزب , ليخلو الجو لستالين الذي دبر اغتياله للخلاص منه نهائيا .
الأفكار والمعتقدات :
أما أفكار ومعتقدات الشيوعية فهي إنكار وجود الله تعالي وكل الغيبيات , والقول بأن المادة هي أساس كل شئ , وشعارهم : نؤمن بثلاث : ماركس ولينين وستالين , ونكفر بثلاث : الله , الدين , الملكية الخاصة . عليهم من الله ما يستحقون.
فسروا تاريخ البشرية بالصراع بين البورجوازية والبروليتارية ( الرأسمالين والفقراء ) وينتهي هذا الصراع حسب زعمهم بديكتاتورية البروليتارية . ويحاربون الأديان ويعتبرونها وسيلة لتخدير الشعوب , وخادما للرأسمالية والأمبرالية والاستغلال , مستثنين من ذلك اليهود لأنهم شعب مظلوم يحتاج إلي دينه ليستعيد حقوقه المغتصبة . ويحاربون الملكية الفردية , ويقولون بشيوعية الأموال وإلغاء الوراثة . وتتركز اهتماماتهم في كل ما يتعلق بالمادة وأساليب الإنتاج , وأن كل تغيير في العالم في نظرهم إنما هو نتيجة حتمية لتغير وسائل الإنتاج , وإن الفكر والحضارة والثقافة هي وليدة التطور الاقتصادي . ويقولون بأن الأخلاق نسبية وهي انعكاس لآلة الإنتاج ويحكمون الشعوب بالحديد والنار ولا مجال لإعمال الفكر والغاية عندهم تبرر الوسيلة .
ويعتقدون بأنه لا آخرة ولا عقاب ولا ثواب في غير هذه الدنيا . ويؤمنون بأزلية المادة وأن العوامل الاقتصادية هي المحرك الأول للأفراد والجماعات . ويقولون بديكتاتورية الطبقة العاملة , ويبشرون بالحكومة العالمية . وتؤمن الشيوعية بالصراع و العنف , وتسعي لإثارة الحقد والضغينة بين العمال وأصحاب الأعمال والدولة في نظرهم هي الحزب , والحزب هو الدولة . وتكون المكتب السياسي الأول للثورة البلشفية من سبعة أشخاص كلهم يهود إلي واحد , وهذا يكفي مدي الارتباط بين الشيوعية واليهودية . وتنكر الماركسية الروابط الأسرية , وترى فيه دعامة للمجتمع البرجوازي , وبالتالي لا بد من أن تحل محلها الفوضى الجنسية . ولا يحجمون عن أي عمل مهما كانت بشاعته في سبيل غايتهم , وهي أن يصبح العالم شيوعيا تحت سيطرتهم . قال لينين : (( إن هلاك ثلاثة أرباع العالم ليس بشئ , إنما الشئ المهم هو أن يصبح الربع الباقي شيوعيا )). وهذه القاعدة طبقوها في روسيا أيام الثورة وبعدها , وكذلك في الصين وغيرها , إذ أبيدت ملايين البشر , كما كان اكتساحهم لأفغانستان في القرن الماضي بعد أن اكتسحوا الجمهوريات الإسلامية الأخرى كبخارى وسمرقند وبلاد الشيشان والشركس , إنما ينضوي تحت تلك القاعدة والإجرامية وكانوا يهدمون المساجد ويحولونها إلي دور ترفيه ومراكز للحزب , ويمنعون المسلم من إظهار شعائر دينه , أما اقتناء المصحف فهو جريمة يعاقب عليها بالسجن لمدة سنة كاملة .
وكان توسعهم علي حساب المسلمين , فكان أن احتلوا بلادهم وافنوا شعوبهم وسرقوا ثرواتهم . واعتدوا علي حرمة دينهم ومقدساتهم . ويعتمدون علي الغدر والخيانة والاغتيالات لإزاحة الخصوم ولو كانوا أعضاء الحزب.
الجذور الفكرية والعقائدية :
أما جذور الشيوعية الفكرية والعقائدية فلم تستطع الشيوعية إخفاء تواطؤهها مع اليهود وعملها لتحقيق أهدافهم , فقد صدر منذ الأسبوع الأول للثورة قرار ذو شقين بحق اليهود :
- يعتبر عداء اليهود عداء للجنس السامي يعاقب عليه القانون.
- الاعتراف بحق اليهود في إنشاء وطن قومي في فلسطين .
ويصرح ماركس بأنه اتصل بفيلسوف الصهيونية وواضع أساسها النظري وهو ( موشيه هيس ) أستاذ هرتزل الزعيم الصهيوني الشهير . وجد ماركس هو الحاخام اليهودي المشهور في الأواسط اليهودية مردخاي ماركس . وتأثرت الماركسية إضافة إلي الفكر اليهودي بجملة من الأفكار والنظرات الإلحادية منها :
1- مدرسة هيجل العقلية المثالية
2- مدرسة كونت الحسية الوضعية
3- مدرسة فيورباخ في الفلسفة الإنسانية الطبيعية
4- مدرسة باكونين صاحب المذهب الفوضوي المتخبط
الانتشار ومواقع النفوذ :
أما انتشار الشيوعية ومواقع نفذوها فقد حكمت الشيوعية عدة دول منها : الإتحاد السوفيتي , والصين وتشيكوسلوفاكيا , المجر , وبولندا , وألمانيا الشرقية , ورومانيا , ويوغسلافيا , وألبانيا , وكوبا , وفيتنام . ومعلوم أن دخول الشيوعية إلي هذه الدول كان بالقوة والنار والتسلط الاستعماري , ولذلك فإن جل شعوب الدول أصبحت تتململ بعد أن عرفت الشيوعية علي حقيقتها , وأنها ليست الفردوس الذي صور لهم, وبالتالي بدأت الانتفاضات والثورات تظهر هنا وهناك , كما حدث سابقا في بولندا والمجر وتشيكوسلوفاكيا , كما أنك لا تكاد تجد دولتين شيوعيتين في وئام دائم .
أما في العالم الإسلامي فقد استفاد الشيوعيون من جهل بعض الحكام وحرصهم علي تدعيم كراسيهم , ولو علي حساب الدين , كما تحكمت في بعض الدول الإسلامية الأخرى بواسطة عملائها , وتقوم الدول الشيوعية بتوزيع ملايين الكتيبات والنشرات مجانا في جميع أنحاء العالم داعية إلي مذهبها .
وأسست الشيوعية أحزبا لها في كل الدول العربية والإسلامية تقريبا , فنجد لها أحزابا في مصر , وسوريا , ولبنان , وفلسطين , والأردن , وتونس , وغيرها . وأنهم يؤمنون بالأممية ويسعون لتحقيق حلمهم .
وبالطبع وكما هو معروف لدينا قد فشلت الشيوعية فشلا ذريعا , وقد كانت دولها تعاني من مشاكل اقتصادية جمة أجبرتها أن تبحث عن حلول لتفادي هذه المشاكل ولم يجدوا أمامهم إلا الليبرالية الغربية فما هي الليبرالية الجديدة , فقد عرفها ديفيد هارفي في كتابه ( الليبرالية الجديدة ) ترجمة حجاب الأمام قائلا الليبرالية هي نظرية في الممارسات السياسية والاقتصادية , تقول بأن الطريقة الأمثل لتحسين الوضع الإنساني تكمن في إطلاق الحريات والمهارات التجارية والإبداعية للفرد , ضمن إطار مؤسساتي عام يتصف بحمايته الشديدة لحقوق الملكية الخاصة , وحرية التجارة , وحرية الأسواق الاقتصادية .
ويقتصر دور الدولة في هذه النظرية علي إيجاد وصون ذلك الإطار المؤسساتي الملائم لتلك الممارسات , ويحتم علي الدول ضمان قيمة وسلامة الموارد المالية . وعليها إقامة الهيكليات و الوظائف العسكرية والدفاعية والأمنية والقضائية المطلوبة لحماية حقوق الملكية الفردية , واستخدام القوة إن اقتضت الحاجة لضمان عمل الأسواق بالصورة الملائمة , وعليها أيضا في حال لم يكن هناك سوق اقتصادي ( في مجالات مثل الأراضي أو الماء أو التعليم أو الرعاية الصحية أو الضمان الاجتماعي أو تلوث البيئة ) إيجاد هذه الأسواق ولو عن طريق التدخل المباشر إذا لم لزم الأمر . خارج نطاق هذه المهام لا يجب علي الدول أبدا أن تغامر بالتدخل , وفي الميدان الاقتصادي علي وجه الخصوص , يتحتم علي الدولة . إبقاء تدخلها في الأسواق بعد إنشائها علي أدنى المستويات الضرورية , لأن الدولة حسب هذه النظرية لا يمكنها الحصول علي قدر كاف من المعلومات يخول لها القدرة علي تأويل مؤشرات السوق , ( الأسعار ) أو التنبؤ بها : ولأن جماعات الضغط والمصالح القوية خصوصا في الدول الديمقراطية لا بد وأن تشوه وتستغل تدخلات الدولة لمنفعتها الخاصة .
وقد أخذت الدول الشيوعية تطبق اقتصاديات السوق وتنفذ الاقتصاد الرأسمالي مالي حيث بدأت في خصخصة الشركات التابعة للدولة وأخذت تطبق الديمقراطية في نظم حكمها , وهذا ليس بغريب علي دول تدين بالمسيحية , وإنما الغريب أن نجد بين أخواننا المسلمين يكونون أحزابا شيوعية وعلمانية وليبرالية , فالليبرالية لم تعرفها الإنسانية إلا من الإسلام , إلا أن الحريات في الإسلام حريات مثل وقيم لا حريات دعارة وشذوذ جنسي وشرب المسكرات , ذلك لأن معظم الدول الغربية تنادي بالحرية حتى أباحت الشذوذ الجنسي وأباحت الزنا حينما يكون الطرفان راضيين , كذلك أباحت شرب المسكرات التي حرمها الله , فالإسلام هو الذي عرف البشرية كما أسلفت في الحلقة الأولي وإن المساواة للجميع لا فرق بين عربي ولا عجمي ولا ابيض ولا اسود في حين أن الغرب ينادي بحقوق الإنسان وحريات للإنسان الأبيض المسيحي , أما الأجناس الأخرى فلا يحق لهم التمتع بنفس الحريات , إذ يحرمون علي المسلمات أن يلبسن الحجاب أو النقاب وفي بعض الدول منعوا من بناء المآذن , كما أن جنوب أفريقيا والولايات المتحدة كان فيهما السود يعانون معاناة شديدة من التفرقة العنصرية , فالرأسمالية كما نراها اليوم من ناحية الاقتصاد تعاني معاناة كبيرة , إذ أزمة في دول غرب أوروبا وأزمة في الولايات المتحدة , ذلك لأن الاقتصاد الرأسمالي الوضعي منذ تطبيقه في الدول الغربية فإن مواطني تلك الدول يعانون منه عناءا كبيرا . فكلما جاء جيل يصحح أخطاء الجيل السابق . إذ نجد أن بعض علماء الاقتصاد الوضعي الغربي كجاك اوستري في كتابه ( الإسلام أمام التطور الاقتصادي ) يقول فيه : ( ليس هناك في الحقيقة طريقة وحيدة وضرورية لا بد منها للإنماء الاقتصادي كما نريد أن تقنعنا به المذاهب القصيرة النظر في النظامين الاقتصاديين المعاصرين حيث ألح علي ضرورة التماس المذهب الثالث ألا وهو الإسلام لأنه ليس فرديا ولا جماعية , أي وسطا بين الاثنين أي اشتمل علي أحسن ما في الاثنين ) ودعا إلي ضرورة العودة إلي الإسلام وإلي دراسة قواه الكامنة فيه ثم قال بأن الإسلام يتمتع بإمكانيات عظيمة وأنه يستطيع أن يتغلب علي جميع الصعوبات الاقتصادية التي يقف الاقتصاد الحديث عاجز عن معالجتها , ولقد حذر هذا العالم الفرنسي المسلمين بقوله : (إذا لم يأخذوا بالنظام الإسلامي فسوف يجبرون علي قبول تغيرات غير سليمة في أنظمتهم الأساسية , وذلك نتيجة لإتباع منهج من الاقتصاد مفروض عليهم , وفي هذه الحالة يقضي علي الإسلام كمنهج حضاري مستقل ) .
أنا أريد أن أقول أنه يقضى علي اقتصاد البلاد ككل ورأينا كيف وأن حكومة رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤاخي بين المهاجرين والأنصار , وأنه نتيجة لتطبيق تعاليم ومبادئ الاقتصاد الإسلامي علي الجميع في الدولة الإسلامية أثرت الدولة والأفراد ثراء كبير وقد ذكرت بأنه أصبح قيمة الفرس الواحد أكثر من مائة ألف درهم وأن الصحابة أضحوا يكسرون الذهب بالفؤوس وان جميع هذه المواد السالف ذكرها تثبت بما لا يدع مجال للشك أن الدولة الإسلامية هي دولة مدنية بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى . اذ ساوت بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات وتركت لغير المسلمين حرية العقيدة والعبادة ولم تلزمهم بالدخول في الإسلام وتركت لهم حرية المعاملة والمقاضاة وحل مشاكلهم حسب دياناتهم وأعرافهم وعاداتهم وتقاليدهم وهذا من معلمنا الأول رسول الله صلى الله وعليه وسلم . لان تعليماته إلزامية وواجبة التنفيذ في كل مكن وزمان وأعجب من إخواني المسلمين أن يبحثوا عن حكومة علمانية أو ليبرالية أو ليبرالية أو اشتراكية أو برلمانية أو خلافها؟
إلى اللقاء في الحلقة القادمة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق