الربيع العربي قادم وإلى الربيع الإسلامي ذاهب بإذنه تعالي . الحلقة (15)
تعرفنا في الحلقة الماضية علي الناصرية وقلنا أن عبد الناصر هو الذي تبني مشروع القومية العربية ونشر هذا المبدأ في نفوس كثير من أبناء الأمة العربية , وقد تنصل عن الإسلام وقضى علي كبار علمائه في مصر وكذلك قضي علي منهجية الجامع الأزهر ولنا الآن أن نتساءل ما هي القومية العربية وكيف نشأت ومن قام بتأسيس هذا المذهب بين الدول العربية .
القومية العربية : هي حركة سياسية فكرية متعصبة , تدعو على تمجيد العرب , وإقامة دولة موحدة لهم , علي أساس من رابطة الدم والقربى واللغة والتاريخ , وإحلالها محل رابطة الدين , وهي صدى للفكر القومي الذي سبق أن ظهر في أوروبا . ظهرت بدايات الفكر القومي في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين متمثلة في حركة سرية تألفت من أجلها الجمعيات والخلايا في عاصمة الخلافة العثمانية , ثم في حركة علنية في جمعيات أدبية تتخذ من دمشق وبيروت مقر لها , ثم في حركة سياسية واضحة المعالم في المؤتمر العربي الأول الذي عقد في باريس سنة 1912م .
وفي إشارة إلي أهم الجمعيات ذات التوجه القومي حسب التسلسل التاريخي :
- الجمعية السورية : أسسها نصارى منهم بطرس البستاني وناصيف اليازجي سنة 1847م في دمشق
- الجمعية السورية في بيروت أسسها نصارى منهم سليم البستاني ومنيف خوري سنة 1868م .
- الجمعية العربية السرية : ظهرت سنة 1975م ولها فروع في دمشق وطرابلس وصيدا
- جمعية حقوق المرأة العربية ظهرت سنة 1881م ولها فروع كذلك , وهي تهدف إلي وحدة المسلمين والنصارى .
- جمعية رابطة الوطن العربي أسسها نجيب عازوري سنة 1904م بباريس وألف كتاب ( يقظة العرب ) .
- جمعية الوطن العربي : أسسها خير الله خير الله سنة 1905م بباريس ,وفي هذه السنة نشر أول كتاب قومي بعنوان ( الحركة الوطنية العربية ) .
- الجمعية القحطانية : ظهرت سنة 1909م وهي سرية من مؤسسيها خليل حمادة المصري .
- جمعية ( العربية الفتاة ) أسسها في باريس طلاب عرب منهم محمد البعلبكي سنة 1911م :
- الكتلة النيابية العربية ظهرت سنة 1911م .
- حزب اللامركزية : سنة 1912م .
- الجمعيات الإصلاحية ظهرت في أواخر 1912م وقد قامت في بيروت ودمشق وحلب وبغداد والبصرة والموصل وتتكون من خليط من أعيان المسلمين والنصارى .
- المؤتمر العربي في باريس : أسسه بعض الطلاب العرب سنة 1912م .
- حزب العهد: وهو سري , أنشأه ضباط عرب في الجيش العثماني سنة 1912م .
- جمعية العلم الأخضر سنة 1913م ومن مؤسسيها الدكتور فائق شاكر .
- جمعية العلم , وقد ظهرت سنة 1914م في الموصل .
وقد ظلت الدعوة إلي القومية العربية محصورة في نطاق الأقليات الدينية غير المسلمة , وفي عدد محدود من أبناء المسلمين الذين تأثروا بفكرتها , ولم تصبح تيارا شعبيا عاما إلى حين تبني الدعوة إليها الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر حين سخر لها أجهزة إعلامه وإمكانات الدولة , ويمكن القول أنها تعيش فترة انحسار أو جمود علي الأقل .
ويعد ساطع الحصري (1880- 1968) م داعية القومية العربية وأهم مفكريها وأشهر دعاتها , وله مؤلفات كثيرة تعد الأساس الذي تقوم عليه فكرة القومية العربية , ويأتي بعده في الأهمية ميشيل عفلق .
أما الأفكار والمعتقدات .
- يعلَي الفكر القومي من شأن رابطة القربى الدم علي حساب رابطة الدين , وإذا كان بعض كتُاب القومية يسكتون عن الدين , فإن بعضهم الآخر يصر علي إبعاده إبعادا تاما عن الروابط التي تقوم عليها الأمة , بحجة أن ذلك يمزق الأمة بسبب وجود غير المسلمين فيها , ويرون أن رابطة اللغة والجنس أقدر علي جمع كلمة العرب من رابطة الدين .
ولأن أساسها إبعاد الدين الإسلامي عن معترك حياة العرب السياسية والاجتماعية والتربوية والتشريعية فإنها تعد ردة إلي الجاهلية , وضربا من ضروب الغزو الفكري الذي أصاب العالم الإسلامي , لأنها في حقيقتها صدى للدعوات القومية التي ظهرت في أوروبا .
ويصفها سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله بأنها (( دعوة جاهلية إلحادية تهدف إلي محاربة الإسلام والتخلص من أحكامه و تعاليمه )) ويقول عنها أيضا ( وقد أحدثها الغربيون من النصارى لمحاربة الإسلام والقضاء عليه في داره بزخرف من القول , فأعتنقها كثير من العرب من أعداء الإسلام , وأغتر بها كثير من الأغمار ومن قلدهم من الجهال , وفرح بذلك أرباب الإلحاد وخصوم الإسلام في كل مكان )) ويقول أيضا ( هي دعوة باطلة وخطأ عظيم ومكر ظاهر وجاهلية نكراء , وكيد سافر للإسلام وأهله ).
ويري دعاة الفكر القومي علي اختلاف بينهم في ترتيب مقومات هذا الفكر , أن أهم المقومات التي تقوم عليها القومية العربية هي : اللغة والدم والتاريخ والأرض والآلام والآمال المشتركة .
ويرون أن العرب أمة واحدة لها مقومات الأمة , وإنها تعيش علي أرض واحدة هي الوطن العربي الواحد الذي يمتد من الخليج إلي المحيط , كما يرون أن الحدود بين أجزاء هذا الوطن هي حدود طارئة , ينبغي أن تزال , وينبغي أن تكون للعرب دولة واحدة , وحكومة واحدة , تقوم علي أساس من الفكر العلماني . كما يدعو الفكر القومي إلي تحرير الإنسان العربي من الخرافات والغيبيات والأديان كما يزعمون لذلك يتبني شعار (( الدين لله والوطن للجميع )) والهدف من هذا الشعار , إقصاء الإسلام عن أن يكون له وجود فعلي من ناحية , وجعل أخوة الوطن مقدمة علي أخوة الدين من ناحية أخري . حيث يري الفكر القومي أن الأديان والأقليات والتقاليد المتوارثة عقبات ينبغي التخلص منها من أجل بناء مستقبل الأمة .
ويقول عدد من قادة هذا الفكر : نحن عرب قبل عيسي وموسي ومحمد عليهم الصلاة والسلام .
ويقرر الفكر القومي أن الوحدة العربية حقيقة أما الوحدة الإسلامية فهي حلم . وأن فكرة القومية العربية من التيارات الطبيعية التي تنبع من أغوار الطبيعة الاجتماعية , لا من الآراء الاصطناعية التي يستطيع أن يبدعها الفرد وكثيرا ما يتمثل دعاة الفكر القومي بقول الشاعر القروي :
هبوني عيدا يجعل العربة أمة * و سيروا بجثماني علي دين برهم
سلام علي كفر يوحد بيننا * وأهلا وسهلا بعده بجهنم
ويقول بعض دعاة الفكر القومي : إن العبقرية العربية عبرت عن نفسها بأشكال شتى , فمثلا عبّرت ذات مرة عن نفسها بشريعة حمورابي , ومرة أخري بالشعر الجاهلي , وثالثة بالإسلام . وقال أحد مشاهيرهم : ( لقد كان محمد كل العرب , فليكن كل العرب محمدا ) .
ويري دعاة الفكر القومي أن من الإجرام أن يتخلى العربي عن قوميته , ويتجاوزها إلي الإيمان بفكرة عالمية أو أممية , مع أن إبعاد الإسلام عن معترك حياة العرب ينهي وجودهم . ويقول بعض مفكري القومية العربية : إذا كان لكل عصر نبوته المقدسة , فإن القومية العربية هي نبوة هذا العصر .
ويقول بعضهم الآخر : إن العروبة هي ديننا نحن العرب المؤمنين العريقين من مسلمين ومسيحيين , لأنها وجدت قبل الإسلام وقبل المسيحية ويجب أن نغار عليها كما يغار المسلمون على قرآن النبي و المسيحيون علي أنجيل المسيح . ويقرر بعضهم الآخر أن المرحلة القومية في حياة الأمة مرحلة حتمية وهي آخر مراحل التطور كما إنها أعلي درجات التفكير الإنساني .
أما الجذور الفكرية والعقائدية للقومية العربية فهي الدعوة القومية التي ظهرت في أوروبا وتأسست بتأثيرها دول مثل إيطاليا وألمانيا . ويظهر الواقع أن الاستعمار هو الذي شجع الفكر القومي وعمل على نشره بين المسلمين حتي تصبح القومية بديلا عن الدين , ومما يؤدي إلي انهيار عقائدهم , ويعمل علي تمزيقهم سياسيا , وإذ تثور العداوات المتوقعة بين شعوبهم المختلفة ويلاحظ نشاط نصارى بلاد الشام وخاصة لبنان , في الدعوة إلي الفكر القومي أيام الدولة العثمانية , وذلك لأن هذا الفكر يعمق العداوة مع الدولة العثمانية المسلمة التي يكرهونها , وينبه في العرب جانبا من شخصيتهم غير الدينية , مما يبعدهم عن العثمانيين .
ومن بعض الجوانب يمكن أن يعد ظهور الفكر القومي العربي رد فعل للفكر القومي التركي الطوراني .
أما الانتشار ومواقع النفوذ فيوجد كثير من الشباب العربي ومن المفكرين العرب الذين يحملون هذا الفكر , كما توجد عدة أحزاب قومية منتشرة في البلاد العربية , مثل حركة الوحدة الشعبية في تونس وحزب البعث بشقيه في العراق سابقا وسوريا وبقايا الناصريين في مصر وبلاد الشام , وفي ليبيا . وكثيرا من الحكام يتبارون في ادعاء القومية , وكل منهم يفتخر بأنه رائد القومية العربية ويدعي أنه الأجدر بزعامتها , ويلاحظ أن الفكر القومي الآن هو في حالة تراجع وانحسار .
المرجع :
د/ مانع بن حماد الجهني ( الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة دار الندوة العالمية للطباعة والنشر والتوزيع ).
الى اللقاء في الحلقة القادمة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق