الربيع العربي قادم وإلى الربيع الإسلامي ذاهب بإذنه تعالي , الحلقة (14)
تكلمنا في الحلقة السابقة عن عبد الناصر وقلنا سوف نتكلم تفصيليا عنه في هذه الحلقة وعن الناصرية ومن أسسها بعد موته , فالناصرية حركة قومية عربية , نشأت في ظل حكم جمال عبد الناصر ( رئيس مصر من عام 1952م – 1970م ) واستمرت بعد وفاته , واشتقت اسمها من اسمه, وتبنت الأفكار التي كان ينادي بها وهي : الحرية والاشتراكية والوحدة , وهي نفس أفكار الأحزاب القومية اليسارية العربية الأخرى .
أول من أطلق لفظ الناصرية محمد حسنين هيكل , الصحفي الذي رافق عبد الناصر إبان حكمه , وأصبح له شهرة في العالم العربي , وذلك بمقال له في جريدة الأهرام في 14/1/1972م جاء بعده كمال رفعت واصدر في عام 1976م كتيبا بعنوان ( ناصريون ) ذكر فيه مبادئ الناصرية وأهدافها . وبلور الدكتور عبد القادر حاتم الذي كان وزيرا في عهد عبد الناصر المذهب الناصري في تأبينه لعبد الناصر , كما جاء في جريدة الأخبار في 2/10/1970م حينما قال : ( أصبح في العالم اليوم مذهب سياسي متميز ينتسب إلي عبد الناصر ) وقد وافق القضاء المصري علي إعلان الناصرية كحزب باسم ( الحزب الديمقراطي الناصري ) وذلك في يوم الاثنين 18 شوال 1412هـ ( 20/4/1992م ) برئاسة ضياء الدين داود المحامي , وعضو مجلس الشعب المصري .
وهناك من قادة الدول العربية مثل معمر القذافي رئيس ليبيا السابق من يصرح بأنه يسير علي نهج عبد الناصر . ومن خلال نظرة تاريخية علي مؤسس الناصرية جمال عبد الناصر فقد كان يتردد علي مركز الإخوان المسلمين لسماع حديث الثلاثاء منذ عام 1942م ( مذكرات عبد المنعم عبد الرءوف ) وفي أوائل عام 1946م بايع الإخوان المسلمين علي التضحية في سبيل الدعوة الإسلامية مجموعة من الضباط منهم جمال عبد الناصر ( مذكرات عبد المنعم عبد الرءوف ) بدأت علاقة عبد الناصر بالمخابرات الأمريكية منذ مارس 1952م أي قبل قيام الثورة بأربعة أشهر , كما اعترف بذلك أحد رفاقه وهو خالد محي الدين أحد أعضاء تنظيم الضباط الأحرار , وتحدث اللواء محمد نجيب أول رئيس لمصر بعد الثورة عن هذه العلاقة في مذكراته وأنهم هم الذين كانوا يرسمون له الخطط الأمنية ويدعمون حرسه بالسيارات والأسلحة الجديدة .
وفي 27 يوليو 1954م عقد اتفاقية الجلاء مع بريطانيا وعارضه فيها الإخوان المسلمون , وفي 14 نوفمبر 1954م أعفي محمد نجيب من منصبه وكان رئيسا للجمهورية ليصبح عبد الناصر فرعون مصر الجديد – علي حد تعبير رفاقه – كمال الدين حسين وحسن التهامي .
وفي 8 ديسمبر 1954 ( 12 ربيع الثاني 1374هـ ) نفذ عبد الناصر حكم الإعدام في ستة من قادة جماعة الإخوان المسلمين منهم عبد القادر عودة مؤلف كتاب ( التشريع الجنائي في الإسلام ) . فضلا عن الاعتقالات التي شملت الآلاف من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين , وذلك بعد اتهامهم بالتآمر علي قتله في حادثة المنشية بالإسكندرية ( في العام نفسه ) والتي قيل إنها مسرحية دبرها عبد الناصر مع المخابرات المركزية للتخلص من الإخوان المسلمين الذين كانوا يشكلون عقبة كبيرة لحكمة الفردي البعيد عن الدين , ولتلميع شخصيته بصفته زعيما وطنيا حتي تتعلق به الجماهير . في عام 1956م كان الاعتداء الثلاثي علي مصر من قبل انجلترا وفرنسا وإسرائيل , ولم ينسحب المعتدون إلا بعد استيلاء إسرائيل علي شرم الشيخ في سيناء , وجزر تيران في البحر الأحمر , وشارك عبد الناصر في الحرب اليمنية التي قتل فيها الآلاف من الشعب المصري المسلم وخسرت فيها الملايين . وفي عام 1966م أقدم عبد الناصر علي إعدام ثلاثة من كبار جماعة الإخوان المسلمين منهم سيد قطب وكان قد أعتقل الآلاف منهم في عام 1965 وفي العام نفسه صدر القرار الجمهوري في إبريل 1965 بالعفو الشامل عن جميع العقوبات الأصلية والتبعية ضد الشيوعيين , ودخل الماركسيون في جميع مجالات الحياة في مصر بعد ذلك .
وفي عام 1967م كانت النكبة الثانية للعرب والمسلمين , فقد احتلت دولة اليهود في فلسطين المحتلة , ثلاثة أمثال ما اغتصبوه عام 1948م ( سيناء والجولان والضفة الغربية ) وسقطت القدس بلا قتال . وتوفي عبد الناصر سنة 1970م بعد أن غرقت مصر في الديون وبعد أن خرب مصر سياسيا واقتصاديا وأخلاقيا وملأ العالم العربي بالشعارات الجوفاء .
ومن أخلاق جمال عبد الناصر علي لسان رفاق حياته ومعاصريه يقول حسن التهامي وهو من أقرب المقربين لعبد الناصر : ( إن عبد الناصر هو الذي أمر القوات المصرية بالانسحاب إلي الضفة الغربية من قناة السويس عام 1967م , وإن عبد الناصر هو الذي دس السم لعبد الحكيم عامر في بيت عبد الناصر نفسه ) الأهرام 5/8/1977م .
ويقول حسين الشافعي وهو أحد الضباط الأحرار الذين قاموا بالانقلاب العسكري سنة 1952م في محاضرة له في جمعية الشبان المسلمين :0 انقلوا عني : أن الجيش المصري لم يحارب في معركة 1967م بل هزم بسبب الإهمال والخيانة , وأقول الخيانة وأضع تحتها عشرة خطوط , ويقول خالد محي الدين وكان زعيم التنظيم اليساري في مصر , وهو أحد أعضاء تنظيم الضابط الأحرار : (( إن عبد الناصر كانت له علاقة بالمخابرات الأمريكية منذ مارس 1952م أي قبل قيام الثورة بأربعة أشهر )) .
ومن مبادئ الناصرية الحرية , والاشتراكية والوحدة , للقضاء علي مشكلات العالم العربي الأربعة : وهي الاستعمار والتخلف , والطبقية , والتجزئة بين أقطار العالم العربي ( وهي نفس أفكار حزب البعث القومي اليساري : الوحدة , الحرية , الاشتراكية ) .
والحرية التي ينادون بها هي حرية الناصريين وليس حرية الشعب بكامله , إذ إن الناصرية القديمة ( في عهد عبد الناصر نفسه ) رفعت شعار لا حرية و لأعداء الحرية وهي تعتقد بأن كل معارض لها من أعداء الحرية , أما الاشتراكية هي أساس التقدم الاقتصادي , وهي أساس بناء مجتمع الكفاية والعدل , و المجتمع الذي ترفرف عليه الرفاهية كما يزعمون . ونادت الناصرية بتوزيع الثروة الوطنية ليتحقق التغير الاجتماعي . ونادت بالاشتراكية العلمية وهي خليط من الاشتراكية الماركسية والليبرالية الغربية والأفكار الوطنية مع شئ من الأفكار الدينية . والوحدة هي أساس القوة العربية , والعروبة أو القومية العربية هي أساس قيام الوحدة , وأغفلت الناصرية رباط العقيدة التي لا تؤمن الشعوب العربية إلا بها ولا تتجمع إلا حول رايتها وهي أساس وحد العرب في الصدر الأول.
ونادت الناصرية بالديمقراطية ومفهوم الديمقراطية لديها هو ديمقراطية التحالف السياسي , تبعا لتحالف القوي الاجتماعية أو كما وصفها ( حسنين هيكل ) بديمقراطية الموافقة : أي أن الزعيم الحاكم ينفرد بالحكم وبإصدار القرارات المصيرية , ودور الشعب يقتصر علي تأييد هذه القرارات , لأنه يفترض في الزعيم العصمة والصواب والحكمة وتجسيد إرادة الشعب وحقوق التعبير عنها . أما العلمانية – أو اللادينية فهي من أسس الناصرية أيضا , فليس للدين علاقة بالمجتمع وقوانينه ونظام حياته , إنما هي طقوس تعبدية في المسجد فحسب .
أما الجذور الفكرية والعقائدية , فالناصرية حركة قومية يسارية علمانية برزت بعد وفاة عبد الناصر , لذلك فهي تعتمد علي الفكر القومي الذي ظهر بعد سقوط الدولة العثمانية , والفكر الماركسي المادي أحد روافد فكرها الذي تلبسه الثوب القومي , والناصرية أبعدت الدين من كل مبادئها وممارساتها , ومن هنا جاء وصفها بالعلمانية .
أما نفوذها وأماكن انتشارها , فقد نشأت الناصرية في مصر ثم انتشرت في باقي البلاد العربية , وإن كان أتباعها في البلاد العربية قلة من المنتفعين , وقد طالب بعض الذين تعاونوا مع عبد الناصر إبان حكمه بتشكيل حزب ناصري في مصر وقد سمح لهم بذلك .
ويتضح مما سبق أن الناصرية تتجسد في حفنة من الذين تعاونوا مع عبد الناصر إبان حكمه وأظهروا الولاء لشخصه , فلم سمح بالتعددية الحزبية في مصر اتفقوا علي التجمع باسم القومية العربية وتحت لواء الحرية والاشتراكية والوحدة دون تحديد واضح لمضمون هذه الأهداف , ولكنهم علي أية حال يدينون بالولاء لعبد الناصر ويعتبرونه رائدهم مشيدين بمواقفه الايجابية بحكم أنه أنهي الملكية الفاسدة في مصر وأمم قناة السويس , وأنهي الاحتلال البريطاني وبني السد العالي , وحرر اليمن الشمالي , وحقق مكاسب العمال والفلاحين , ولكنهم يتغافلون عن سلبيات حكمه الفظيعة التي تتمثل في إعلان الحرب علي الاتجاه الإسلامي في الداخل والخارج , وتعذيب حملة لوائه عذابا نكرا وتقتيل فطاحل علمائه من أمثال عبد القادر عودة وسيد قطب وغيرهم بعد محاكمات صورية .
كما دأب علي الوقوف دائما في صف أعداء الإسلام ومناصرة سياساتهم , فأيد نهرو في مواقفه الجائرة ضد باكستان , وأيد نيريري الذي قام بمذبحة ضد مسلمي زنجبار , وأيد مكاريوس الذي كافح من أجل إضاعة حقوق المسلمين في قبرص . وأحيا جاهلية القرن العشرين بإثارة نعرة القومية العربية وإعلان الحرب علي ملوك البلدان الإسلامية وتشجيع المؤامرات الانقلابية وعلي الرغم من أنه في أول حكم الثورة كان قد جعل الديمقراطية أحد مبادئها , إلا إنه لم يسمح ببزوغ فجرها , ووأدها في مهدها وقضي علي الأحزاب المطالبة بها كافة , وأنشأ الحزب الشمولي , وألغي الدستور , وجمع السلطة كلها في يده وظل طوال حكمه مثال الحاكم المستبد الذي يضرب خصومه بيد من حديد , دون أدني مراعاة للقيم الأخلاقية ويفتعل المؤامرات للقضاء عليهم قضاء مبرما .
وانتشرت في عهده التحلل الأخلاقي والتفكك الأسري والتزلف النفعي والفساد , وقام بإلغاء الأوقاف الإسلامية والمحاكم الشرعية , وأضعف كيان الأزهر , وأصبح للمخابرات والمباحث العامة والأمن القومي السيطرة علي كل المؤسسات في الدولة , وقاصمة الظهر في هذا كله أنه عرض الجيش المصري لهزيمة ساحقة لم يعرف لها التاريخ مثيلا , وضاعت بسببها سيناء والضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان والقدس الشريف , وتمكنت إسرائيل من توسيع رقعتها بما لم تكن تحلم به . ويعد مسؤولا عن انفصال السودان عن مصر وعن حرب اليمن وعن السماح لإسرائيل باستعمال مضيق تيران .
وآمل إذا تجملت الناصرية بعد أن سمح لها من جديد بتشكيل حزب سياسي في مصر – أن يفتح أنصارها عيونهم علي هذه الحقائق المؤلمة ويصححوا مسارها نحو فهم جديد مستند للإسلام كأهم عنصر إيجابي في تحقيق حكم نظيف قوامه العدالة الاجتماعية وانجاز الحرية والشورى كأساس متين لتجمع المسلمين ووحدتهم , ولعلهم بذلك يخفون وجه الناصرية القبيح ويقضون علي أثارها المتعفنة ورموزها القذرة , ولهم في ماضيهم عبرة وفيما حدث في مصر أخيرا تبصرة وذكري .
(( لمن كان له قلب أو ألقي السمع وهو شهيد )) ( ق : 37 ) .
المرجع : د/ مانع بن حماد الجهني
الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة : ( الندوة العالمية للشباب الإسلامي )
الى اللقاء في الحلقة القادمة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق