الربيع العربي قادم وإلى الربيع الإسلامي هو ذاهب بإذنه تعالى الحلقة (25)
تكلمنا في الحلقات السابقة عن بعض الأحزاب الإسلامية في كل من مصر والمغرب وسوف نتكلم في هذه الحلقة عن حزب النهضة التونسي .
حركة الاتجاه الإسلامي بتونس حركة إسلامية قامت على منهج فكر الإخوان المسلمين في العالم الإسلامي , وظهرت كرد فعل شعبي ضد التطرف العلماني المتمثل في الاستهتار بالإسلام وقيمه وأحكامه ونتيجة لتدهور الأوضاع الاقتصادية واستشراء الاستبداد السياسي . وقد بدأها راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو , أحميدة النيفر , وألتف حولهم عدد من الشباب وشكلوا جميعا النواة الأولى لانتشار الفكرة الإسلامية , وأصبحت المساجد والمعاهد والجامعات رافدا أساسيا للحركة الإسلامية , التي واصلت معركتها ضد رموز التبعية والتغريب , وظلت تنشط في الساحة التونسية حتى صدر قرار بحلها وبدأ اعتقال قادتها وشبابها في ظل حكم ما قبل الثورة .
التأسيس وأبرز الشخصيات :
تأسست حرة الاتجاه الإسلامي في سنة 1969م بتونس بعد سلسلة من الأحداث كان هدفها محو الشخصية الإسلامية لتونس. ومن أبرز شخصيات هذه الحركة :
- الدكتور راشد الغنوشي : مؤسس حركة الاتجاه الإسلامي , ولد في مدينة الحامة بولاية قابس جنوب شرق تونس عام 1939م , تلقى تعليمه في دمشق , وأتم دراسته العليا في الفلسفة والتربية في فرنسا , اعتقل مرات عديدة في أواخر السبعينات وحوكم سنة 1981م بعشر سنوات سجنا , وأطلق سراحه سنة 1984م ثم اعتقل مرة ثانية في مارس 1987م وعندما أفرج عنه خرج من تونس .
- الشيخ عبد الفتاح مورو : الأمين العام لحركة الاتجاه الإسلامي من مواليد سنة 1948م في تونس , حصل علي إجازة الحقوق سنة 1970م , وتولى مهنة القضاء حتى سنة 1977م ثم ألتحق بالمحاماة , ألتقي مع راشد الغنوشي سنة 1969م. وتعاهدوا علي العمل والدعوة للإسلام وتأثر الاثنان بفكر سيد قطب , وخلال تعرض الحركة للمحنة في عهد ابن علي في 1992م انشق عن الحركة وشكل جماعة جديدة .
أحداث وتطورات الحركة :
منذ أن أعلن الرئيس السابق لتونس بورقيبة سنة 1945م وقبل إعلان الاستقلال بسنتين أنه ينوي إقامة حكم لا ديني في البلد , قرر بورقيبة وحزبه فعلا تجريد البلاد من كل مقوماته الإسلامية. ففي سنة 1957م أعلنت قوانين الأحوال الشخصية التي تقطع علاقتها بالشريعة الإسلامية في مجال الأسرة , وفي سنة 1958م ألغيت الأوقاف العامة , وفي سنة 1959م منع التعليم الديني , وفي سنة 1960م شن بورقيبة حربا ضد الصيام , وفي 1962م ألغى التقويم الهجري , وفي 1965م فتح أول نادي للعراة في تونس , وفي عام 1968م بدأت تعرية المرأة المسلمة من لباسها الإسلامي , وفي عام 1969م بدأت حملة لغلق المساجد , وفي 1974م بدأ بورقيبة بإلقاء محاضرات ضد القيم الإسلامية , وتهجم على القرآن الكريم والسنة النبوية , والآداب الشرعية والعادات الإسلامية .
- وكان من نتيجة هذه الأحداث تحرك بعض الغيورين على الإسلام , ومنهم الشيخ راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو للوقوف ضد هذه الهجمة الشرسة وتأسيس حركة الاتجاه الإسلامي سنة 1969م .
وبارك الله في الدعوة الإسلامية فانضم إليها الشباب من الجنسين وطلاب الجامعات , وبرزت ملامح الإسلام عليهم من إطلاق اللحى إلى الزي الشرعي وغير ذلك .
· أهداف الاتجاه الإسلامي بتونس :
- بعث الشخصية الإسلامية لتونس حتى تستعيد مهمتها كقاعدة كبرى للحضارة الإسلامية بأفريقيا , ووضع حد لحالة التبعية والاغتراب والضلال .
- تجديد الفكر الإسلامي على ضوء أصول الإسلام الثابتة ومقتضيات الحياة المتطورة وتنقيته من رواسب عصور الانحطاط آثار التغريب .
- استعادة الجماهير حقها المشروع في تقرير مصيرها بعيدا عن كل وصاية داخلية أو هيمنة خارجية .
- إعادة بناء الحياة الاقتصادية على أسس إنسانية وتوزيع الثروة بالبلاد توزيعا عادلا على ضوء المبدأ الإسلامي (( الرجل وبلاؤه , والرجل وحاجته)) أي من حق كل فرد أن يتمتع بثمار جهده في حدود مصلحة الجماعة وأن يحصل على حاجته في كل الأحوال حتى تتمكن الجماهير من حقها الشرعي المسلوب في العيش الكريم بعيدا عن كل ضروب الاستغلال والدوران في فلك القوى الاقتصادية الدولية.
- المساهمة في بعث الكيان السياسي والحضاري للإسلام على المستوى المحلي والمغربي والعربي والعالمي , وحتى يتم إنقاذ شعوبنا والبشرية جمعاء مما تردت فيه من ضياع نفسي وحيف اجتماعي وتسلط دولي .
- وتتخذ الحركة الوسائل التالية لتحقيق هذه المهام :
· إعادة الحياة إلى المسجد كمركز للتعبير والتعبئة الجماهيرية الشاملة أسوة بالمسجد في العهد النبوي وامتدادا لما كان يقوم به الجامع الأعظم ( جامع الزيتونة ) من صيانة للشخصية الإسلامية ودعما لمكانة البلاد كمركز عالمي للإشعاع الحضاري.
· تنشيط الحركة الفكرية والثقافية , ومن ذلك إقامة الندوات وتشجيع حركة التأليف والنشر , وتأصيل وبلورة المفاهيم والقيم الإسلامية في مجالات الأدب والثقافة العامة وتشجيع البحث العلمي ودعم الطلاب , واللباس الشرعي للفتيات .
· هذا الوضع أثار صحيفة ( اللوموند ) الفرنسية , فكتبت صفحة كاملة سنة 1974م تحذر بورقيبة من ظاهرة الصحوة الإسلامية وخطرها علي التقدم والمدنية في تونس .
· في نفس السنة شنت جرائد الحزب الحاكم حملة شعواء على الإسلاميين وسخرت منهم , ثم انتقلت إلى التهديد والوعيد , وما إن أعلن راشد الغنوشي عن تشكيل المكتب السياسي العلني الأول لحركة الاتجاه الإسلامي , وتقدم بطلب رسمي للترخيص القانوني بقيام الحزب حتى دخلت مجال العمل السياسي وبدأت الحرب ضدها .
· في سنة 1981م فتحت أبواب السجون لرجال الحركة الإسلامية وصدرت أحكام بسجن ما يقرب 200 منهم بتهم ملفقة .
· وفي سنة 1984م أطلق سراح العاملين بحركة الاتجاه الإسلامي وحرموا حقهم في الوظيفة العامة ومنعت صحفهم الإسلامية ودروسهم في المساجد .
· وفي عام 1986م أعلن بورقيبة بأنه سيكرس العشر سنوات القادمة من حياته لمحاربة الإسلام .
· وفي سنة 1987م رجب 1407هـ أعيد رجال الحركة الإسلامية إلى السجون وفي نفس السنة سقط بورقيبة ومات سياسيا علي يد حركة الاتجاه الإسلامي .
· وجاء ابن علي خليفة لبورقيبة واستبشر المسلمون خيرا , إلا إنه اتبع سياسة سلفه بورقيبة بعد ذلك في محاربة حركة الاتجاه الإسلامي وكان رجال الحركة بين سجين ومطارد .
المبادئ والأفكار:
جاء في البيان التأسيسي لحركة الاتجاه الإسلامي أن الحركة تعمل علي تحقيق المهام التالية :
- الإعلام الملتزم حتى يكون بديلا عن إعلام الميوعة والنفاق .
- دعم التعريب في مجال التعليم والإدارة مع الاهتمام باللغات الأجنبية .
- رفض العنف كأداة للتغير وتركيز الصراع على أسس شورية تكون من أسلوب الحسم في مجالات الفكر والسياسة.
- رفض مبدأ الإنفراد بالسلطة الأحادية لما يتضمنه من عدم إعدام لإرادة الإنسان وتعطيل لطاقات الشعب و دفع البلاد في طريق العنف , مع إقرار حق كل القوى الشعبية في ممارسة حرية التعبير , والتجمع وسائر الحقوق الشرعية , والتعاون في ذلك مع كل القوى الوطنية .
- بلورة مفاهيم الإسلام الاجتماعية في صيغ معاصرة وتحليل الواقع الاقتصادي التونسي حتى يتم تحديد مظاهر الحيف وأسبابه والوصول إلى بلورة الحلول البديلة .
- الانحياز إلى صفوف المستضعفين من العمال والفلاحين وسائر المحرومين في صراعهم مع المستكبرين والمترفين .
- دعم العمل النقابي بما يضمن استقلاله وقدرته على تحقيق التحرير الوطني بجميع أبعاده الاجتماعية والسياسية والثقافية .
- اعتماد التصور الشمولي للإسلام , والتزام العمل السياسي بعيدا عن اللادينية والانتهازية .
- تحرير الضمير المسلم من الانهزام الحضاري إزاء الغرب .
- بلورة وتجسيم الصورة المعاصرة لنظام الحكم الإسلامي بما يتضمن طرح القضايا الوطنية في إطارها التاريخي والعقائدي والموضوعي مغربيا وعربيا وإسلاميا وضمن عالم المستضعفين عامة .
- توثيق علاقات الأخوة والتعاون مع المسلمين كافة في تونس وعلى صعيد المغرب العربي العالم الإسلامي كله , ودعم ومناصرة حركة التحرر في العالم .
الجذور الفكرية والعقائدية :
حركة الاتجاه الإسلامي قامت على منهج حركة الإخوان المسلمين في مصر , كما يظهر ذلك جليا في كتابات مؤسسها .
الانتشار ومواقع النفوذ :
- انتشر فكر الحركة في تونس بشكل خاص وأعلنت الحركة عام 1985م عن مكتبها الثالث برئاسة الأستاذ راشد الغنوشي والأستاذ عبد الفتاح مورو أمينا عاما , وعضوية كل من حمادي الجبالي والحبيب اللور والحبيب السويسي , واعترف بالحركة رسميا عندما استقبلهم الوزير الأول محمد المزالي في قصر الحكومة , واعترفت كل الأطراف بالوجود السياسي الفعلي لحركة الاتجاه الإسلامي واضطرت للتفاعل معها , وكانت جريدة الرأي وسيلة النشر لمؤلفات بعض مفكري الحركة مثل الدكتور عبد المجيد النجار ومحسن الميلي . وعندما تولى ابن علي السلطة أفرج عن رموز الحركة في البداية واضطر قادتها في 8 فبراير 1989م أن يتقدموا بطلب تأشيرة للسماح للحركة بمزاولة نشاطها تحت اسم جديد ( حزب النهضة ) تمشيا مع قانون الأحزاب , ولكن سرعان ما غيرت السلطة موقفها وقبلت لهم ظهر المجن وسارعت إلى القبض على الكثير من شباب الحزب وأودعتهم السجون واضطر الكثيرون من رموز الحركة إلى الفرار بدينهم إلى خارج البلاد بعد مصادرة نشاطها .
- ويتضح مما سبق أن حركة الاتجاه الإسلامي بتونس ( حزب النهضة ) هي حركة إسلامية تتبنى كثير من المفاهيم الفكرية لحركة الإخوان المسلمين , وهدفها القضاء على المد العلماني وبعث الشخصية الإسلامية , وتجديد الفكر الإسلامي , وإعادة بناء الحياة الاقتصادية على أسس إنسانية , وبعث الكيان السياسي والحضاري للإسلام داخل البلاد وخارجها في ظل إعلام إسلامي ملتزم , ورفض كامل للعنف كأداة للتغير , وتكريس السلطة الإسلامية الشورية الجماعية والانحياز إلى صفوف المستضعفين من العمال والفلاحين , ويلحقها ما يلحق جماعة الإخوان من مؤاخذات , إضافة إلى الانحراف بالجماعة نحو الفكر العصري والمخالف للنصوص الشرعية استجابة للواقع , أما بعد الثورة على نظام بن علي تعد تونس أول ثورة عربية ضد الحكم الفردي التسلطي , بل استطاعت الجمهورية التونسية أن تسجل أول حالة استقرار سياسي في وقت قياسي بعد الثورة وكما كان متوقعا فقد تصدر ( حزب النهضة الإسلامي ) قائمة الأحزاب الفائزة وعلى الرغم من تخوف البعض من وصول حزب إسلامي إلى السلطة إلا أن المنطق يحتم قبول جميع الأحزاب بمختلف توجهاتها ضمن ما لديها من حقوق كفلها الدستور.
ويعود الإقبال الشعبي علي التصويت لحزب النهضة إلى طبيعة المجتمع العربي التونسي الذي يعتبر الدين الإسلامي مكونا ثقافيا واجتماعيا رئيسيا بالنسبة له , بالإضافة إلى الخطاب السياسي الإسلامي الذي يعتمده حزب النهضة , ومن المتوقع أن يحظى حزب النهضة بفرصة كبيرة لتقديم خطاب سياسي معتدل .
إلى اللقاء إنشاء الله بالحلقة القادمة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق