الربيع العربي قادم وإلى الربيع الإسلامي هو ذاهب بإذن الله(1)
الذي شدني إلى كتابة هذا الموضوع هو متابعتي لكثير من المثقفين والمنضوين تحت ظل الأحزاب السياسية في كل من تونس ومصر وغيرها من دول العالم العربي ينادون بفصل الدين عن الدولة حتى أن بعض منهم تجرأ وطالب بعدم ذكر الدين في الدستور
، وكأنه لم يكن هناك ثورات على الحكومات السابقة فالحكومة التونسية كانت حكومة علمانية والحكومة في مصر كانت حكومة علمانية ، والحكومة في سوريا والقائمة الآن ضدها اعتراضات من معظم الشعب السوري وهي الأخرى علمانية ، وكذلك السابقة في العراق كانت علمانية ، فما فائدة هذه الثورات على الحكومات السابقة ونجد أن كثير يطالبون بفصل الدين عن الدولة ، ولو استعرضنا تاريخ الدول السابقة فماذا نجد؟
نجد أن كثير من المثقفين والذين درسوا في الدول الغربية تأثروا بالعلمانية الغربية ، فما هي العلمانية الغربية؟
العلمانية secularism وترجمتها الصحيحة : اللادينية أو الدنيوية وهي دعوة إلى إقامة الحياة على العلم الوصفي والعقل ، ومدعاة المصلحة بعيداً عن الدين.
وتعني في جانبها السياسي بالذات اللادينية في الحكم ، وهي اصطلاح لا صلة له بكلمة العلم، وقد ظهرت في أوربا منذ القرن السابع عشر ،وانتقلت إلى الشرق في بداية القرن التاسع عشر ، وانتقلت بشكل أساسي إلى مصر وتركيا وإيران ولبنان وسوريا ثم تونس ، ولحقتها العراق في نهاية القرن التاسع عشر أما بقية الدول العربية فقد انتقلت إليها في القرن العشرين وقد اختيرت كلمة علمانية لأنها أقل إثارة من كلمة اللادينية ومدلول العلمانية المتفق عليه يعني عزل الدين عن الدولة، وحياة المجتمع وإبقاءه حبيسا في ضمير الفرد لا يتجاوز العلاقة الخاصة بينه وبين ربه ، فإن سمح له بالتعبير عن نفسه ففي الشعائر التعبدية والمراسم المتعلقة بالزواج والوفاة ونحوها.
وتتفق العلمانية مع الديانة النصرانية في فصل الدين عن الدولة إذ لقيصر سلطة الدولة ولله سلطة الكنيسة ، وهذا واضح فيما ينسب إلى السيد المسيح من قوله (أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله) أما الإسلام فلا يعرف هذه الثنائية والمسلم كله لله وحياته كلها لله ، (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العلمين) (الأنعام 162).
أسباب ظهور العلمانية:
وقد انتشرت هذه الدعوة في أوربا ، وعمت أقطار العالم بحكم النفوذ الغربي والتغلغل الشيوعي ، وقد أدت ظروف كثيرة قبل الثورة الفرنسية سنة1789م وبعدها إلى انتشارها الواسع وتبلور منهجها وأفكارها ، وتطورت الأحداث وفق الترتيب التالي :
- تحول رجال الدين إلى طواغيت ومحترفين سياسيين ومستبدين تحت ستار الاكليروس ، والرهبانية والعشاء الرباني وبيع صكوك والغفران.
- وقوف الكنيسة ضد العلم وهيمنتها على الفكرة وتشكيلها لمحاكم التفتيش واتهام العلماء بالهرطقة مثل:-
1- كوبر نيكوس : نشر سنة 1543م كتاب الأجرام السماوية وقد حرمت الكنيسة هذا الكتاب.
2- جاليليو باليي: صنع التليسكوب فعذب عذاباً شديداً وعمره سبعون سنة وتوفي سنة 1642م.
3- سبينوزا: صاحب مدرسة النقد التاريخي ، وقد كان مصيره الموت مسلولاً.
4- جون لوك: طالب بإخضاع الوصي للعقل عند التعارض ظهور مبدأ العقل والطبيعة، فقد أخذ العلمانيون يدعون إلى تحرر العقل وإضفاء صفاته الإله على الطبيعة.
في حين أن الإسلام هو سبب الحضارة التي نعيشها في الوقت الحاضر إذ نجد شريحة كبيرة من مواطني الدول العربية يطالبون بفصل الدين عن الدولة في حين أن الإسلام دين ودولة وطريقة حياة كاملة للإنسان إذا طبقها الإنسان في حياته فإنه سوف يتطور تطوراً سريعاً والسبب في أن كثير من مواطني الدول العربية بهرتهم الحضارة الغربية وظنوا أن وصول هذه الدول إلى هذه المرتبة من التقدم والرقي هو بسبب فصل الدين عن الدولة ، وذلك لأن المسيحية حورت وأدخلت عليها رجال الدين المسيحي وما سلف ذكره هو الذي دفع بالمصلحين إخراج الدين عن الدولة ، وفي حين أن الإسلام دين رقي وتقدم وحرية.
فالبشرية طوال عمرها وحتى قبيل الإسلام لم تحقق من التقدم والرقي في جميع الحضارات القديمة ما حققته في ظل الإسلام.
فلو استعرضنا تلك الحضارات نلاحظ أنه منذ فجر التاريخ كانت البشرية تعاني من اضطهاد وظلم الطبقة الحاكمة لأفراد الشعب ، وإنه من أجل هذا السبب فإن الفرد لم يذق طعم الحرية والعدل ، فمنذ خمسة آلاف سنة قبل الميلاد ماذا نجد؟
نجد أن نظام الإقطاع هو الذي ساد معظم الشعوب ، وأن الحكام والإقطاعيين هم الذين يتمتعون بميزات وخيرات البلاد.
ففي الحكومة السومرية كان الإقطاع هو الوسيلة في حفظ النظام الاجتماعي وكان الإقطاع سائداً أيضا عند قدماء المصريين ، وإن طبقة الفقراء من الفلاحين والعبيد كانت تجبر على عمل السخرة ، وقد بلغ عدد العاملين في بناء الهرم حوالي مائة ألف رجل كانوا يعملون مقابل الأكل والشرب والسكن فقط ، وكان الحاكم يعتبر نفسه إلهاً أو ابناً له.
وكذلك نجد أن الحكومة البابلية تميزت بالإقطاع فالإقطاعيون والتجار هم الواسطة بين الشعب ومليكه ، وكان الإقطاع وأمراؤهم هم المسيطرون على الأقاليم.
وفي الإمبراطورية الفارسية كان الإمبراطور على رأس الدولة العسكرية وكان له سلطة مطلقة ، وحتى أنه يروى أن والدً لثلاثة أولاد طلب إعفاء أحدهم من العسكرية ، فما كان من الملك إلا أن أصدر أمراً بقتل الثلاثة.
ويروى أيضاً أن رجلاً أرسل أربعة من أبنائه إلى ميدان القتال ، ثم رجى حاشية الملك أن يسمحوا له ببقاء ابنه الخامس ليشرف على ضيعة الأسرة فما كان من الملك إلا أن أمر بتمزيق جسم هذا الابن إلى نصفين ، ووضع كل نصف على أحد جانبي الطريق الذي يمر الجيش منه ، فقد كان الولاة والإقطاعيون هم الطبقة التي تعيش حياة رغد وخير، وفي الصين نجد أن أمراء الإقطاع كانوا مسيطرين على حكم البلاد ، وفي الإمبراطورية الرومانية على الحكم والوظائف العامة.
وفي الجزيرة العربية نجد أن النظم السياسية التي سادتها تنقسم إلى ثلاث أقسام:
نجد أن النظام الأول منها ما عرفته التكوينات القبلية من نظم الحكم ، ومعروف أن القبائل العربية كانت تعيش حياة بدائية لا تعرف من العلم والحضارة إلا النذر اليسير.
أما النظام الثاني فهو الذي ظهر على شكل إمارات تابعة لإمبراطوريات كبرى أو داخلة في دائرة نفوذها،مثلما هو الحال في مملكة تدمر وإمارات الغساسنة واللخميين ، وكان الحكم في هذه الإمارات فردياً وراثياً بعكس ما هو الحال القبلي. أما مملكة الأنباط فكانت مستقلة حتى أدخلها الرومان في حظيرة نفوذهم في أواخر القرن الأول قبل الميلاد وأوائل القرن الأول الميلادي قبل أن تصبح ولاية رومانية رسمية في أوائل القرن الثاني.
أما النظام الثالث من نظم الحكم فكان يتمثل في جنوب الجزيرة وكان ملكياً ، وإذ كان الملك يجمع في يده منصب الملك ومنصب الكاهن الأعلى أو الحكومي حتى سنة 110ق م / وحتى أصبحت الصلاحيات الدينية في يد رجال الدين الذين كانوا يكونون طبقة قوية ، وكانت الثروات في يد الملك ومن حوله، إذ كانوا يعيشون في بذخ شديد ، حيث يمتلكون مزارع الطيب والبخور ، وكانوا يقتنون الأدوات المصنوعة من الذهب والفضة.
وخلاصة القول أن البشرية كانت تعيش في ظلم جائر ، وفى العصور الوسطى كانت أوربا تعيش نظام الإقطاع ، وكان نظام العبودية في العمل هو السائد ، أي أن الإنسانية كانت قبيل الإسلام لا تعرف حرية الذات وحرية العلم وحرية العقيدة وحرية العمل وحرية التنقل وحقوق الإنسان ولا أي نوع من أنواع الحريات ، وأن البشرية نتيجة لذلك لم ترتق درجات كبرى في العلم والحضارة فمنذ خمسة آلاف سنة قبل الميلاد و حتى نزول الإسلام لم تصب البشرية حظاً كبيراً في مجال العلم والتقنية والتحضر ، وبعد نزول الإسلام على سيد البشر صلى الله عليه وسلم وبلغنا معلمنا الأول صلى الله عليه وسلم تعاليمه وطبقها على المجتمع الإسلامي وحقق العدالة والمساواة والحرية لأفراد المجتمع أضحى جميع أفراد الشعب سواسية في حصولهم على العلم.
واهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتعليم أصحابه رضوان الله عليهم وكانت أول مدرسة لهم هي دار الأرقم بن أبي الأرقم في مكة المكرمة حيث كان يجتمع بها تلاميذه في الخفاء قبل جهره بالدعوة صلى الله عليه وسلم وكان عددهم قليل وقد أعدهم وكانوا هم الرجال الذي قضوا على طغاة مكة والجزيرة العربية بل معظم طغاة العالم في تلك الفترة من الزمن ، وزلزلوا الأرض تحت أقدامهم حتى حطموا نظام الوثنية والشرك والطغيان في العالم ، وكان مسجده بعد الهجرة هو المدرسة التي يتلقى فيها الصحابة العلم من مصلحهم الأول صلى الله عليه وسلم ولقد اهتم الرسول صلى الله عليه وسلم بتعليم أصحابه الكتابة ولأول على ذلك من موقفه من أسرى بدر ، ففرض على من عجز عن دفع الفداء أن يعلم الكتابة لعشرة من أفراد المسلمين.
ولم تمض فترة وجيزة إلا وأضحى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أكبر علماء الأرض ، يقول الشيخ عبد الحي الكتاني في كتابه (التراتيب الإدارية) (إنه لولا توجد ولا معجزة واحدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم الإ أصحابه وما بلغوه من علم ومعرفة لكفاه ذلك في إثبات نبوته).
وخلاصة القول أن الإسلام حينما انتشر في رقعة كبيرة من العالم في قارات آسيا وأفريقيا وأوربا استطاع الفرد أن ينال حرية الذات التي تمثلت في حرية الفكر حرية التنقل وحرية العلم وحرية العقيدة ، وفي ظل التعاليم الإسلامية نجد أنه حصل على المساواة في تلقي العلم والمساواة في التوظيف العام والمساواة في الخدمة العسكرية والمساواة أمام القضاء والمساواة في الانتفاع بالمرافق العامة ، ولهذا فقد رفع الإسلام كرامة الإنسان من حيث هو إنسان ، فأعلى القيم البشرية وأعاد للفرد كرامته المسلوبة ونقل الرزق والطيبات ، قال تعالى (ولقد كرمنا بني أدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً) (الإسراء70) ، ووضع الأسس التي تكفل التخلص من الرق وأبطل استعباد الإنسان لأخيه الإنسان ، فلا عبودية إلا لله الفرد الصمد (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون) (52المؤمنون) ، وهدم نظام الطبقات من أساسه ، إذ أعلن أن الناس سواسية (يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم) (الحجرات13) (يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً) (النساء(1).
وفي هذا تقدير لوحدة الأصل بما يقتضي عدم التأثير بالجنس والطبقة ، ولقد هدم الإسلام الشرك تأسيسا للتوحيد ،وأرسى قواعد الحرية السياسية توسطاً بين النقيضين القسر والانطلاق، كما أن في تثبيت العقيدة إدراكاً للناس بين الخير والشر والصالح والفاسد والعادل والظالم ، وفي ظل هذا العدل والحرية والمساواة انتشر الإسلام ، وبفضل من الله ونعمته أقبل الصحابة أولاً على حفظ كتاب الله وسنة رسوله ، وكذلك بقية علماء المسلمين فببركة حفظ كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم تفتقت عبقرية العلماء المسلمين وأضاف الفرد منهم إضافات لم يستطيع فريق من العلماء اليوم إنجاز ما أنجزه الفرد منهم فهذه أعمال المسلمين في الطب والصيدلة والكيمياء ، والفيزياء والرياضيات والهندسة والفلك ، والفن القصصي وشعر الملاحم ، والعمارة بأنواعها وخصائص العمارة الإسلامية وفنونها وخصائص الفن الإسلامي والتي ثبت أنهم قد أثروا الدنيا بعلمهم وأن كتبهم قد ترجمت إلى جميع اللغات الأوروبية وكانت مراجع في جميع جامعاتهم حتى القرن الثامن عشر الميلادي إضافة إلى أنهم لم يعرفوا طعم الحرية إلا حينما اتصلوا بالمسلمين أما بالدراسة في جامعات قرطبة وغرناطة وبغداد ودمشق والقاهرة وتونس أو بالتجارة ، فلما لمسوا الحرية لدى المسلمين نادى مصلحوهم بالإصلاحات الاجتماعية والدليل على صحة ما أقول لماذا لم يظهر هؤلاء المصلحون قبل ظهور الإسلام وأن الحريات التي وصفوها في دساتيرهم مستقاة من الفقه الإسلامي حتى أن الحريات استوحوها من الفقه الإسلامي مع إدخال الأهواء والانحراف لأنهم لا يستطيعون تنفيذ تعاليم الإسلام كما طبقناها نحن ، وأن واضعي دساتيرهم هم أشخاص لهم أهواء وأغراض خاصة وأنهم لا يؤمنون بهذا الدين.
وعلى كل حينما نالت شعوب العالم حريتها بفضل ما أنزل الله على نبيه من دين سوي استطاع الفكر البشري أن يبدع وأن يبني علماء الغرب على ما توصل إليه علماء المسلمين وأخذوا عن المسلمين وسائل البحث التطبيقي ، كما أخذوا عن الإسلام والمسلمين الصدق في المعاملة وعدم الغش ، في حين أن المسلمين ركنوا إلى الدعة وتركوا طلب العلم والصرف على الأبحاث ومواصلة التوسع فيها ، وبهذا فهم تركوا العلم وظنوا أن الغرب هو صانع هذه الحضارة وهذا التقدم ، وأخذوا يتأثرون به في نظم حكمهم وقوانينهم الوضعية فزاد هذا من ضعفهم ، وخاصة بعد أن أخذوا من الشرق نظمه العقيمة التي ثبت فشلها من اشتراكية وخلافه ، فزاد الوضع سوءا بعد سوءا حتى أضحى كما هو عليه الوضع الآن والحاصل أمامنا من ضعف اقتصادي ونفسي عسكري وسياسي والأهم من هذا كله ضعف ديني ، حيث انتشرت فينا الأفكار الهادمة وأضحت مناهج التعليم في كثير من دول العالم الإسلامي لا تهتم لتعاليم الدين ، فهجر القرآن والحديث اللذان هما سر قوتنا وباعث مجدنا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
والى اللقاء في الحلقة القادمة
، وكأنه لم يكن هناك ثورات على الحكومات السابقة فالحكومة التونسية كانت حكومة علمانية والحكومة في مصر كانت حكومة علمانية ، والحكومة في سوريا والقائمة الآن ضدها اعتراضات من معظم الشعب السوري وهي الأخرى علمانية ، وكذلك السابقة في العراق كانت علمانية ، فما فائدة هذه الثورات على الحكومات السابقة ونجد أن كثير يطالبون بفصل الدين عن الدولة ، ولو استعرضنا تاريخ الدول السابقة فماذا نجد؟
نجد أن كثير من المثقفين والذين درسوا في الدول الغربية تأثروا بالعلمانية الغربية ، فما هي العلمانية الغربية؟
العلمانية secularism وترجمتها الصحيحة : اللادينية أو الدنيوية وهي دعوة إلى إقامة الحياة على العلم الوصفي والعقل ، ومدعاة المصلحة بعيداً عن الدين.
وتعني في جانبها السياسي بالذات اللادينية في الحكم ، وهي اصطلاح لا صلة له بكلمة العلم، وقد ظهرت في أوربا منذ القرن السابع عشر ،وانتقلت إلى الشرق في بداية القرن التاسع عشر ، وانتقلت بشكل أساسي إلى مصر وتركيا وإيران ولبنان وسوريا ثم تونس ، ولحقتها العراق في نهاية القرن التاسع عشر أما بقية الدول العربية فقد انتقلت إليها في القرن العشرين وقد اختيرت كلمة علمانية لأنها أقل إثارة من كلمة اللادينية ومدلول العلمانية المتفق عليه يعني عزل الدين عن الدولة، وحياة المجتمع وإبقاءه حبيسا في ضمير الفرد لا يتجاوز العلاقة الخاصة بينه وبين ربه ، فإن سمح له بالتعبير عن نفسه ففي الشعائر التعبدية والمراسم المتعلقة بالزواج والوفاة ونحوها.
وتتفق العلمانية مع الديانة النصرانية في فصل الدين عن الدولة إذ لقيصر سلطة الدولة ولله سلطة الكنيسة ، وهذا واضح فيما ينسب إلى السيد المسيح من قوله (أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله) أما الإسلام فلا يعرف هذه الثنائية والمسلم كله لله وحياته كلها لله ، (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العلمين) (الأنعام 162).
أسباب ظهور العلمانية:
وقد انتشرت هذه الدعوة في أوربا ، وعمت أقطار العالم بحكم النفوذ الغربي والتغلغل الشيوعي ، وقد أدت ظروف كثيرة قبل الثورة الفرنسية سنة1789م وبعدها إلى انتشارها الواسع وتبلور منهجها وأفكارها ، وتطورت الأحداث وفق الترتيب التالي :
- تحول رجال الدين إلى طواغيت ومحترفين سياسيين ومستبدين تحت ستار الاكليروس ، والرهبانية والعشاء الرباني وبيع صكوك والغفران.
- وقوف الكنيسة ضد العلم وهيمنتها على الفكرة وتشكيلها لمحاكم التفتيش واتهام العلماء بالهرطقة مثل:-
1- كوبر نيكوس : نشر سنة 1543م كتاب الأجرام السماوية وقد حرمت الكنيسة هذا الكتاب.
2- جاليليو باليي: صنع التليسكوب فعذب عذاباً شديداً وعمره سبعون سنة وتوفي سنة 1642م.
3- سبينوزا: صاحب مدرسة النقد التاريخي ، وقد كان مصيره الموت مسلولاً.
4- جون لوك: طالب بإخضاع الوصي للعقل عند التعارض ظهور مبدأ العقل والطبيعة، فقد أخذ العلمانيون يدعون إلى تحرر العقل وإضفاء صفاته الإله على الطبيعة.
في حين أن الإسلام هو سبب الحضارة التي نعيشها في الوقت الحاضر إذ نجد شريحة كبيرة من مواطني الدول العربية يطالبون بفصل الدين عن الدولة في حين أن الإسلام دين ودولة وطريقة حياة كاملة للإنسان إذا طبقها الإنسان في حياته فإنه سوف يتطور تطوراً سريعاً والسبب في أن كثير من مواطني الدول العربية بهرتهم الحضارة الغربية وظنوا أن وصول هذه الدول إلى هذه المرتبة من التقدم والرقي هو بسبب فصل الدين عن الدولة ، وذلك لأن المسيحية حورت وأدخلت عليها رجال الدين المسيحي وما سلف ذكره هو الذي دفع بالمصلحين إخراج الدين عن الدولة ، وفي حين أن الإسلام دين رقي وتقدم وحرية.
فالبشرية طوال عمرها وحتى قبيل الإسلام لم تحقق من التقدم والرقي في جميع الحضارات القديمة ما حققته في ظل الإسلام.
فلو استعرضنا تلك الحضارات نلاحظ أنه منذ فجر التاريخ كانت البشرية تعاني من اضطهاد وظلم الطبقة الحاكمة لأفراد الشعب ، وإنه من أجل هذا السبب فإن الفرد لم يذق طعم الحرية والعدل ، فمنذ خمسة آلاف سنة قبل الميلاد ماذا نجد؟
نجد أن نظام الإقطاع هو الذي ساد معظم الشعوب ، وأن الحكام والإقطاعيين هم الذين يتمتعون بميزات وخيرات البلاد.
ففي الحكومة السومرية كان الإقطاع هو الوسيلة في حفظ النظام الاجتماعي وكان الإقطاع سائداً أيضا عند قدماء المصريين ، وإن طبقة الفقراء من الفلاحين والعبيد كانت تجبر على عمل السخرة ، وقد بلغ عدد العاملين في بناء الهرم حوالي مائة ألف رجل كانوا يعملون مقابل الأكل والشرب والسكن فقط ، وكان الحاكم يعتبر نفسه إلهاً أو ابناً له.
وكذلك نجد أن الحكومة البابلية تميزت بالإقطاع فالإقطاعيون والتجار هم الواسطة بين الشعب ومليكه ، وكان الإقطاع وأمراؤهم هم المسيطرون على الأقاليم.
وفي الإمبراطورية الفارسية كان الإمبراطور على رأس الدولة العسكرية وكان له سلطة مطلقة ، وحتى أنه يروى أن والدً لثلاثة أولاد طلب إعفاء أحدهم من العسكرية ، فما كان من الملك إلا أن أصدر أمراً بقتل الثلاثة.
ويروى أيضاً أن رجلاً أرسل أربعة من أبنائه إلى ميدان القتال ، ثم رجى حاشية الملك أن يسمحوا له ببقاء ابنه الخامس ليشرف على ضيعة الأسرة فما كان من الملك إلا أن أمر بتمزيق جسم هذا الابن إلى نصفين ، ووضع كل نصف على أحد جانبي الطريق الذي يمر الجيش منه ، فقد كان الولاة والإقطاعيون هم الطبقة التي تعيش حياة رغد وخير، وفي الصين نجد أن أمراء الإقطاع كانوا مسيطرين على حكم البلاد ، وفي الإمبراطورية الرومانية على الحكم والوظائف العامة.
وفي الجزيرة العربية نجد أن النظم السياسية التي سادتها تنقسم إلى ثلاث أقسام:
نجد أن النظام الأول منها ما عرفته التكوينات القبلية من نظم الحكم ، ومعروف أن القبائل العربية كانت تعيش حياة بدائية لا تعرف من العلم والحضارة إلا النذر اليسير.
أما النظام الثاني فهو الذي ظهر على شكل إمارات تابعة لإمبراطوريات كبرى أو داخلة في دائرة نفوذها،مثلما هو الحال في مملكة تدمر وإمارات الغساسنة واللخميين ، وكان الحكم في هذه الإمارات فردياً وراثياً بعكس ما هو الحال القبلي. أما مملكة الأنباط فكانت مستقلة حتى أدخلها الرومان في حظيرة نفوذهم في أواخر القرن الأول قبل الميلاد وأوائل القرن الأول الميلادي قبل أن تصبح ولاية رومانية رسمية في أوائل القرن الثاني.
أما النظام الثالث من نظم الحكم فكان يتمثل في جنوب الجزيرة وكان ملكياً ، وإذ كان الملك يجمع في يده منصب الملك ومنصب الكاهن الأعلى أو الحكومي حتى سنة 110ق م / وحتى أصبحت الصلاحيات الدينية في يد رجال الدين الذين كانوا يكونون طبقة قوية ، وكانت الثروات في يد الملك ومن حوله، إذ كانوا يعيشون في بذخ شديد ، حيث يمتلكون مزارع الطيب والبخور ، وكانوا يقتنون الأدوات المصنوعة من الذهب والفضة.
وخلاصة القول أن البشرية كانت تعيش في ظلم جائر ، وفى العصور الوسطى كانت أوربا تعيش نظام الإقطاع ، وكان نظام العبودية في العمل هو السائد ، أي أن الإنسانية كانت قبيل الإسلام لا تعرف حرية الذات وحرية العلم وحرية العقيدة وحرية العمل وحرية التنقل وحقوق الإنسان ولا أي نوع من أنواع الحريات ، وأن البشرية نتيجة لذلك لم ترتق درجات كبرى في العلم والحضارة فمنذ خمسة آلاف سنة قبل الميلاد و حتى نزول الإسلام لم تصب البشرية حظاً كبيراً في مجال العلم والتقنية والتحضر ، وبعد نزول الإسلام على سيد البشر صلى الله عليه وسلم وبلغنا معلمنا الأول صلى الله عليه وسلم تعاليمه وطبقها على المجتمع الإسلامي وحقق العدالة والمساواة والحرية لأفراد المجتمع أضحى جميع أفراد الشعب سواسية في حصولهم على العلم.
واهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتعليم أصحابه رضوان الله عليهم وكانت أول مدرسة لهم هي دار الأرقم بن أبي الأرقم في مكة المكرمة حيث كان يجتمع بها تلاميذه في الخفاء قبل جهره بالدعوة صلى الله عليه وسلم وكان عددهم قليل وقد أعدهم وكانوا هم الرجال الذي قضوا على طغاة مكة والجزيرة العربية بل معظم طغاة العالم في تلك الفترة من الزمن ، وزلزلوا الأرض تحت أقدامهم حتى حطموا نظام الوثنية والشرك والطغيان في العالم ، وكان مسجده بعد الهجرة هو المدرسة التي يتلقى فيها الصحابة العلم من مصلحهم الأول صلى الله عليه وسلم ولقد اهتم الرسول صلى الله عليه وسلم بتعليم أصحابه الكتابة ولأول على ذلك من موقفه من أسرى بدر ، ففرض على من عجز عن دفع الفداء أن يعلم الكتابة لعشرة من أفراد المسلمين.
ولم تمض فترة وجيزة إلا وأضحى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أكبر علماء الأرض ، يقول الشيخ عبد الحي الكتاني في كتابه (التراتيب الإدارية) (إنه لولا توجد ولا معجزة واحدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم الإ أصحابه وما بلغوه من علم ومعرفة لكفاه ذلك في إثبات نبوته).
وخلاصة القول أن الإسلام حينما انتشر في رقعة كبيرة من العالم في قارات آسيا وأفريقيا وأوربا استطاع الفرد أن ينال حرية الذات التي تمثلت في حرية الفكر حرية التنقل وحرية العلم وحرية العقيدة ، وفي ظل التعاليم الإسلامية نجد أنه حصل على المساواة في تلقي العلم والمساواة في التوظيف العام والمساواة في الخدمة العسكرية والمساواة أمام القضاء والمساواة في الانتفاع بالمرافق العامة ، ولهذا فقد رفع الإسلام كرامة الإنسان من حيث هو إنسان ، فأعلى القيم البشرية وأعاد للفرد كرامته المسلوبة ونقل الرزق والطيبات ، قال تعالى (ولقد كرمنا بني أدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً) (الإسراء70) ، ووضع الأسس التي تكفل التخلص من الرق وأبطل استعباد الإنسان لأخيه الإنسان ، فلا عبودية إلا لله الفرد الصمد (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون) (52المؤمنون) ، وهدم نظام الطبقات من أساسه ، إذ أعلن أن الناس سواسية (يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم) (الحجرات13) (يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً) (النساء(1).
وفي هذا تقدير لوحدة الأصل بما يقتضي عدم التأثير بالجنس والطبقة ، ولقد هدم الإسلام الشرك تأسيسا للتوحيد ،وأرسى قواعد الحرية السياسية توسطاً بين النقيضين القسر والانطلاق، كما أن في تثبيت العقيدة إدراكاً للناس بين الخير والشر والصالح والفاسد والعادل والظالم ، وفي ظل هذا العدل والحرية والمساواة انتشر الإسلام ، وبفضل من الله ونعمته أقبل الصحابة أولاً على حفظ كتاب الله وسنة رسوله ، وكذلك بقية علماء المسلمين فببركة حفظ كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم تفتقت عبقرية العلماء المسلمين وأضاف الفرد منهم إضافات لم يستطيع فريق من العلماء اليوم إنجاز ما أنجزه الفرد منهم فهذه أعمال المسلمين في الطب والصيدلة والكيمياء ، والفيزياء والرياضيات والهندسة والفلك ، والفن القصصي وشعر الملاحم ، والعمارة بأنواعها وخصائص العمارة الإسلامية وفنونها وخصائص الفن الإسلامي والتي ثبت أنهم قد أثروا الدنيا بعلمهم وأن كتبهم قد ترجمت إلى جميع اللغات الأوروبية وكانت مراجع في جميع جامعاتهم حتى القرن الثامن عشر الميلادي إضافة إلى أنهم لم يعرفوا طعم الحرية إلا حينما اتصلوا بالمسلمين أما بالدراسة في جامعات قرطبة وغرناطة وبغداد ودمشق والقاهرة وتونس أو بالتجارة ، فلما لمسوا الحرية لدى المسلمين نادى مصلحوهم بالإصلاحات الاجتماعية والدليل على صحة ما أقول لماذا لم يظهر هؤلاء المصلحون قبل ظهور الإسلام وأن الحريات التي وصفوها في دساتيرهم مستقاة من الفقه الإسلامي حتى أن الحريات استوحوها من الفقه الإسلامي مع إدخال الأهواء والانحراف لأنهم لا يستطيعون تنفيذ تعاليم الإسلام كما طبقناها نحن ، وأن واضعي دساتيرهم هم أشخاص لهم أهواء وأغراض خاصة وأنهم لا يؤمنون بهذا الدين.
وعلى كل حينما نالت شعوب العالم حريتها بفضل ما أنزل الله على نبيه من دين سوي استطاع الفكر البشري أن يبدع وأن يبني علماء الغرب على ما توصل إليه علماء المسلمين وأخذوا عن المسلمين وسائل البحث التطبيقي ، كما أخذوا عن الإسلام والمسلمين الصدق في المعاملة وعدم الغش ، في حين أن المسلمين ركنوا إلى الدعة وتركوا طلب العلم والصرف على الأبحاث ومواصلة التوسع فيها ، وبهذا فهم تركوا العلم وظنوا أن الغرب هو صانع هذه الحضارة وهذا التقدم ، وأخذوا يتأثرون به في نظم حكمهم وقوانينهم الوضعية فزاد هذا من ضعفهم ، وخاصة بعد أن أخذوا من الشرق نظمه العقيمة التي ثبت فشلها من اشتراكية وخلافه ، فزاد الوضع سوءا بعد سوءا حتى أضحى كما هو عليه الوضع الآن والحاصل أمامنا من ضعف اقتصادي ونفسي عسكري وسياسي والأهم من هذا كله ضعف ديني ، حيث انتشرت فينا الأفكار الهادمة وأضحت مناهج التعليم في كثير من دول العالم الإسلامي لا تهتم لتعاليم الدين ، فهجر القرآن والحديث اللذان هما سر قوتنا وباعث مجدنا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
والى اللقاء في الحلقة القادمة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق