العربي قادم وإلى الربيع الإسلامي هو ذاهب بإذن الله(2)
استعرضنا في الحلقة السابقة كيف وأن الاستعمار قد أبعدنا عن ديننا وذلك بحذف المواد الدينية من المناهج الدراسية ، كما أن كثير من المثقفين وأساتذة الجامعات قد نالوا شهاداتهم العلمية من الدول الغربية التي أصلت فيهم أن الدين الإسلامي هو سبب تخلف دولنا ,والسبب الرئيسي في تخلفنا هو الاستعمار ، فمنذ الحروب الصليبية حتى بداية القرن التاسع عشر الميلادي عملت الدول الاستعمارية على تفتيت دول العالم الإسلامي وإبعاده عن التوغل في الأبحاث العلمية وبالأخص في صناعة الأسلحة بجميع أنواعها والدليل على ذلك ما هو قائم الآن أمامنا ، بأنهم يسمحون لدولة إسرائيل في إنشاء مفاعلات ذرية وتصنيع قنابل نووية بل أمدتها فرنسا بمئات القنابل الذرية، كما يسمحون لها بتصنيع جميع أنواع الأسلحة ، بل ويمدونها بمختلف دولهم وعلى رأسهم الولايات المتحدة بجميع ما يجًد من أنواع السلاح في حين أنهم يحظرون علينا أن نصنع السلاح في دولنا والدليل على ذلك ما واجهه مشروع الصناعات الحربية في مصر في عهد عبد الناصر وفي حين أن الإسلام والعلماء المسلمون هم سبب الحضارة التي تعيشها الدول الغربية الآن.
فالبشرية ماذا حققت من حضارات قبل الإسلام؟ إذ منذ أن خلق الله آدم عليه السلام حتى نزول الإسلام ماذا حققت البشرية من تقدم سوى بناء الأهرامات وسور الصين العظيم وبعضا من التماثيل والرسوم في المقابر والمغارات ،وقضت في الوصول إليها آلاف السنين ، في حين أن البشرية بعد نزول الإسلام وحتى اليوم ماذا حققت؟
ففي خلال ألف وأربعمائة عام استطاعت البشرية لأن تتقدم في سرعة فائقة ، فقد قفز الإنسان من عصر البخار إلى عصر الكهرباء والذرة والصاروخ والإلكترون والمذياع وسفن الفضاء والأقمار الصناعية ، وشبكة المعلومات (الإنترنت) ومراكزها في خطى أشبه بالوثبات الجبارة ، ويرجع الفضل بعد الله في هذا إلى الإسلام ، وذلك كما أسلفت أن البشرية كانت قبل الإسلام تعيش في ظلم ورق وعبودية ، وإن النظم الاجتماعية التي كانت سائدة لم تعطي الإنسان حريته ولم تفتح له فرص التعليم ، وكان نظام الإقطاع والرق هما السائدين ، وبعد نزول الإسلام والقضاء على هذين النظامين استطاعت البشرية أن تقفز هذه القفزات الجبارة إذ أتاح الإسلام فرص العيش الكريم لجميع شعوب الدولة الإسلامية على مختلف ألوانهم وأجناسهم ودياناتهم فقد عاش المسيحيون جنباً إلى جنب مع المسلمين وقد أتيحت لهم الفرص في التعليم إلى أعلى درجات العلم ، بل كان الخلفاء يعاملونهم كما يعاملون العلماء المسلمين تماماً فنبغ منهم البختيشيوعيون والعباديدون والنساطرة وكانوا من أشهر الأطباء في الدولة الإسلامية.
كما تمتع اليهود بمعاملة حسنة قل أن يجدوها في جميع أنحاء العالم ، ولقد أقروا هم بأنهم كانوا يعيشون مع المسمين في جميع أنحاء الدولة الإسلامية بسماحة لا نظير لها ، وذلك باعتبارهم أهل ذمة فقد تمتعوا بحماية لم يجدوها في أوربا المسيحية ،وقد اعترف اليهود أنفسهم أنهم لقوا العهد الذهبي في ظل الحكم الإسلامي حتى بلغوا في مناصب عالية في الدولة ، وحسب روايات المقريزي في الخطط أن يعقوب بن كلس اليهودي قد بلغ منصب الوزارة في البلاط الفاطمي ، وكان ذلك في القرن الرابع الهجري .
كما كان بينهم الأطباء كما سبق ذكره ، كذلك المترجمون أيضاً، وفي ظل حكم الإسلام العادل استطاع علماء الدولة الإسلامية أمثال الرازي ، والكندي وابن الهيثم وابن النفيس وابن سينا ،والبيروني وجابر بن حيان والخوارزمي ،والبتاني والبوزجاني ، والصوفي والطوسي ،والكاشي والأنطاكي والبغدادي والخازن والقزويني والقافقي وابن البيطاروالدميري والزهراوي ، وابن طفيل والفارابي وابن العوام وابن يونس وابن حمزة والصوري والجلدكي ، والمقدسي والإدريسي وغيرهم ، استطاعوا أن يثروا العالم بكتبهم فهي إن لم تعد بالمئات فقد بلغت الآلاف ، وقد بلغ اقتناعهم بأن الأسلوب العقلي المنطقي وحده لا يكفي للنهوض بالعلوم الطبيعية ، بل لابد من إجراء التجارب وتسجيل المشاهدات والملاحظات وتجميع البيانات والقرائن فاتبعوا الطريقة الصحيحة التي ينسبها البعض إلى علماء النهضة الأوربية وعلى الخصوص (باكون) ، في حين أن العلماء المسلمين أدركوا هذا قبل باكون بمئات السنين ، حيث نجد أن جابر بن حيان كان يوصي تلاميذه بالاهتمام بالتجربة وعدم التعويل إلا عليها ، مع التدقيق في الملاحظة والاحتياط وعدم التسرع في الاستنتاج.
ونجد أن (دراير) يعترف بأن تفوق المسلمين في العلوم إنما هو راجع إلى الأسلوب الذي توخوه في بحوثهم ، إذ أن العلماء المسلمين هم واضعوا أسس البحث بالمعنى الحديث وكل ذلك يدل على سبق المسلمين في كثير من الميادين والمجالات العلمية ، ونرى بعض المستشرقين مثل (كاجوري) وغيره يقولون : إن كثير من الآراء والنظريات العلمية حسبناها من صنعنا ، وإذ بالعلماء العرب سبقونا إليها وواقع الحال يقول أن وجود ابن الهيثم والخازن والبيروني وجابر بن حيان وابن سينا وغيرهم وكان ضرورياً لظهور جاليلو وكوبرينق ونيوتن وفرانسيس بيكون ، ورينيه ديكارت وكبلر ولافوازيه ، وباستير ولامرك ، وكوخ ولينيس ودالتون ، وكوفيه من علماء النهضة الأوربية.
ويمكننا القول أن العلماء المسلمين قاموا بدورهم الطليعي في بناء النهضة العلمية العالمية حيث نقلوا التراث الإغريقي وغيره من ألوان التراث العلمي الذي تقدم عليهم في التاريخ إذ نقلوه إلى العربية وأضافوا إليه إضافات جبارة ، وظلت كتبهم في العلوم الطبيعية المرجع المعتمد في جامعات أوربا حيث ترجمت إلى اللغات اللاتينية.
وما أن عرفت الطباعة في منتصف القرن السابع عشر حتى طبعت هذه الكتب عدة مرات وشهد لهم كثير من مؤرخي العالم من أمثال سارتون ، وهو لمبارد ، وسمث وكاجوري وغيرهم ، فقد مر بنا كيف أثر العلماء المسلمون على أوربا بابتكارهم نظام الترقيم والصفر والنظام العشري ، وكيف نادى ابن مكسويه ، وابن خلدون ، وأخوان الصفا بنظرية التطور قبل ودارون بمئات السنين، وكيف عرف ابن النفيس الدورة الدموية الصغرى قبل هارفي بثلاثة قرون ، بل كيف ربط الخازن بين الثقل والسرعة والمسافة الأمر الذي جعل كثيراً من المحققين يقولون أن صاحب كتاب (ميزان الحكمة) اي الخازن كان يعرف هذه العلاقة التي وصفها نيوتن على هيئة قوانين ومعادلات ، وكيف أجرى ابن الهيثم التجارب لقياس سرعة الضوء وتقدير زوايا الانعكاس والانكسار ، وكيف قدر بنو موسى محيط الأرض ، وكيف قاس فلكيوالعرب أبعاد الأجرام السماوية ، وكيف ابتكروا الآلات الفلكية كما أن الملاح العربي (ابن ماجد) هو الذي كان ربان فاسكو دوجاما في رحلاته الاستكشافية في أعالي البحار ، وأن جابر بن حيان هو أول من أسس علم الكيمياء إذ خلصه من صورته المشوبة بالسحر والشعوذة.
وابتدع الأطباء المسلمون علم التشخيص المقارن ، وللرازي فضل السبق في هذا المضمار ، وكذلك أفاد الغربيون من الطب العربي فضلاً عن هذه الكتب الجامعة مادة علمية غزيرة تتعلق بالطب الإكلينيكي وهم مدينون في ذلك لكتاب الحاوي وأمثاله كذلك أخذ الغربيون عن الكتب الإسلامية العربية علمهم بالعقاقير والأدوية المركبة والمفردة وكتاب ابن البيطار كان مرجعاً لهم حتى أواسط القرن الثامن عشر ، وأخذوا عن المسلمين خبرتهم في الجراحة حيث كان كتاب الزهراوي مرجعاً عند كل من مارس الجراحة في أوروبا، إذ له الفضل في تحديد التفاصيل الدقيقة التي لابد منها لنجاح الجراحات ، وله آلات تستأصل بها الأورام وله آلات أخرى لاستخراج حصاة المثانة بالشق أو التفتيت كما اخذ الغربيون عن المسلمين نظام البيمارستانات ، ويمكننا القول أن الطب العربي كان ناجحاً إلى حد بعيد في العصور الوسطى ، وكانت الأمم الغربية تجهل الطب جهلاً يكاد يكون تاماً وكان عليهم أن يأخذوه عن العربي.
وكانت أوربا في العصور الوسطى لا تجمع على رأي بشأن كروية الأرض ، بل نجد أن القديس أوغسطين اعتبر أن كروية الأرض من المسائل التي لا يمكن التسليم بها ، إذ كان الفكر الأوربي قد سيطرت عليه جهالة العصور الوسطى ، وكان غير مستعد لقبول هذه الفكرة في الوقت الذي كان فيه الجغرافيون العرب يجمعون على هذه الحقيقة ، إ نجد ابن خرازنة المتوفى سنة885م يقول ((أن الأرض مدورة كتدوير الكرة موضوعة في جوف الفلك كالمحة في جوف البيضة)).
وقد أدرك المسلمون أهمية الخريطة كوسيلة لتوضيح المعلومات الجغرافية ، وكان محمد بن موسى الخوارزمي من أسبق الكتاب المسلمين عناية بهذه الناحية ، إذ أضاف مجموعة إلى كتابه صورة الأرض الذي يقول عند المستشرق الإيطالي فلينو : أنه لا تستطيع أمة عربية في فجر نهضتها أن تنتج مثله ، ووضع البلخي أول أطلس عربي ألحقه بكتابه صور الأقاليم.
وفي العمارة أنشئت الكوفة والبصرة والفسطاط والقيروان والأجناد في عهد الخلفاء الراشدين ، ثم توسعت هذه المدن وتحسن بناؤها بالإضافة إلى تكوين مدن أخرى بلغت أكثر من خمس وعشرين مدينة إضافة إلى منشآت شيدت للصيد والنزهة والراحة والاستجمام مثل قصر عمرو والمشتى وقصري الحيرة الشرقي والغربي وقصر هشام وقصر الطوبة.
وفي العصر العباسي تطورت تلك المدن واتسعت ، كما اختطت مدن جديدة أخرى منها هاشمية الكوفة والمعمورة وبغداد وسامراء في العراق والعسكر وتنيس والقطائع في مصر والعباسية ورقاده وسوسة ووهران وفاس في بلاد المغرب، واتسعت مكة والمدينة ودمشق وحلب وقرطبة وأنشئت فيها الشوارع ومنشآت عمرانية ضخمة.
كما نشطت حركة العمارة والبناء في جميع مدن الدولة الإسلامية وبنيت الأسوار والحصون حولها وأقيمت بها المساجد والقصور والدور والأسواق والحمامات والأربطة وخزانات المياه والمدارس أما عواصم الإسلام العربية الثلاث بغداد والقاهرة وقرطبة فقد ازدهرت ازدهاراً كبير تضاءل أمامه ازدهار العواصم الأوربية الأسيوية التي كانت قائمة في القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي .
كما قامت صناعات وتبعتها نهضة فنية كبرى، وأقبل رجال الفن على إنتاج التحف الثمينة من الخشب والعاج والخزف الزجاج والمعادن والجلود والمنسوجات الكتانية والحريرية والصوفية.
وإضافة العمارة الإسلامية إلى الفن العالمي نظماً لم تعهدها من قبل من مساجد ومدارس كما أدخلت تحسينات على نظم المساكن والقصور والحمامات والحصون والأسوار لم تعرفها من قبل وجعلت لها طابعاً إسلامياً مميزاً.
وفي العمارة الإسلامية ابتكرت أشكال من العقود خلاف العقود في العهد الروماني التي تتصف بالعقد الدائري ، لكنها أصبحت في العصور الإسلامية متعددة المظاهر والتركيب فصار فيها العقد المنفرج والعقد المدبب، والعقد المطور ومشتقاتها وكذلك العقد المنبعج والعقد المنبطح ومشتقاتها ، وكذلك العقد الثلاثي الفتحات الخماسي والمفصص ومشتقاها وأدخلت العمارة العربية أشكالاً جديدة من التيجان تختلف تماماً عما كان مألوفاً في العمارات القديمة من حيث الشكل أو من حيث الزخرفة والقباب القديمة الثلاثية تغيرت مظاهرها حيث أدخل المهندسون المسلمون تجزئة الكتلة إلى خطوط هندسية حتى تنوعت أشكالها وأحجامها ، كما تنوعت مقرنصاتها تنوعاً كثيراً وتجرأت عناصرها إلى حد أصبحت داليات تحلي بها السقف والنوافذ والبوابات، وابتكرت في العصور الإسلامية كذلك الصنج المعشقة، وظهرت أشكال المحاريب واتخذت عنصرا من عناصر الزخرفة كما انتشرت الأبواب البارزة ذات الإطارات المستطيلة وانتصبت المآذن والمنارات وتنوعت أحجامها من مكعبات وأسطوانات ومضلعات ، وكذلك تعددت طوابقها كما ارتفعت أعنتها وامتشقت قوائمها في كل مكان.
وبالنسبة للزخارف المعمارية فإنها اتخذت لها خصائص امتازت بها من حيث تصميمها وإخراجها الفني ومن حيث موضوعها وأساليبها في طرق الإخراج الفني.
وكان النقش على الجص إما بطريقة الحفر المباشر أو بطريقة الصب الآلية ، كما أن النحت الغائر المفرغ أرضيته اتخذ أشكلاً جميلاً جذاباً. وقد استخدمت الفسيفساء والقراميد والحجارة المختلفة والألوان ، وكانت النباتات والأغصان والأوراق والثمار هي مصدر الإيحاء للفنانين، وبالنسبة لصناعة الأخشاب والعاج فإن النحت المشطوف والنحت الفائر والنحت المخرم والإطارات المجمعة والمشربيات قد ظهرت في مجموعات إنشائية كاملة رائعة،والمثال على ذلك منبر مسجد القيروان، والقصور الفاطمية المختلفة ، وكذلك الصناديق العاجية الأندلسية.
وفي الخزف والفخار وظهرت شبابيك القلل المحلاة بالزخارف المخرمة المفرغة المنوعة كما برزت أواني دقيقة الصناعة ، وصنع من الزجاج أواني أخرى مختلفة الأشكال منها الأكواب والكؤوس والأباريق، وكذلك مشكاوات المساجد ذات الشهرة العالمية.
وبرز فن صناعة التحف البرونزية بالنحاس والفضة والذهب كما ظهرت مراكز شهيرة بصناعة المنسوجات تعرف بدور الظراز حيث أنتجت أنواع فاخرة منه تمتاز بالدقة بعضها بتموج الألوان والأخر مزركش بخطوط الذهب والفضة.
أما السجاد فقد ذاعت شهرته في دول أوربا ، وكانت جدران وقاعات الاستقبال في قصور ملوكها وأمرائها تزان بالأنواع الفاخرة منه، أما السجاد فقد ذاعت شهرته في دول أوربا عن طريق الاتصال السالف ذكره ، كما أن كثيراً من المسيحيين الذين كانوا يعيشون في الأندلس منذ فترة دخول العرب لها في أواخر القرن الأول الهجري أوائل القرن الثامن الميلادي بدءوا بالهجرة إلى المناطق المسيحية في شمال إسبانيا وخاصة قشتالة في القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي ، وازدادت أفواج المهاجرين فيما بين سنتي 483 – 541هـ هرباً من المرابطين والموحدين ، وكان هؤلاء المسيحيون يسمون بالمستعربين وقد حملوا معهم إلى تلك المناطق طرق البناء وأسرار الصناعات الفنية التي كانت متبعة في الأندلس ، كما أن كثير من رجال الفن والعمال المسلمين ظلوا في الأندلس بعد الغزو المسيحي لها ، والمصادر التاريخية تدلنا على أن جماعات كبيرة منهم ظلوا يعملون في طليطلة بعد سقوطها في سنة 584هـ وفي قرطبة بعد سقوطها في 633هـ وفي أشبيليا بعد سنة 646هـ ، بل أن التقاليد الفنية الإسلامية ظلت متبعة في الخزف في غرناطة بعد سقوطها في 897هـ وكان المسلمون يطلقون عليهم المدجنون حيث انتشرت الفنون الإسلامية في البلاد المسيحية على أيديهم.
كما نقلت كثير من البوابات وغيرها إلى الكنائس المسيحية في أوربا من صناعة عربية.
وهكذا ثبت لنا بعد هذا الاستعراض السريع للحضارة الإسلامية أن الإسلام هو سبب الحضارة التي تعيشها البشرية الآن ، وإنه دين حضارة ورقي بكل ما تعنيه هذه الكلمات من معنى وأنه ليس دين إرهاب.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق