كيف تحكم أمريكا (98)
وبعد العرض السابق لأراء كل من ميرشايمر واستيفن والت والأستاذ نهاد عوض والأستاذ الدكتور أسعد أبو خليل حول الدراسة التي قاما بها البروفسورين السالف ذكرهما فللقارئ الحق أن يتساءل عن فحوى الدراسة التي ناقشتها الحلقة السالف ذكرها
، ولعدم الإطالة فسأذكر ملخص هذه الدراسة والتي تحتوي على الآليات التي يستخدمها اللوبي الإسرائيلي لكي يؤثر على السلطة التشريعية والتي هي عبارة عن أعضاء الكونجرس الأمريكي وكذلك تظهر الآليات التي يستخدمها اللوبي اليهودي للتأثير على السلطة التنفيذية ممثلة في البيت الأبيض وكذلك نجد أن هذه الدراسة قد تناولت الوسائل التي استطاع بموجبها اللوبي أن يبلغ الذروة في إرهاب السياسيين الأمريكيين حتى أضحوا لا يستطيعون تخطي رغبات اللوبي الصهيوني ، ذلك بأن أي سياسي يخالف هذه الرغبات سوف يلاقي ما لا يستطيع مواجهته ، وقد ضربت الدراسة أمثلة عديدة على ذلك ، ونجد أن المؤلفين السابقين قد ركزا على منظمة الإيباك إذ كما ذكرنا في الحلقات السابقة هي العضو الأقوى في اللوبي الصهيوني ، حيث بلغت من القوى التي اعترف بها المسئولين الأمريكيين ، وأضحت كأنها وكيل رسمي لحكومة أجنبية.التأثير على الكونجرس الأمريكي:-
لقد أضحى تأثير اللوبي الصهيوني واضحاً في الكونجرس الأمريكي أذ نجد أن إسرائيل قد أضحت لديها مناعة من النقد ، وهذا يعتبر جديراً بالملاحظة ، أذ نجد أن كثيرا من الموضوعات التي تطرح على الكونجرس تثار فيها مناقشات ويطرح الأعضاء أرائهم حول تلك المواضيع ، وحينما تعرض أي مشكلة حول إسرائيل فإنها تواجه بالصمت والقبول حسب ما ترغبه إسرائيل واللوبي اليهودي ، أذ نجد أن السناتور ديك أرمي وهو من المسيحيين الصهاينة يقول : أن الأولوية فيما يتعلق بالسياسة الخارجية الأمريكية هي حماية إسرائيل.
وحينما تعرض قضايا الشعب الأمريكي مثل الصحة العامة أو التعليم أو رفاهية الشعب والمواطن فإنك تجد مناقشات عنيفة تدور بين أعضاء الكونجرس والمثل قائم الآن أمامنا حيث أن الرئيس أوباما يريد رفع سقف الديون لحكومة الولايات المتحدة فقد عرض هذا على الكونجرس واعترض أعضاء الحزب الجمهوري على مقترحات الرئيس الأمريكي، والمسألة حتى كتابة هذه السطور لم تحل بين الرئيس والحزب الجمهوري ، ولو كانت القضية متعلقة بمساعدة إسرائيل لوافق الكونجرس على ذلك ولقد شرحت ذلك مفصلاً في الحلقات السابقة.
كما يوجد أعضاء صهاينة يهود في مجلس الشيوخ يعملون جاهدين على دعم مصالح دولة لإسرائيل ورسم السياسة الخارجية تجاه الشرق الأوسط حسبما تتطلبه مصلحة إسرائيل وحمايتها ونجد أن مصادر القوة لللوبي الإسرائيلي هم موظفو الكونجرس الأمريكي الموالين لإسرائيل من أمثال (أميتاي موريس) وهو رئيس سابق لمنظمة (إيباك) إذ نجد أنه اعترف في أحدى المرات ان كثير من الرجال على مستوى المسئولية في مجلس الشيوخ والنواب هم يهود ولديهم رغبة شديدة لبحث قضايا معينة باستخدام معايير يهودية ، وهم على استعداد لاتخاذ القرارات في تلك المجالات نيابة عن الأعضاء أنفسهم في مجلس الشيوخ، إذ نجد كثير من القرارات قد اتخذت من قبل الموالين لإسرائيل من موظفي الكونجرس متجاهلين أعضاء الكونجرس.
وأود أن أشير أن أعضاء مجلس الكونجرس قد وافقوا على رفع سقف الدين إلى أكثر من 14 تريليون دولار بأغلبية بسيطة إذ عارض هذا القرار مائة وعشرين عضواً في حين أن هذا القرار لصالح الشعب الأمريكي، وذلك لأنه إذا لم يرفعوا سقف الدين فإن الحكومة سوف تضطر على فرض ضرائب على الطبقة الفقيرة من الشعب وعلى الشركات الأمر الذي يزيد في البطالة وينعكس سلبيا على الشعب الأمريكي.
ونجد أن الإيباك حسب ما وصفتها الدراسة بأنها هي لب وجوهر اللوبي الصهيوني في التأثير على الكونجرس الأمريكي .
وذلك راجع إلى أن الإيباك لها قدرة في مكافأة كل من يحسن إلى إسرائيل ومعاقبة كل من يسيء إلى إسرائيل إلى كل أعضاء مجلس الشيوخ والنواب. ولها من القوة بحيث تلحق الضرر بكل من تحداها أو يعترض طريقها. ذلك لأن المال له تأثير خطير في عملية الانتخابات . إذ يوجد هناك مثال يذكرنا جيداًَ وهي فضائح (جاك ابراموفس) وهو أحد أعضاء اللوبي الإسرائيلي وذلك حول الصفقات التي أبرمها وهي عبارة عن صفقات مبهمة ومشبوهة ، وكذلك تقدم الإيباك دعماً مادي قوي لأصدقائها الذين لا يحصى عددهم من المؤيدين لقرارات اللجان والهيئات السياسية الإسرائيلية ، أما الذين يقفون مواقف غير مؤيدة لإسرائيل فإن الإيباك تقوم بشن حملات مسعورة عليهم لدعم خصومهم السياسيين كما تقوم الإيباك بحملات كبيرة تجاه الصحف الأمريكية لكي تقوم بتأيد المرشحين من مؤيدي إسرائيل.
وتفاخر الإيباك بأن اليهود في طول وعرض الولايات المتحدة تجمعوا يداً واحدة لطرد(تشارلز بيرسي) من الكونجرس وقد اتبع اللوبي الإسرائيلي تكتيكات أخذت نجاحاً كبيراً في الولايات المتحدة ويكفينا أن نذكر مثلا ً لذلك ما حدث (لتشارلز بيرسي) إذ قامت الايباك بإسقاطه وهزيمته والذي كان عضوا في مجلس الشيوخ عن ولاية (الينوي) وحسب أقوال أحد أعضاء اللوبي اليهودي بأنه أبدى تبلداً وعداوة إزاء مخاوفنا واهتماماتنا . وقد أوضح ذلك (توماس داين) رئيس اللجنة آنذاك وذلك لإبلاغ الرسالة إلى جميع السياسيين الأمريكيين الذين يتقلدون مناصب وطنية ، وكذلك الذين لديهم طموحات مستقبلية في الحكم، وقد وصلت الرسالة إليهم جميعاً واضحة وضوح الشمس.
وتقوم الايباك بالإنفاق ببذخ زائد لتبين مدى قوة نفوذها وسطوتها بأنها خصم لا يستهان به ، وذلك لتثبيط عزائم أي شخص يفكر في مجرد تفكير في التشكيك في جدول الأعمال ولقد تعدى نفوذها وتصرفها وأعني (الايباك) إلى حد ما يفوق ما حدث مع (تشارلز بيرسي) إذ نجد أن دوجلاس يعلق على ذلك قائلاً (أنه من المعتاد قيام أعضاء الكونجرس ومعاونيهم من الموظفين التوجه إلى لجنة الايباك للحصول على المعلومات ثم بعد ذلك يلجئون إلى مكتبة الكونجرس أو إلى أي استشاري البحوث والخدمات بالكونجرس ثم أضاف قائلاً : أن الأهم. من ذلك هو دعوة الايباك لمراجعة الخطب المزمع إلقاؤها ، كما يتم الالتجاء إليها عند صدور قوانين أو تشريعات جديدة لكي يؤخذ رأيها في تلك القوانين والتشريعات وكذلك يطلب مساعدتها في الجولات الانتخابية في تنظيمها وكسب أصوات المنتخبين وفي أعمال البحوث المزمع أجراؤها، وبهذا فإن الايباك أضحت كالوكيل الرسمي لدولة أجنبية وهي ممسكة بقبضة فولاذية على أعضاء الكونجرس ولا يمكن أن يتخلص الكونجرس منها بأي حال من الأحوال وأن المناقشات تجاه إسرائيل لا يمكن إتمامها ولو كان تأثيرها يضر بالعالم بأثره، إذ نجد أحد فروع الحكومة الأمريكية الثلاث ويقصد بها السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية ، وهذه السلطة هي السلطة التشريعية هي الملتزمة بمساعدة ومساندة إسرائيل وذلك حسب قول السيناتور المخضرم (ارنست هولينجر) أنك لا تستطيع تحديد سياسة إسرائيلية مغايرة لما تقدمه لجنة الايباك هنا ، وهناك طرفة ذكرها أرئيل شارون حينما كان يخطب أمام جمهور أمريكي من الحاضرين نجده يقول حينما يوجه إلى سؤال كيف نستطيع مساعدة إسرائيل فرد عليهم قائلاً من خلال منظمة الايباك.
التأثير على السلطة التنفيذية:-
كما نلاحظ أن لللوبي الصهيوني الإسرائيلي تأثيراً فعالا على السلطة التنفيذية وذلك من خلال الانتخابات الرئاسية ، بالرغم من قلة عددهم الذي لا يتجاوز عن 3% من مجموع سكان الولايات المتحدة ، فهم بارعون في التجهيز للحملات الانتخابية وذلك بجمع التبرعات لما تتطلبه هذه الحملات من أموال سياسية.إذ نجد أحد مرشحي الحزب الديمقراطي للرئاسة قد اعتمد على المؤيدين من اليهود على 60% من ما تتطلبه حملته الانتخابية من أموال ، ذلك لأن اليهود لديهم أموال طائلة ومركزون في الولايات المتحدة المهمة ، ككاليفورنيا ، وفلوريدا ، والينوي ، ونيويورك ، وبنسلفانيا ، كما أن لهم باع طويل في شؤون الانتخابات حتى أضحى أي طامع في منصب الرئاسة لا يستطيع مخالفة أو إزعاج هذا اللوبي الصهيوني ، وعليه أيضاً أن يقدم طاعة الولاء لحكومة إسرائيل حتى يستطيع الفوز بمنصب الرئاسة ، كما يقوم اللوبي باستهداف ذوي النفوذ من مسئولي الحكومة ، ونضرب مثلاً لذلك بأن جميع القوى الموالية لإسرائيل تتأكد من أن أي شخص يقوم بانتقاد أي من المسئولين الرسميين من اليهود لن يتم تعينه في أي منصب هام يتعلق بالسياسة الخارجية الأمريكية ،وذلك حينما أراد الرئيس السابق (جيمي كارتر) تعيين (جورج بول) نائب له ـ وحينما علم أنه مسجل خطر على إسرائيل غض النظر عن ذلك لأن اللوبي الإسرائيلي سوف يقف أمامه معارضاً عند تعيينه في ذلك المنصب، من هنا كان لزاماً على كل طامع في مركز سياسي أن يقدم ولاء الطاعة لدولة إسرائيل حتى يستطيع الوصول إلى المركز الذي يطمع إليه ، لذلك نجد أن كل من يعارض سياسة إسرائيل من الساسة الأمريكيين يجد نفسه بغرد خارج السرب، وأن أسلوب هذه اللوبيات الصهيونية القائم على الترغيب والترهيب ما زال قائماً حتى يومنا هذا إذ نجد أنه حينما طلب مرشح الرئاسة (هورد دين) خلال مارثون الانتخابات الرئاسية عام 2004م من الولايات المتحدة الأمريكية أن تقوم بممارسة دور أكثر اعتدالاً في الصراع العربي الإسرائيلي حينئذ أبدى له عضو مجلس الشيوخ (جوزيف ليبرمان) ليتهمه ببيع قضية الانتماء لإسرائيل بثمن بخس واصفاً إياه بأنه شخص عديم المبالاة وعديم المسئولية، إذ نجد أن جميع أعضاء الحزب الديمقراطي قد وقعوا رسالة منتقدين طبعاً (هورد دين) كذلك نجد أن نجم شيكاغو اليهودي قد وصفه بأنه من المتهجمين ومجهولي الهوية متسببا في ذلك بعرقلة امتلاء صناديق الانتخابات لزعماء اليهود ، في جميع أنحاء الولايات المتحدة ، محذرا في ذلك بأنه (هورد دين) سوف يكون مضراً بمصالح إسرائيل.
وطبيعيا أن مواجهة هذا الموقف بالطريقة التي واجهوها به اليهود وعملائهم كان وضعا سخيفا ، فبالرغم من ذلك فإن (هورد دين) كان متشدداً في مواقفه مع إسرائيل ولمواقف (هورد دين) ووجهات نظره التي أبداها تجاه إسرائيل كان لها أثر بالغ في الأمريكيين المعتدلين أكثر من تأثير منظمة الايباك عليه، إذ نجده قد نادى بأن يتم تقريب وجهات النظر بين الفلسطينيين والإسرائيليين وأن يكون موقف الولايات المتحدة أكثر اعتدالاً ، تعتبر هذه الفكرة في نظر المعتدلين من الأمريكان ، فكرة راديكالية بخلاف ما ينظر إليها من قبل اللوبي الإسرائيلي الصهيوني الذي لا يتقبل بأي حال من الأحوال فكرة العدالة أو الحياد أو الإنصاف فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي .
مما تقدم نستنتج أن حكومات الولايات المتحدة بشقيها التنفيذي والتشريعي خاضعة لإرهاب اللوبيات اليهودية الصهيونية في الولايات المتحدة وعلينا نحن كعرب ومسلمين أن نتعاون جميعاً بشتى الوسائل بعدم الاعتماد على الولايات المتحدة في حل مشكلة فلسطين ، و علينا أن نواجه حكومات الولايات المتحدة بالضغط عليها وذلك بتهديدها بالإضرار بمصالحها لدول العالم الإسلامي إذا لم تقف موقفاً محايداً ، فجميع الحلقات السالف ذكرها أظهرت مدى تسلط اللوبيات اليهودية على الإدارات الأمريكية المتعاقبة بالإضافة إلى تسلطهم وتعشعشهم في مراكز القرارات في وزارة الخارجية والبيت الأبيض وفي الكونجرس وفي البنتاجون وفي مجلس الأمن وفي كل المراكز المهمة في الولايات المتحدة ولقد شرحت ذلك بنوع من التفصيل في الحلقات السابقة وسوف أبين ذلك في الحلقات اللاحقة .
وإلى اللقاء في الحلقة القادمة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق