الربيع العربي قادم وإلى الربيع الإسلامي هو ذاهب بإذن الله (4)
رأينا في الحلقات السابقة كيف وأن العلم والتجارب العلمية قفزت قفزات هائلة لم يشهد لها التاريخ من قبل في كل من العصر الراشدي والعصر الأموي والعصر العباسي وفي هذه الحلقة سوف نتعرف على كيفية وصول الحضارة الإسلامية وما أنتجتها في جميع مجالات العلوم كالطب والهندسة والكيمياء والفيزياء وعلم الحساب والمثلثات واللوغريثمات إلى أوربا، عن طريق ما يأتي ذكره.
1- الاتصال:
لقد اتصل مسيحيو الشرق بالمسلمين على أثر فتوحات فارس والشام ومصر وقاسموهم العيش وعاشوا معهم بتسامح ديني كان مضرب المثل واشتركوا في نشاطهم الفكري والثقافي وقادوا الحركة العلمية الإسلامية الناشئة ، وكان منهم أطباء وكيميائيون ورياضيون وفلكيون أسهموا في نقل التراث اليوناني إلى العربية ، وللنساطرة واليعاقبة في ذلك شأن كبير وبدأ البحث العلمي الفلسفي في الإسلام والدولة البيزنطية بحكم موقعها متاخمة للعالم الإسلامي ، وقد عرفت عنه برغم الخصومة الشيء الكثير، وعن طريقها استقلت أمور العالم الغربي وخاصة بعد الحروب الصليبية، وقد أتاحت هذه الحروب فرصة الاتصال المباشر بين مسيحي الغرب بالمسلمين الذي دام نحو قرن أو يزيد {1069- 1204م} ولهذا الاتصال آثار سياسية وعسكرية واجتماعية ، فكان مدعاة لإضعاف سلطة الكنيسة وخلق نواة جديدة للوحدة الأوربية ونقل إلى أوربا شيئاً من الفنون العسكرية وبعض العادات والتقاليد الشرقية وأصاب نظام الإقطاع في الصميم وهناك اتصال أخر أوثق وأعمق وهو اتصال مسيحي الغرب بالمسلمين في الأندلس وصقلية ، فقد بعثوا إليهم بعوثا في طلب العلم وبخاصة الرياضيات والفلك والطب وسعى إليهم الأمراء والوجهاء بحثاً عن العلاج أو رغبة في الوقوف على الفنون ومظاهر الحضارة الإسلامية وقد فتح المسلمون صقلية في أوائل القرن التاسع وحكموها نحو قرنين ونصف وازدهرت فيها الحضارة الإسلامية ازدهاراً كبيراً وعاش فيها مسيحو الغرب مع المسلمين جنباً إلى جنب كما عاش مسيحو الشرق ، ويوم أن سقطت صقلية تحت حكم الرومان (1090م) ازداد هذا الاتصال وثوقاً وأخذ الغرب يستفيد من حضارة الإسلام وثقافته ، وبلغ التبادل الثقافي بين المسيحيين والمسلمين في صقلية ووصل إلى قمته في عهد فريدريك الثاني (1250م) الذي أولع بالعلوم الإسلامية وعرف لها قدرها ، والرسائل الصقلية المتبادلة بينه وبين ابن سبعين خير شاهد على ذلك.
أما الأندلس فقد فتحها المسلمون في أوائل القرن الثامن وقضوا فيها نجو سبعة قرون وأقاموا فيها حضارة لا تقل عن حضارة المشرق الإسلامي ، واتصلوا بالمسيحيين اتصالاً وثيقاً أسلم منهم من أسلم وبقي آخرون على دينهم في تعايش سلمي آمن برغم الحروب والمناوشات التي وقعت بين خلفاء المسلمين وملوك قشتالة وكانت طليطلة أول مدينة أندلسية سقطت في أيدي الفونس السادس ملك قشتالة سنة 1085م ، وهي دون نزاع أكبر مركزاً انتقلت منه الثقافة الإسلامية إلى الغرب، أمها طلاب العلم من مختلف مدن أوربا وكانوا بعد أن يتموا دراستهم يعودون إلى أوطانهم لنشر العلم فيها ، فكانت الأندلس مشعل النور في أوربا أمدتها بالعلم والثقافة الإسلامية وقضت في ذلك نحو ثلاثة قرون.
ولم يكن اليهود أقل شأناً من المسيحيين في الاتصال بالمسلمين فقد عاشوا معهم في المشرق والمغرب وأحرزوا ثقتهم ونحن لا نستطيع أن نفصل البحث العلمي والفلسفي الذي قام به اليهود في القرون الوسطى عن الثقافة الإسلامية فقد تتلمذوا على المسلمين وأخذوا عنهم واعتدوا بهذا الأخذ وفاخروا به ،و فلسفة ابن رشد بوجه خاص دعامة الفكر الفلسفي اليهودي حتى عصر النهضة ، وكان اليهود عاملاً قوياً من عوامل نشر الثقافة الإسلامية في الغرب فقد قاموا بأنفسهم بنشرها وعن طريق اتصالهم بمسيحي الغرب أو بكتبهم التي ترجمت إلى اللغة اللاتينية وأيضاً بتزويد الغرب بالكتب والمصادر الإسلامية وبإرسالهم في حركة الترجمة التي تمت في القرون الوسطى
2- الترجمة :
تعتبر الترجمة خير وسيلة لربط الثقافات بعضها ببعض ، ولقد اجتذبت الثقافة الإسلامية اللاتين إلى الترجمة إذ رغبوا في الاستفادة منها ، فلقد حاولوا ترجمة القرآن في القرن العاشر ، وقام قسطنطين (1087م) بمحاولة ترجمة بعض الكتب الطبية ،إلا إن المحاولة كانت ناقصة ، إذ عرفت الترجمة بضعفها ورداءتها ، ولم تبدأ الترجمة الفعلية إلا في القرن الثاني عشر الميلادي ، إذ نجد أن وسائلها قد نظمت وركزت في بيانات خاصة ، وقامت بها جماعات معينة ، لذا رؤي تكوين جيل يلم باللغات الأجنبية ، إذ أنشئت معاهد لتعليم اللغة العربية والعبرية واليونانية ، حيث أسست في (طليطلة) مدرسة لتعليم العربية والعبرية ومنها تخرج (ريمون مارثان) الدونومونيكاني في القرن الثالث عشر وكان على اتصال بالقديس (توماس إلاكويني) واستطاع (ريمون لون) 1316م أن يخصص كرسي لللغات الأجنبية في الجامعات الأوربية وكانت (طليطلة) و (بل رومو) بهما أكبر مركزين للترجمة في القرن الثاني والثالث عشر، إلا أن طليطلة تعتبر دون منازع في المركز الأول إذ جمع فيها كثير من المصادر العربية وكان ذلك بتوسط اليهود وصلتهم بالطرفين، إذ كان بيع المخطوطات في تلك الفترة تجارة تدر أربحاً كبيرة، ولقد أعان على ذلك (ألفونس الحكيم) ملك (قشتالة) 1284م حيث كان نصيراً للعلم والفلسفة، وكان يريد أن تكون اللغة القشتالية لغة عالمية ، وقد توفر لطليطلة عدد من كبار المترجمين ، إذ نظمت فيها جماعات للترجمة، وكان يرأسها جماعة من المراجعين ، قاموا بترجمة الكتب من العربية إلى العبرية أو القشتالية ثم منهما إلى اللغة اللاتينية وحينما نراجع أسماء المترجمين الذين مروا على طليطلة نجد أن منهم من استقر فيها وأقام مثل إبراهيم بن داود الإسرائيلي (1180م) والراهب هيرمن الألماني (1272م) وعلى رأسهم جيرار الكيرموني (1187م) الإيطالي الأصل الذي ترجم الكثير من المؤلفات العلمية كالطب والكيمياء والفلك والرياضة ، وكان أيضاً من مترجمي طليطلة المطران دومينيك جندسالينوس (1150م) وكان قد عني بالناحية الفلسفية وقد أدخل عدد من فلاسفة الإسلام إلى العالم اللاتيني.أما بالرمو عاصمة صقلية فنجد أن الترجمة قد نشطت فيها خلال القرن الثالث عشر على يد الإمبراطور فردريك الثاني الذي أراد أن ينشر العلوم الإسلامية حيث كان على صلة بحكام الشرق وولاته ، واستطاع أن يجمع ثروة طائلة من المؤلفات العربية التي من بينها كتب ابن رشد جميعها.
ما ترجم من الكتب:
أشرنا من قبل إلى أن اللاتين عنوا أولاً بالعلوم من قبل والتاريخ يعيد نفسه فترجموا كتباً في الرياضة والفلك والطب والكيمياء والنبات والحيوان، وعرفوا كبار علماء الإسلام أمثال جابر بن حيان ، والرازي في الكيمياء ، والخوارزمي (844) وابن الهيثم في الرياضة والبصريات، والبتاني (929) (1085) في الفلك وابن زهر(1026) وعلى بن رضوان (1067) في الطب عدا الفلاسفة الأطباء وقد عرف اللاتين الكندي وإن لم يتردد اسمه كثيراً و يظهر أن علمه غلب فلسفته ، ويظهر أن صورة الفارابي لدى اللاتين كانت أوضح وإن لم يترجم من كتبه الفلسفية إلا اثنان أولهما (احصاء العلوم) الذي ترجم مرتين في القرن الثاني عشر – والكتاب الثاني (مقالة في العقل) ، ومع هذا يمكن أن نقرر أن كبار مفكري القرن الثالث عشر من المسيحيين عرفوا الفارابي وكثير ما أشار إليه البير الكبير وروجر بيكون وقد عني اللاتين فعلاً بابن سيناء عناية كبرى وتخيروا موسوعته الفلسفية وأخذوا يترجمونها وقضوا في ذلك زمناً.
ما أن ترجمت أجزاء الشفاء حتى تلقفتها الأيدي في مختلف العواصم الأوربية ونسخت منها عشرات المخطوطات.
وما ترجم من كتاب (الشفاء) أعطى صورة صادقة عن فلسفة ابن سيناء وكانت له آثار عميقة في الحركة الفكرية اللاتينية، و(مقاصد الفلسفة) للغزالي من الكتب التي ترجمت في عهد مبكر على أيدي (جند سالينوس) أما كتاب (تهافت الفلاسفة) الذي يشتمل على أعنف حملة على الفلاسفة عرفت في التاريخ فإنه لم يترجم إلى اللاتينية إلا في أخريات القرن الخامس عشر.
وعرف اللاتين (ابن باجة) أول فلاسفة الأندلس الكبار، والحق أن ابن رشد كان أكبر فلاسفة الإسلام حظاً من الترجمة اللاتينية حيث ترجمت شروحه على أرسطو في صورها المختلفة ويبدو من بحثنا هذا أن الفلسفة الإسلامية أسهمت في ذلك أسهاماً كبيراً ، فقد دفعت إلى دراسة الكون ووجهة النظر إلى آيات الطبيعة وعنيت بالبحث العلمي، ووضعت أساس المنهج التجريبي ، وغزت الحركة العلمية الناشئة في جامعة أكسفورد إبان القرن الثالث عشر ، ويتضح ذلك من موقف البير وروجر بيكون من العلم والتجربة وهما وثيقا الصلة بفلاسفة الإسلام ، وجدير بالذكر أن جامعة (بادوا) وهي أخر معقل لابن رشد قد قامت بدراسات فلسفية وطبية مهدت بها للحركة العلمية الحديثة.
وأثارت الفلسفة الإسلامية في العالم اللاتيني مشاكل شتى وحكًَمت العقل في أمور كثيرة ووضفت طائفة من القضايا الدينية موضع البحث والتحليل فتعرضت لخلق العالم وقدمه وحقيقة النفس وخلودها، وحاولت أن تفسر الوحي والإلهام تفسيرا علمياً.
وفي العلوم الطبيعية نجد أن ظهور الدين الإسلامي كان دفعة قوية للفكر العلمي لكي يفتح وينشر في معارف الإنسان ورفاهيته.. ولذلك ما أن استقرت الدولة الإسلامية وامتد سلطانها من مشارف الصين شرقا إلى مشارف فرنسا غرباً حتى اخذ العلماء المسلمون ينهلون من موارد العلم بمختلف فروعه وفنونه . وفي هذه البيئة العلمية الصالحة ، وفي هذا الجو العلمي الحافل نشأ عدد من العلماء كتبوا باللغة العربية ليقرأها النائي في أي صقع من أصقاع الوطن الإسلامي الكبير وتحدثوا في الجاذبية والربط بين السرعة والثقل والمسافة وإن نسب الأوربيون كل ذلك إلى نيوتن ، وقد ثبت أن الخازن وغيره كتبوا في ذلك قبل نيوتن بمئات السنين ، وتحدث ابن خلدون في أثر البيئة على الأحباء قبل لامارك، وشرح بن النفيس الدورة الدموية الصغرى قبل هارفي ببضعة قرون، وكتب ابن الهيثم في طبيعة الضوء وسرعته وانكساره قبل علماء أوربا، وقاس علماؤنا محيط الأرض وسجلوا الاعتدالين ، وقدروا حجوم الكواكب وما بينها من مسافات قبل جاليلو وكلير كوبرتين ، وأضافوا إلى المعارف الفلكية الشيء الكثير أضافها البتاني والفرغاني والكندي والخوارزمي والصوفي وغيرهم ، وابتدع الخوارزمي استعمال الأرقام في الحساب بدلاً من حساب (الجمل) الذي كان سائداً واختار سلستين من الأرقام الأولى ما يعرف بالأرقام الهندية 1 ،2 3 والثانية ما يعرف بالأرقام الغبارية 1.2.3 أو العربية وتستعمل الأولى في أغلب البلاد العربية ، والثانية في بلاد المغرب العربي وفي أوربا ، وأثرى الخوارزمي في علم الحساب وعلم الجبر وعلمهما للناس أجمعين ، وكذلك ألف العلماء العرب في النبات والحيوان والمعادن والفلك والرياضيات والكيمياء والصيدلة وحساب المثلثات والهندسة والطب .. وغيرها ، ولا يمكن أن يجحد فضل ابن الهيثم والبيروني والكندي والفافقي والبغدادي والقزويني وابن مسكويه والجاحظ والخازن وجابر بن حيان وابن النفيس وابن البيطار وداود الأنطاكي والمقدسي والبتاني والفرغاني والإدريسي وابن ماجد والدينوري والدميري والصوفي وابن حمزة وابن يونس والرازي والجلدكي والخوارزمي وموسى بن شاكر وغيرهم ... وقد ظلت مؤلفات هؤلاء المراجع المعتمدة في جامعات أوربا حتى القرن السابع عشر ، واعترف عدد كبير من مؤرخي العالم بفضلهم على العلم والإنسانية وحتى قال قائلهم أنه لولا أعمال العلماء العرب لأضطر علماء النهضة الأوروبية أن يبدءوا من حيث بدأ هؤلاء ولتأخر سير المدنية عدة قرون ، وقال آخر : إن كثير من الآراء والنظريات العلمية حسبناها من صنعنا فإذا العرب قد سبقونا إليها ، وظلت الأمة الإسلامية والعربية حاملة لواء النهضة عدة قرون في وقت كانت أوربا ما تزال غارقة في الظلام وكان اقتناعهم بأن الأسلوب العقلي المنطقي وحده لا يكفي للنهوض بالعلوم الطبيعية بل لابد من إجراء التجارب و تسجيل المشاهدات .. فقد كان جابر بن حيان يوصي تلاميذه بالاهتمام بالتجربة وعدم التعويل إلا عليها مع التدقيق في الملاحظة والاحتياط وعدم التسرع في الاستنتاج ويعترف (دراير) بأن تفوق العرب في العلوم إنما هو ناشئ من الأسلوب الذي توخوه في بحوثهم.
فالعلماء العرب هم واضعوا أسس البحث العلمي بالمعنى الحديث – فقد ابتدعوا طرقاً واخترعوا أجهزة وآلات لاستخراج الوزن النوعي لكثير من المعادن والسوائل والأجسام التي تذوب في الماء ، وابتدع الخازن ميزاناً لوزن الأجسام في الماء والهواء، كما ابتدع البيروني تجربة لحساب الوزن النوعي ، وعرف العرب الضغط الجوي وأن وزن الجسم في الهواء ينقص عن وزنه الحقيقي ، وأن كثافة الهواء في الطبقات السفلى أكثر منها في الطبقات العليا وأن الهواء لا يمتد إلى ما لا نهاية بل ينتهي عند ارتفاع معين. واخترع ابن يونس البندول واستعمله العرب في حساباتهم و تجاربهم الفلكية ، كما كان لابن يونس وابن حمزة الفضل في بحوث المتواليات العددية والهندسية، وكان لبحوثهم أكبر الأثر في وضع الأسس التي بنيت عليها حسابات التكامل والتفاضل وجداول اللوغريتمات ، وكذلك قدر البيروني الوزن النوعي لثمانية عشر معدناً قدرها حتى الرقم العشري الرابع، وهي تقديرات بلغت من الدقة لا تكاد تختلف عن وزنها في العصر الحديث، وبأجهزة العصر وأدواته ، ما تزال قاعدة البيروني معروفة لدى علماء الغرب . ووصف الرازي الأجهزة العلمية التي كانت معروفة في عصره ، فقد وصف خمسة وعشرون جهازاً منها الزجاجي ومنها المعدني ، وتكلم الإدريسي والخازن والبيروني وغيرهم عن الجاذبية وتبين من كتاب ميزان الحكمة للخازن أنه كانت لديه فكرة عن العلاقة بين السرعة والثقل والمسافة كما أنه طبق قاعدة أرشميدس في السوائل على الغازات وكذلك تحدث ابن مسكويه وابن خلدون وأخوان الصفا عن التطور والارتقاء وأثر البيئة على الأحياء وذلك قبل داروين بمئات السنين.
الى اللقاء في الحلقة القدمة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق