الربيع العربي قادم وإلى الربيع الإسلامي هو ذاهب بإذن الله (الحلقة رقم 5)
تعرفنا في الحلقة الماضية كيف وأن أوربا كانت تعيش في عصر الظلام وقد أتاها نور العلم من الدول الإسلامية فتعرفنا على كيفية الاتصال بين الشرق والغرب وعن معظم الكتب التي ترجمت وكانت تدرس في الجامعات الأوروبية حتى نهاية القرن السابع عشر ودعنا الآن في هذه الحلقة نتعرف على بقية العلوم ونبدؤها بعلم الحساب
، فيمكننا القول أن القرنين الثالث والرابع الهجريين يعتبران القرنين الذهبيين للرياضيين المسلمين ، حيث يدين لهم العالم بالكثير وذلك لأنهم حفظوا التراث القديم ونموا وابتكروا فيه وأضافوا إليه إضافاتهم الجليلة ، حيث كانت هذه الفترة وكما مر بنا سابقاً – تعتبر فترة مظلمة بالنسبة لأوربا ، ومن المؤكد وحسب النتائج العلمية من الأبحاث الحديثة أن العالم بأثره يدين إلى العلماء المسلمين الذي قامت على كواهلهم ونمت جميع المعارف ومن ضمنها الحساب وذلك لأن الرياضيات الإغريقية لم تصل إلى العالم الحاضر إلا عن طريق المصادر الإسلامية، حيث أن معظم الترجمات اللاتينية القديمة للمخطوطات تعتمد على المؤلفات الإسلامية في إبراز الثقافات الإغريقية ، حتى أنه يمكننا القول بأن جميع المؤلفات الغربية قد نقلت الثقافات الإغريقية من المراجع العربية أكثر منها من المصادر الإغريقية نفسها ومن هنا نجد أن الحساب قد انتقل إلى أوربا بواسطة المسلمين ، ولم يتوقف العلماء المسلمون في خدمتهم للعلوم جميعها ومنها الحساب على حفظهم ونقلهم ثقافات الأمم السابقة بل أنهم ساهموا وأضافوا إضافات هائلة جداَ في مختلف حقول العلم.بل يمكننا القول بأن العرب برعوا في علوم الرياضيات ونبغوا فيها وأضافوا إليها إضافات هامة ، الأمر الذي أثار الإعجاب والدهشة لدى علماء الغرب فاعترفوا بفضل العرب والمسلمين وأثرهم الكبير في تقدم الرياضيات وجميع العلوم الأخرى ، ومع أن العرب قد اطلعوا على حساب الهنود وأخذوا منهم نظام الترقيم حيث وجدوا أنه أفضل من النظام الشائع بينهم، حيث كان النظام الشائع بينهم يعتمد على حساب (الجمل) في حين أن الهنود كان لديهم أشكال عديدة للأرقام فهذب العرب بعضها وكونوا من ذلك سلسلتين عرفت إحداهما بالأرقام الهندية {1، 2، 3، 4 ، 5} وهذه نجدها الآن تستعمل لدى الأقطار العربية والإسلامية، أما الثانية {1 .2.3.4 } فإنها عرفت بالأرقام الغبارية وقد انتشرت استعمالها في المغرب والأندلس وعن طريق الأندلس انتقلت إلى الغرب وإلى الدول الغربية ، وعرفت هناك باسم الأرقام العربية.
من هنا نجد أن العرب أوجدوا طريقة جديدة في الترقيم ، كما أنهم ابتكروا الصفر أيضاً والعلامة العشرية.
وبهذا يعتبر العرب قد قفزوا بالحساب قفزة هائلة ، إذ لولا هذه العلامة العشرية لما استطاع علماء اليوم أن يبنوا حساباتهم الآلية لأنها ساعدتهم أن يركبوا أويبنوا حساباتهم الآلية ضمن هذه العلامة العشرية.
ويرجع الفضل في اكتشاف الكسور العشرية إلى العالم الرياضي المسلم الشهير جمشيت ابن محمود غياث الدين الكاشي الذي توفي في عام 1436م حيث كان رياضياً وفلكياً ومن كتبه مفتاح الحساب ، والرسالة المحيطة ، إلا أن الغربيون ادعوا تعصباً أن ستيفن هو مبتكر الكسر العشري، وهم يعرفون أن ستيفن هذا أتى بعد الكاشي بقرابة مائة وخمس وسبعون سنة ، ولقد أورد الكاشي أيضاً في الرسالة المحيطة النسبة بين محيط الكرة وقطرها التي يطلق عليها (ط) بالكسر العشري، إذ أنه أعطى قيمة (ط) صحيحة لستة عشر رقما عشرياً.
ومما لا شك فيه أن اختراع الأرقام العربية الغبارية و استعمالها في الترقيم كان له فوائد عظمى ، إذ لم تنحصر مزايا الترقيم في تسهيل الترقيم وحده ، بل تعدته إلى جميع أعمال الحساب ، وبهذا فإنه يمننا القول بأنه لولا نظام الترقيم الذي توصل إليه العرب لما رأينا سهولة في الأعمال الحسابية ، بل لاحتاج المرء إلى استعمال طرق عويصة وملتوية لإجراء عمليتي الضرب والقسمة ، حتى أن هاتين العمليتين كانتا تقتضيان جهداً كبيراَ ووقتاً طويلاً.
هذا ويمكننا القول أيضاً أنه لولا الصفر واستعماله في الترقيم لما استطاعت الأرقام العربية والهندية أن تفوق غيرها من الأرقام، كما أنه لا يمكن أن يكون لها أي ميزة عن الأرقام المستعملة سابقاً ذلك لأن للصفر فوائد عديدة ، إذ لولاه لما استطعنا أن نحل كثير من المعادلات الرياضية من مختلف الدرجات بالسهولة التي نحلها بها الآن ،ولما تقدمت فروع الرياضيات ذلك التقدم الذي عهدناه والمشهود لها ، وبالتالي لما تقدمت المدنية هذا التقدم العجيب ،ومن الغريب حقاً أن الأوربيين لم يستعملوا هذه الأرقام إلا في القرن السادس عشر الميلادي.
ويقول جورج سارتون في كتابه (حضارة الثقافة العربية في الشرق الأوسط) : حاول بعض المؤرخين التقليل من أهمية المآثر العظيمة في الحضارة العربية بإنكار الأصالة فيها وإدعاء أن العرب مجرد مقلدين.
إن حكماً كهذا خطأ في جملته ، إذ يمكن القول إلى حد ما ليس أعمق أصالة من الأصالة إلى التعطش الحقيقي للمعرفة التي تملكت الرواد العرب ، لقد تمكن المسلمون من تطوير معارف كثيرة خاصة بهم في حقل الرياضيات ، حيث أنجزوا بعض الابتكارات العلمية التي رفعت الرياضيات إلى المستوى الذي يبعد بكثير عن المستوى الذي رفعه الإغريق على وجه الخصوص في علمي الجبر وحساب المثلثات اللذين كانا من ابتكارهم.
علم الجبر:-
لقد اشتغل العرب بالجبر واستطاعوا أن يأتوا فيه بالعجب العجاب ، حتى أن (كاجوري) قال: أن العقل ليدهش عندما يرى ما عمله العرب في الجبر ، وهم أول من أطلق لفظة (جبر) على العلم المعروف بهذا الاسم ، وعنهم أخذ الإفرنج هذه اللفظة ،وكذلك هم أول من ألف فيه بصورة علمية منتظمة ، إذ نجد أن محمد بن موسى الخوارزمي هو أول من ألف فيه وكان ذلك في عصر المأمون ، وكتابه في الجبر والمقابلة يعتبر منهلاً نهل منه علماء العرب والغرب على السواء واعتمدوا عليه في بحوثهم واخذوا عنه الكثير من النظريات ، ولهذا الكتاب أثر كبير في تقدم علم الجبر والحساب ، بحيث يصح القول بأن الخوارزمي وضع علم الجبر وعلم الحساب للناس أجمعين.
ولقد استعمل العلماء المسلمون الرموز في الأعمال الرياضية ، وسبقوا الغربيين في ذلك وقد حقق استعمال الرموز في الرياضيات قفزة هائلة ، واشتهر من علماء الرياضيات المسلمين الخوارزمي، وأبو كامل ، وقسطة بن لوقا ، وسنان ابن أبي الفتح ، والقلصاوي وبهاء الدين العاملي ، وغياث الدين جمشيت الكاشاني ، وابن الهيثم ، وثابت بن غرة والخيام وغيرهم.
وقد حل العرب معادلات من الدرجة الثالثة ، فقام بعض علمائهم بحل معادلات تكعيبية كما أن ثابت بن غرة استطاع أن يصل إلى حلول هندسية لبعض المعادلات التكعيبية وكذلك الخازن والخيام ، وابن الهيثم ، حيث استخدموا الهندسة في حل بعض الأعمال الجبرية ، وبذلك وضعوا أسس الهندسة التحليلية كما أن المسلمين قد مهدوا لعلوم التكامل والتفاضل وبحثوا في نظرية ذات الحدين ، وعرفوا الجذور الصماء ، وكان الخوارزمي أول من استعمل كلمة (أصم) لتدل على العدد الذي لا جذر له ، كما أنهم أوجدوا طرقاً للوصول إلى القيم التقريبية للأعداد والكميات التي لا يمكن استخراج جذورها ـ إذ نجد أن ابن يونس وابن حمزة مهدا لاكتشاف اللوغريثمات التي شاع استعمالها بعد ذلك عن طريق نابير napier وبيرجز brigges ، كما عرف العلماء المسلمون فكرة تسهيل الأعمال التي تحتوي على الضرب والقسمة ، واستعمال الجمع والطرح بدلاً منهما ، وعرفوا أيضاً المتواليات العددية والهندسية.وحينما نرجع إلى الخوارزمي ونعرف السبب الذي من أجله ابتكر عالمنا المسلم الجبر، نجد أنه هو علم المواريث المعروف بعلم الفرائض إذ ابتدع طرقاً جبرية لتسهيل هذا الحقل حيث وضع كتاباً مشهوراً أطلق عليه كتاب المختصر في حساب الجبر والمقابلة ، وفي هذا الكتاب حول الخوارزمي الأعداد من قيمتها المالية إلى رموز تمثل هذه الأعداد كي يمكن أن يعوض لهذه الرموز قيماً مختلفة ونجد أن العالم المشهور في تاريخ الرياضيات سليمان قندز في مجلة issrs في مقالة له بعنوان: مصدر الجبر للخوارزمي اعترف فيها بأن كتاب الخوارزمي هو اللبنة الأولى في العلوم الحديثة وأن الخوارزمي يستحق أن يسمى أب الجبر، إذ لم يكن عند العلماء الرياضيين الذين سبقوه فكرة عن الجبر، حيث كانوا يحاولون أن يصلوا إلى معرفة علم الأعداد فقط ، كما أن روبرت شاستر العالم الإنجليزي قام بترجمة كتاب الجبر لمحمد بن موسى الخوارزمي من اللغة العربية إلى اللغة اللاتينية عام 534هـ الموافق 1140م حيث نقله إلى أوروبا وأخذ علماء الغرب بعد ذلك يستعملون الجبر في جامعاتهم حتى القرن السادس عشر الميلادي، كما نجد أن جورج سارتون المشهور في تاريخ العلم ذكر في كتابه (المدخل إلى تاريخ العلوم) أن ترجمة روبرت شاستر لكتاب الخوارزمي المعروف بكتاب حساب الجبر والمقابلة تعد بدون مبالغة وعي أوربا في علم الجبر ويمكن القول أن مفهوم الجبر عند الخوارزمي هو علم النقل والاختزال ، أو علم المعادلات بوجه عام ، وبقي هذا المفهوم عند الغرب والشرق في حقل الرياضيات على أنه علم المعادلات حتى القرن الثالث عشر الهجري ، الموافق التاسع عشر الميلادي تقريباً، حيث بقيت رسالة الجبر والمقابلة للخوارزمي معروفة لدى علماء أوربا من خلال ترجمتها من اللغة العربية إلى اللاتينية ، إذ اهتم علماء الغرب بها وعملوا كل ما في وسعهم للحصول على نصها العربي، فاكتشفوا عام 1247هـ الموافق 1831م نسخة مخطوطة منها محفوظة في مكتبة بودلين بأكسفورد يرجع تاريخها إلى عام 725هـ الموافق 1325م أي أنها بعد مؤلفها الخوارزمي بخمسمائة عام ، إذ نشر الدكتوران على مصطفى مشرفة ومرسي أحمد هذه المخطوطة باللغة العربية عام 1356هـ الموافق 1937م بعد التحقيق والتعليق عليها فالخوارزمي قد أوجد رمزاً للجذور والمربع والمكعب والمجهول وطورها من بعده علماء العرب والمسلمين ، وشرح ستة أنواع من معادلات الدرجة الثانية مع حلولها ، كما شرح العمليات الأربعة في الجبر، أي جمع الكميات الجبرية وطرحها ، وضربها وقسمتها وأوجد الخوارزمي أيضاً حجوم بعض الأجسام الهندسية البسيطة كالهرم الثلاثي ،والهرم الرباعي والمخروط ، وقال فلورين جاجوري في كتابه (مبادئ تاريخ الرياضيات) : أن حل المعادلات التكعيبية بواسطة قطوع المخروط من أعظم الأعمال التي قام بها علماء المسلمين ، وفي مقدمتهم عملاق القرون الوسطى في علم الرياضيات محمد بن موسى الخوارزمي.
كما نجد أن الخوارزمي كان على معرفة تامة بالكميات التحليلية إذ جاء في كتابه حساب الجبر والمقابلة (وأعلم أنك إذا نصفت الأجزار وضربتها في مثلها فكان ذلك يبلغ أقل من الدرهم مع المال ، مستحيلة).
وعلى كل فإنه يمكننا القول بأن المسلمين لم يخترعوا الجبر فحسب ، وهو الأداة الأساسية للتحليل العلمي ، إذ أنهم وضعوا قواعد للطرق المستخدمة في البحوث التجريبية الحديثة باستخدام نماذج رياضية ، إذ أن أبا جعفر محمد بن موسى الخوارزمي كان المؤسس لمدرسة الرياضيات في بغداد ، والبحوث الرياضية العربية وبحوث العصور الوسطى المبكرة كلها كانت مأخوذة إلى حد كبير من رسالته في علم الجبر، بالتالي فإن بحوث الخوارزمي قد لعبت دوراً مهماً في تاريخ الرياضيات ، إذ أنها كانت أحد المصادر الرئيسية التي انتقلت بها الأعداد العربية والجبر العربي إلى أوربا ، وقد وجد في بحوث الخوارزمي من المنجزات ما يكفي لاعتبار حساب الجبر والمقابلة أحد المؤلفات التاريخية ذات القيمة المهمة عبر الأزمنة كلها.
والى اللقاء في الحلقة القادمة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق