الربيع العربي قادم وإلى الربيع الإسلامي هو ذاهب بإذن الله ( الحلقة (6))
تعرفنا في الحلقات السابقة على معظم تطور العلوم في الدولة الإسلامية ودعنا في هذه الحلقة نتعرف على بقية العلوم وتطورها في الدولة الإسلامية وكيف تم تأثير ذلك على دول أوربا ، وأول ما نتكلم عنه حساب المثلثات إذ نجد أن المسلمين قد مارسوا علم الحساب في تجارتهم اليومية، كما مارسوا علم الجبر في علم الميراث المعروف بالفرائض
، وبهذا لم يقفوا عند هذا الحد، بل دفعهم حبهم إلى البحث عن معرفة أوقات الصلاة التي تختلف حسب موقع المدينة باختلاف وقوع المدن من خطوط الطول والعرض كذلك باختلاف الأيام وحسابها ووجد أنه يحتاج إلى معرفة عرض المواقع الجغرافية وحركة الشمس في البروج ، وأحوال الشفق الأمر الذي دفع علماء المسلمين إلى الوصول إلى معرفة مواقيت الصلاة حسب كل مدينة ، والوصول إلى حسابات وطرق متناهية في الدقة.كما أن رغبتهم في معرفة سمت القبلة وهلال رمضان زاد في دفعهم إلى ذلك.وفي عام 154هـ 771م شجع الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور المترجمين والعلماء على الاهتمام بعلم الفلك، وخصص كثير من المال للعناية بذلك الغرض، فمنذ ذلك الحين بدأ الاهتمام الكبير بهذا العلم حيث أقبل العلماء عل ترجمة العلوم اليونانية وعلم الفلك ، وترجم المجسطي إلى اللغة العربية، وهو يعتبر دائرة معارف يونانية في علم الفلك ، ومن موضوعاته كروية العالم وثبوت الأرض في مركز عام حسب اعتقادهم في ذلك الزمان وعروض البلدان وحركة الشمس والانقلابات الربيعي والخريفي والليل والنهار وحركات القمر وحسابها والخسوف والكسوف ، والنجوم الثوابت والكواكب المتحركة، وقد نهض المسلمون بعلم الفلك وعرفوا الكواكب والمجموعات الشمسية ، وما تزال في اللغات الأجنبية والألفاظ العربية لبعض النجوم مثل السماك، الرامح ، والواقع ، والطائرة ،والمرأة المسلسلة ، ذات الكراسي ـ الذئب ، فم الحوت ، ومن آلات الرصد التي استعملها علماء المسلمين ذات الأوتار تلك التي تسمى بذات الشعبتين ذات الجيب ، ذات السمت والارتفاع والأسطرلاب ، واللينة ، ذات الحلقة ، والحلقة الاعتدالية.
كذلك اهتم علماء المسلمين بعلم الأزياج ، وهي جداول فلكية مبنية على قوانين رياضية ومن أشهرالأزياج التي أولى المسلمون العناية التامة بها ،زيج البتاني ، وزيج البلخي وزيج الغزاري ، زيج العلائي ، وزيج الخوارزمي.
وعلم حساب المثلثات كما هو معروف اليوم هو نوع من فروع الرياضيات ، وله صلة وثيقة بعلم الجبر ، وفي بداية الأمر كان علم الفلك عند اليونان المادة الوحيدة لتطبيق النظريات الهندسية ، إلا أنه في منتصف القرن الثاني عشر الميلادي بدأ علماء الرياضيات في أوربا يتعلمون علم حساب المثلثات من المسلمين، إذ ترجموا مؤلفات المسلمين من اللغة العربية إلى لغاتهم المختلفة وخاصة اللغة اللاتينية.
وقد أورد (رام لاندو) في كتابه المؤثر على حضارة العرب أن حساب المثلثات في أوربا كان مأخوذاً من علم حساب المثلثات عند المسلمين، ونجد أن المؤلف المشهور (ديفيد يوجين سميث) في كتابه تاريخ الرياضيات المجلد الثاني يقول: (لم تدرس المثلثات الكروية المائلة بصورة جديدة وجدية إلا على أيدي العرب والمسلمين في القرن العاشر الميلادي وبهذا نجد أن جميع علماء الرياضيات الأوربيين يعترفون بأن المسلمين قد أسهموا إسهاماً أساسياً في إنشاء علم المثلثات ، ويرجع الفضل في ذلك إليهم حيث جعلوه علماً منتظماً ومستقلاً عن علم الفلك وقد ذكر الأستاذ عباس الغزاوي في كتابه (تاريخ الفلك في العراق) بأن الدافع الوحيد إلى انشقاق علم حساب المثلثات عن علم الفلك هو أن المسلمين كانوا يحاولون إيجاد حل عددي لبعض مسائلهم في علم الفلك ، وبهذا فإن علم حساب المثلثات كان يظهر بطئ التطور بحكم سيطرة علم الفلك عليه ، وبذل العلماء المسلمين ما في وسعهم لاستغلال هذا العلم الجديد، لكنه لم يظهر كعلم مستقل بذاته تماماً عن علم الفلك إلا في عام 854هـ -1450م ، ومما لا شك فيه أن علم حساب المثلثات علم إسلامي عربي إذ هم وضعوه وفصلوه ووصلوا به إلى مستوى حل المثلث الكروي والمستوي ، ولم تزد معرفة البشرية بالذات في علم حساب المثلثات فوق الحد الذي وصل إليه المسلمون إلا في أواخر القرن الثالث عشر الهجري التاسع عشر الميلادي، وذلك حينما نضجت مفهومات الكيمياء التحليلية ، وأصبح حساب المثلثات علماً يستخدم في أمور أخرى غير حل المثلثات.
وبهذا يمكننا القول بأن علم المثلثات هو علم عربي، كما كان علم الهندسة علماً يونانياً ، إذ اعترف المؤلف الكبير في تاريخ العلوم (فلورين كاجوري) في كتابه تاريخ الرياضيات ((أن هنالك أمور كثيرة وبحوثاً عديدة في علم حساب المثلثات كانت منسوبة إلى ديجيو مونتانوس ، ثبت أنها من وضع المسلمين والعرب ، وأنهم سبقوه إليها) واتفق معه الكثير من علماء تاريخ العلوم مثل جورج سارتون وديفيد يوجين سميث وغيرهم أن جميع مؤلفات ديجيو مونتانوس اعتمدت على كتب العرب والمسلمين ونقل عنهم الكثير من البحوث وخاصة فيما يتعلق بعلم حساب المثلثات.
وعلم الحساب نجده يرتكز في فكرته الأساسية في قياس المساحات الكبيرة والمسافات الطويلة بطريقة غير مباشرة ، كقياس الهرم مثلاً أو أي بعد صعب المنال ، مثل ممر بين جبلين ، والأبعاد في حقل الملاحة ، وكلمة علم حساب المثلثات في جميع اللغات تعني قياس الارتفاعات ، وقد عرف (جورج هوي) في كتابه (الرياضيات) للرجل العملي أن علم حساب المثلثات هو علم الزوايا وعلاقتها في الأبعاد.
وأضاف (شاركز هتن) في كتابه (طريقة الرياضيات) في تعريفه لعلم حساب المثلثات : أنه الطريق لقياس وحساب أضلاع وزوايا المثلث وعرف العرب علم حساب المثلثات بعلم النسب ، حيث أنه يقوم على الأوجه المختلفة الصادرة من النسبة بين أضلاع المثلث ، وفي رأي الأستاذ على عبد الله الدفاع أن هذا هو أحسن تعريف أعطى لعلم حساب المثلثات لما فيه من الاختصار والدقة في التعبير.
وقد قام المسلمون بحل كثير من المعادلات المثلثية عن طريق التقريب ، فهم أول من أدخل المماس في إعداد النسب المثلثية إذ يروى مؤرخو الرياضيات أن علماء المسلمين كانوا أول من استعمل المعادلات المثلثية واليهم يرجع الفضل في تطوير الظل والجيب في علم حساب المثلثات ، إذ أن فكرة الجيب نسبت إلى الفلكي اليوناني بطليموس ، إلا أن علماء المسلمين قد ادخلوا عليه التعديلات اللازمة إلى أن وصل إلى ما هو عليه الآن وباعتراف الكتاب الأوربيين (فجوزيف هل) في كتابه (حضارة العرب) يقول : أن علم الجيب والظل يعتبر من تراث المسلمين و(درك ستروك) في كتابه (المختصر في تاريخ الرياضيات يقول : إن كلمة جيب كلمة عربية الأمر الذي لا يترك مجالاً للشك في أن الفضل يرجع إلى المسلمين في تطويرها إلى ما هي عليه الآن.
كما اعترف (رني تاتن) في كتابه تاريخ العلوم : إن علم المثلثات فرع من علم الفلك وأن المسلمين حاولوا ونجحوا في فصل علم حساب المثلثات عن علم الفلك.
ومما لا شك فيه أن المسلمين درسوا وطورا حساب المثلثات أكثر من اليونانيين والهنود إذ كان لهم دور في تقدم حساب المثلثات الكروية ، وأثبتوا أن نسب جيوب المثلثات الحادثة من تقاطع الأقواس العظام في سطح الكرة يساوي نسب جيوب الزوايا المؤثرة بها وتوصلوا أيضاً إلى معرفة الدستور الأساسي لمساحة المثلثات الكروية ونظموا جداول رياضية للظل وظل التمام والجيب وابتكر العلماء المسلمون جداول لجيب الزاوية ، وكانت النتائج التي حصلوا عليها دقيقة تصل إلى ثمانية أرقام عشرية.
وممن برز في هذا العلم من العلماء المسلمين نصر الدين الطوسي الذي عاش في القرن السابع الهجري ، وفصل علم حساب المثلثات عن علم الفلك فصلاً تاماً ، كما اشتهر بمرصده الذي أقامه في (مراغة) وكان أكبر المراصد ادقها ، وأبو عبد الله محمد بن جابر بن سنان البتاني الذي عرف بأنه الموسوعة العلمية لعلم الفلك ، وهو أول من استعمل المعادلات المثلثية واهتم اهتماماً كبيراً بعلم التنجيم ، وترجم معظم مؤلفات اليونانيين في هذا الحقل.
وأبو الوفاء محمد بن يحيى بن إسماعيل بن العباس ، الذي عاش في القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي ، ونبغ في حساب المثلثات الكروية ، ويعد هو أول من استخدم المماسات والقواطع ونظائرها في قياس المثلثات والزوايا ويقول الدكتور غوستاف ليون : إن آلات الرصد التي استخدمها أبو الوفاء كانت على جانب عظيم من الدقة والإتقان ، ولقد ألف أبو الوفاء الزيج الشامي ، والمدخل إلى الارتماطيقي (علم الحساب) وشرح كتاب الخوارزمي في الجبر والمقابلة ، ثم بعد ذلك أتى أبو الريحان البيروني الذي عاش في القرن الخامس الهجري الحادي عشر الميلادي ، واشتهر بكتابه النفيس القانون المسعودي.
الذي يمتاز بغزارة مادته ودقة بحوثه ، ويدل على نبوغ وعبقرية وذكاء خارق لهذا العالم الجليل إذ أثبت حركة الأجرام السماوية الظاهرة بتعليله أن الأرض تدور حول محورها دورة كاملة كل أربع وعشرين ساعة من الغرب للشرق، وهذا عكس حركة النجوم فالنجوم كما تظهر لعين الناظر إليها تدور من الشرق إلى الغرب ، وكتب البيروني أيضاً مؤلفاً قيماً هو الآثار الباقية عن القرون الخالية ، عالج فيه التقاويم والفلك والرياضيات.
كما نجد علماء آخرين قد أسهموا في علم حساب المثلثات منهم محمد ابن موسى الخوارزمي الذي عاش في القرن الخامس الهجري والسابق ذكره إذ نجده كتب مائة جدول للظل والجيب ، وابتكر كذلك علم الجبر كعلم مستقل عن الحساب وله مؤلفات كثيرة أهمها (زيج السند) وكتاب في الجغرافيا شرح فيه آراء بطليموس ، ونظم علماء الرياضيات أنواعاً متعددة من الأزياج الفلكية ، وكانت جداول مرتبة بعضها لمعرفة مواضع الكواكب في أفلاكها وبعضها لمعرفة الشهور والأيام والتقاويم المختلفة.
لذا وجب القول بأن علماء المسلمين هم أصحاب علم حساب المثلثات حيث أنهم هم الذين طوروه وفصلوه عن علم الفلك ، وهذبوه حتى أوصلوه إلينا كما هو عليه الآن في كثير من الأمور.
ويدين الغرب للعرب بطريقة حساب جيب 30 دقيقة حيث تتفق نتائجه فيها إلى ثمانية أرقام عشرية مع القيمة الحقيقية لذلك الجيب ،واكتشف العرب العلاقة بين الجيب والمماس والقاطع ونظائرها ، وتوصلوا إلى معرفة القاعدة الأساسية لمساحة المثلثات الكروية كما اكتشفوا القانون الخامس من القوانين الستة التي تستعمل في حل المثلث الكروي القائم الزاوية.
وألف ابن الأفلح تسعة كتب في الفلك يبحث أولها في المثلثات الكروية وكان له أثر بليغ على المثلثات وتقدمها ، كما اخترع العرب حساب الأقواس التي تسهل قوانين التقويم وتريح من استخراج الجذور المربعة.
وقد اطلع بعض علماء الإفرنج في القرن الخامس عشر الميلادي على مآثر العرب والمسلمين في المثلثات ونقلوها إلى لغاتهم، لعل أول من أدخلها ديجيو موتنانوس ، وقد ألف فيها وفي غيرها من العلوم الرياضية ، وكان أهمها كتاب المثلثات.
الى اللقاء في الحلقة القادمة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق