الربيع العربي قادم وإلى الربيع الإسلامي هو ذاهب بإذن الله ,الحلقة(11)
رأينا في الحلقة السابقة كيف تم اختيار الخليفة الثالث سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه ،لأن المرشحون كانوا ستة وتم اختيار سيدنا عثمان رضي الله عنه بالانتخاب كما سبق شرحه من هنا ندرك أن الديمقراطيات لم يأتي بها الغرب ، وإنما أتى بها الإسلام ، فكما يتم اختيار رئيس الدولة بالانتخاب كذلك يمكن اختيار أعضاء مجلس الشورى بالانتخاب ، وأعضاء المجالس البرلمانية أيضاً بالانتخابات ولو درسنا مبدأ الشورى في الإسلام لوجدنا الديمقراطية في أعلى مراتبها
، لا يوجد هناك لوبيات تؤثر في اتجاه أعضاء الشورى كما هو حاصل الآن في أكبر ديمقراطيات العالم الغربي ، كيف وأن اللوبيات الإسرائيلية لها تأثير قوي على رئيس الدولة وعلى أعضاء الكونجرس بمجلسيه.الشيوخ والنواب وقد شرحت ذلك بالتفصيل في حلقات كيف تحكم أمريكا وكذا الحال على أعضاء البرلمانات في معظم دول أوروبا وقد شرحت ذلك أيضاً في المقالات السالف ذكرها.انظروا إلى سمو ورقي الديمقراطية في حكومة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين رضوان الله عليهم ، في حين أن العالم كان يرزح تحت ظل حكومات دكتاتورية شرحتها بنوع من التفصيل في الحلقة الأولى من سلسلة هذه المقالات.
فالشورى كما وضح الإسلام هي كالتالي ذلك لأن الإسلام حينما قرر مبدأ الشورى أراد بذلك أن يقضي على الاستبداد بالحكم والرأي واحتكار التنظيم والتصريف والإدارة ، وأن يحقق للفرد كرامته الفكرية وللجماعة حقها الطبيعي في تدبير شؤونها إذ نجد أن الإسلام رفع الشورى درجة أنه اعتبرها من دعائم الإيمان به ،إذ ساوى الله بينهما وبين الصلاة والانفاق قال تعالى: (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون ) الشورى آية 38 .
وقد ذكرت الآية أن إقامة الصلاة والشورى هي استجابة لأوامر الله عز وجل ، وقد قرنت بالصلاة والانفاق ، إذاً فإن الشورى من الإيمان ، ولهذا فإنه لا يكمل إيمان قوم إذا تركوا الشورى فيما بينهم ، بل لا يحسن إسلامهم إذا لم يقيموا الشورى إقامة صحيحة ، وبهذا فإن الشورى تصبح فريضة إسلامية واجبة على الحاكم والمحكوم ، وإذاً على الحاكم أن يستنير في أمور الحكم والسياسة وكل ما يتعلق بمصلحة المسلمين . لذا نجد أن فقهاء الإسلام قرروا أن الشورى من أصول الشريعة الإسلامية وقواعدها ، ومن عزائم الأحكام التي لابد من نفاذها وبنو على ذلك أن من ترك الشورى من الحكام فعزله واجب دون خلاف.
الأساس الشرعي للشورى :
إن الشورى أساس اعتمادها على القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وأعمال الصحابة رضوان الله عليهم .
فالقرآن الكريم قد نص على الشورى إذ جعلها عنصراً من العناصر التي تقوم عليها الدولةالإسلامية وقد عرفنا في القرآن الكريم سورة سميت بسورة (الشورى) لأنها هي الوحيدة التي قررت الشورى عنصراً من عناصر الشخصية الإيمانية (فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين أمنوا وعلى ربهم يتوكلون ,والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا غضبوا هم يغفرون , والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون) سورة الشورى آية (36 -38).وفي هذه الأية الكريمة يقول القرطبي – مسألتان :-
الأولى : قوله تعالى :(والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة ) قال عبد الرحمن بن زيد هم الأنصار بالمدينة استجابوا إلى الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم حينما أنفذ إليهم اثني عشر نقيبا منهم قبل الهجرة.
والثانية : قوله تعالى :(وأمرهم شورى بينهم) أي يتشاورون فيه ثم عملوا عليه فمدحهم الله تعالى به.
وقال بن العربي : الشورى إلفه للجماعة وسيار العقول وسبب إلى الصواب ، وما تشاور قوم قط إلا هدوا ، وأيا كان السبب الخاص في نزول هذه الآية إلا أن الحكم الذي يستنبط منها عام يشمل سائر الأمة ، شأنها شأن كثير من الآيات التي وردت في القرآن على هذه الشاكلة.
والآية الثانية من القرآن الكريم قوله تعالى : ( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فأعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين) آل عمران الآية 159.
هذه الآية نزلت بعد غزوة أحد ذلك لما استشار الرسول أصحابه فيما يفعل ـ فأشار الشباب ومن لم يحضر بدراً بالخروج لملاقاة جيش الأعداء ، وأشار البعض بأن يتحصن المسلمون بالمدينة وأن يتولوا الدفاع عن دورها وحاراتها كان الرسول يؤدي الرأي الأخير ، ولكن لكثرة الأصوات التي أبدت الرأي الأول خاصة أن أكثرهم لم يحضر بدراً ، فأرادوا أن ينالوا ما ناله البدريون من شرف ، ومع هذا فقد نزلت الهزيمة بالمسلمين ، ولكن الله أنزل هذه الآية (فأعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر) أي لا يحملنك من كان من نتائج المشاورة على أن تتركها ، بل شاورهم في الأمر ، وهذا دليل واضح على أن الله سبحانه وتعالى يريد أن تكون سياسة المسلمين قائمة على مبدأ الشورى حتى لا يكون هناك استبداد في الأمر من ناحية فرد.
وحينما ندرس الشورى من السنة فهذا نجده واضحاً جلياً في أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ففي غزوة بدر مثلاً حينما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خروج قريش ليمنعوا عيرهم استشار أصحابه ، كما يقول ابن هشام – فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن ، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن ، ثم قام المقداد بن عمرو فقال يا رسول الله : امضي لما أراك الله فنحن معك ، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى (فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون) المائدة الأية 24 ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا وإنا معكما مقاتلون فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد (موضع بناحية اليمن) لجالدنا مع من دونه حتى تبلغه ، فقال له رسول الله خيراً ودعا له ثم قال أشيروا على أيها الناس، وإنما يريد الأنصار ، وذلك لأنهم بايعوه بالعقبة ، قالوا يا رسول الله إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمتنا.
نمنعك ما نمنع به أبناءنا ونساءنا ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يتخوف إلا تكون ترةعليها نصرة إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه ،وأنه ليس عليهم أن يسير بهم من بلادهم إلى عدو خارجها فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له سعد بن معاذ رضي الله عنه وكان سيد الخزرج من الأنصار، والله لأكنك تريدنا يا رسول الله قال: أجل فقال: لقد أمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق ، وأعطيناك على ذلك عهدنا ومواثيقنا على السمع والطاعة ، فأمضي يا رسول الله لما أردت فنحن معك،فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدو غداة ، إنا لصبر في الحرب ، صدق في اللقاء لعل الله يرك منا ما تقر به عيناك ، فسر على بركة الله ، فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : سيروا وابشروا ، وفي هذه الغزوة أيضاً وقبل أن يلتحم الجيشان كانت هناك مشورة الحباب بن المنذر رضي الله عنه التي قبلها الرسول صلى الله عليه وسلم إذ غير موقع الجيش ما هو عليه مذكور في كتب التاريخ.
فقد ذكر بن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يبادرهم إلى الماء حتى جاء أدنى ماء من بدر فنزل به ، وذكر أن الحباب المنذر قال يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزلاً أانزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه ، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال : بل هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال بل هو الراى والحرب والمكيدة قال يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل ، فأمضي بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم فتنزله، ثم نغورما وراءه من القليب ، ثم نبني عليها حوضاً ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لقد أشرت بالرأي).
وفي غزوة أحد كان الرسول قد بلغه مجيء المشركين من قريش للانتقام من المسلمين من جراء ما أصابهم في بدر ، وعندما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب من أصحابه المشورة إذ قال لهم صلى الله عليه وسلم : أشيروا علي ما أصنع؟ فقالوا أخرج بنا إلى هذه الأكلب ، وقالت الأنصار : يا رسول الله ما غلبنا عدو لنا قط ، أتانا في ديارنا فكيف وأنت فينا ؟ - أي أنهم يرون عدم الخروج -، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يعجبه ذلك الرأي ، ثم دعا بدرعه فلبسها ، فلما رأوا ذلك ندموا وقالوا: بئس ما صنعنا ، نشير على رسول الله والوحي يأتيه فقاموا فاعتذروا إليه وقالوا : أصنع ما رأيت ، فقال: (لا ينبغي لنبي أن يلبس لامته فيضعها حتى يقاتل). فقبل بذلك رأس الكثرة التي أشرات عليه بالخروج.
كما روى البخاري بسنده أن الرسول صلى الله عليه وسلم قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم ، فقال لهم: (معي من ترون وأحب الحديث إلى أصدقه ،فاختاروا إحدى الطائفتين إما السبي وإما المال ، وقد كنت استأنيت بكم ، وكان أنظرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بضع عشرة ليلة حين غفل من الطائف ، فلما تبين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير راد إليهم إلا إحدى الطائفتين قالوا: فإنا نختار سبينا فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأثنى على الله بما هو أهل له ثم قال: (أما بعد فإن إخوانكم قد جاءونا تأبين ، واني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم ، فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى تعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل).
فقال الناس: قد طبنا ذلك يا رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع عرفاؤكم أحدكم). فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم ثم رجعوا إلى رسول الله ، فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا.
وفي غزوة الأحزاب عندما اشتد الأمر بالمسلمين دارت مفاوضات بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين المهاجمين من أهل الطائف.
وكما هو معروف كانت الشورى أمر ثابت في أمر الخلافة باقتدائهم برسول الله صلى الله عليه وسلم إذ كانوا يتشاورون في جميع الأمور الهامة التي تحدث لهم.
الى اللقاء في الحلقة القادمة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق