الربيع العربي قادم وإلى الربيع الإسلامي ذاهب بإذنه تعالي . الحلقة ( 12)
رأينا في الحلقة الماضية كيف وأن القران الكريم أقر الشورى وجعلها ركن أساسي من أركان الحكم وألزم بها الحاكم إلزاما لا مفر منه . ورأينا كيف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف طبقها وهو رسول يوحى اليه ولكن بالرغم من هذا فإنه طبقها أحسن تطبيق ليلزم كل حاكم إسلامي بتنفيذها وفي هذه الحلقة سوف نري كيف تم اختيار خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث لا نجد مال سياسي ينفق مثل ما أنفق في انتخابات الرئيس الأمريكي باراك أوباما في أوائل عام 2010م والتي بلغت أكثر من مليار دولار
, فاختيار خليفة رسول الله صلي الله عليه وسلم تم في سقيفة بني ساعدة وإليكم ما جري في السقيفة , حيث قال الإمام عبد الله مسلم في كتابه ( الإمامة والسياسة ) أن النبي عليه الصلاة والسلام لما قبض اجتمعت الأنصار رضي الله عنهم إلي سعد بن عبادة فقالو له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبض , فقال سعد لأبنه قيس رضي الله عنهما : إني لا استطيع أن أسمع الناس كلاما لمرضي , ولكن تلقًِِِ مني قولي فأسمعهم , فكان سعد يتكلم ويحفظ ابنه رضي الله عنهما قوله , فيرفع صوته لكي يسمع قومه , فكان مما قال رضي الله عنه بعد أن حمد الله تعالي وأثني عليه :يا معشر الأنصار , إن لكم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب , إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبث في قومه بضع عشرة سنه يدعوهم إلي عبادة الرحمن , وخلع الأوثان , فما آمن به من قومه إلا قليلا , والله ما كانوا يقدرون أن يمنعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يعرفوا دينه , ولا يدفعوا عن أنفسهم حتي أراد الله تعالي لكم الفضيلة وساق إليكم الكرامة , وخصكم بالنعمة , ورزقكم الإيمان به وبرسوله صلى الله عليه وسلم , والمنع له ولأصحابه , والإعزاز لدينه والجهاد لأعدائه , فكنتم أشد الناس علي من تخلف عنه منكم , وأثقله علي عدوكم من غيركم حتي استقاموا لأمر الله تعالي طوعا وكرها , وأعطي البعيد المقادة صاغرا داحرا ,حتي أثخن الله تعالي بنبيه بكم الأرض, ودانت بأسيافكم له العربي , وتوفاه الله تعالي وهو راضي عنكم , قرير العين , فشدوا أيديكم بهذا الأمر فإنكم أحق الناس وأولاهم به .
فأجابوه جميعا : أن قد وفقت في الرأي وأصبت في القول , و لن نعدوا مارأيت نوليك هذا الأمر . فأنت مقنع ولصالح المؤمنين رضا , قال : فأتي الخبر إلي أبي بكر رضي الله عنه ففزع أشد الفزع , وقام معه عمر رضي الله عنهما فخرجا مسرعين إلي سقيفة بني ساعدة , فلقيا أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه , فانطلقوا رضي الله عنهم جميعا حتي دخلوا سقيفة بني ساعدة وفيها رجال من الأشراف معهم سعد بن عبادة رضي الله عنه , فأراد عمر رضي الله عنه أن يبدأ بالكلام وقال : خشيت أن يقصر أبوبكر رضي الله عنه وقال له علي رسلك , فستكفى الكلام , فتشهد أبوبكر رضي الله عنه وانتصب له الناس , وقال : إن الله جل ثناؤه بعث محمدا صلي الله عليه وسلم بالهدي ودين الحق , فدعا إلي الإسلام فأخذ الله تعالي بنواصينا وقلوبنا إلي ما دعا إليه , فكنا معشر المهاجرين أول الناس إسلاما والناس لنا فيه تبع , ونحن عشيرة رسول الله صلي الله عليه وسلم ونحن مع ذلك أوسط العرب أنسابا , ليست قبيلة من قبائل العرب إلا ولقريش فيها ولادة , وأنتم أيضا والله الذين آووا ونصروا وأنتم وزراؤنا في الدين , وزراء رسول الله صلي الله عليه وسلم وأنتم إخواننا في كتاب الله تعالي وشركاؤنا في دين الله عز وجل , وفيما كنا فيه من سراء وضراء , والله ما كنا في خير قط إلا كنتم معنا فيه , فأنتم أحب الناس إلينا , وأكرمهم علينا وأحق الناس بالرضاء بقضاء الله تعالي والتسليم لأمر الله عز وجل , ولما ساق لكم ولإخوانكم المهاجرين رضي الله عنهم وهم أحق الناس , فلا تحسدوهم وأنتم المؤثرون علي أنفسهم حين الخصاصة , والله ما زلتم مؤثرين أخوانكم من المهاجرين وأنتم أحق الناس ألا يكون هذا الأمر واختلافه علي أيديكم , وأبعد أن لا تحسدوا إخوانكم علي خير ساقه الله تعالي إليهم , و إنما أدعوكم إلي أبي عبيدة أو عمر وكلاهما قد رضيت لكم , ولهذا الأمر , وكلاهما أهل , فقال عمر وأبو عبيدة رضي الله عنهما :
ما ينبغي لأحد الناس أن يكون فوقك يا أبا بكر , أنت صاحب الغار ثاني أثنين , وأمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة فأنت أحق الناس بهذا الأمر , فقال الأنصار : والله ما نحسدكم علي خير ساقه الله إليكم , وإنما لك ما وصفت يا أبا بكر . والحمد لله ولا أحد من خلق الله تعالي أحب إلينا منكم ولا أرضى عندنا ولا أيمن ولكننا نشفق مما بعد اليوم ونحذر أن يغلب علي هذا الأمر من ليس منا ولا منكم , فلو جعلتم اليوم رجلا منا ورجلا منكم بايعنا ورضينا.
علي إنه إذا هلك اخترنا آخرمن الأنصار , فإذا هلك اخترنا آخر من المهاجرين أبدا مابقيت هذه الأمة , كان ذلك أجدر أن يعدل في أمة محمد صلى الله عليه وسلم , وإن يكون بعضنا يتبع بعض , فيشفق القرشي أن يزيغ فيقبض عليه الأنصاري , ويشفق الأنصاري أن يزيغ فيقبض عليه القرشي .
فقام أبوبكر فحمد الله تعالي أثنى عليه وقال : إن الله تعالي بعث محمد صلى الله عليه وسلم رسولا إلي خلقه وشهيدا علي أمته ليعبدوا الله ويوحدوه وهم إذ ذاك يعبدون آلهة شتى يزعمون أنها لهم شافعة , وعليهم بالغة نافعة , وإنما كانت حجارة منحوتة وخشبا منجورة ,فأقرؤوا إن شئتم ( إنكم وما تعبدون من دون الله ) , ( ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ) وقالوا : ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلي الله زلفى ) .
فعظم علي العرب أن يتركوا دين أبائهم فخص الله تعالي المهاجرين الأولين رضي الله عنهم بتصديقه والإيمان به والمواساة له والصبر معه علي الشدة من قومهم , وإذلالهم وتكذيبهم إياهم , وكل الناس مخالف عليهم زأر لهم , فلم يستوحشوا لقلة عددهم وازدراء الناس بهم , واجتماع قومهم عليهم , فهم أول من عبد الله في الأرض , وأول من آمن بالله تعالي ورسوله صلى الله عليه وسلم , وهم أولياؤه وعشيرته وأحق الناس بالأمر من بعده , ولا ينازعهم فيه إلا ظالم , وأنتم معشر الأنصار من لا ينكر فضلهم ولا النعمة العظيمة لهم في الإسلام , رضيكم الله تعالي أنصارا لدينه ولرسوله , وجعل إليكم مهاجرته فليس بعد المهاجرين الأولين أحدا عندنا بمنزلتكم فنحن الأمراء وأنتم الوزراء , ولا نقتات دونكم بمشورة ولا تنقضي دونكم الأمور.
ثم قام أبو عبيدة فقال : يا معشر الأنصار : أنتم أول من نصر وآوي , فلا تكونوا أول من يبدل ويغير , قال: وإن بشيرا لما رأي ما أتفق عليه قومه من تأمير سعد بن عبادة قام وكان بشير من سادات الخزرج , فقال أيا معشر الأنصار , أما والله لئن كنا أولي الفضيلة في جهاد المشركين , والسابقة في الدين , ما أردنا إن شاء الله غير رضا ربنا , وطاعة نبينا والكرم لأنفسنا , وما ينبغي إن نستطيل بذلك علي الناس ولا نبتغي به عوضا من الدنيا , فإن الله تعالي ولي النعمة والمنة علينا بذلك , ثم أن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من قريش وقومه أحق بميراثه , وتولي سلطانه , وأيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبدا , فاتقوا الله ولا تنازعوهم ولا تخالفوهم .
بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه :
قال : ثم إن أبا بكر قام علي الأنصار , فحمد الله تعالي واثني عليه ثم دعاهم إلي الجماعة ونهاهم عن الفرقة , وقال : إني ناصح لكم في أحد هذين الرجلين , أبي عبيدة بن الجراح أو عمر , فبايعوا من شئتم منهما , فقال عمر : معاذ الله أن يكون ذلك وأنت بين أظهرنا , أنت أحق بهذا الأمر , وأقدمنا صحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم , وأفضل منا في المال , وأنت أفضل المهاجرين وثاني أثنين وخليفته علي الصلاة , والصلاة أفضل أركان دين الإسلام , فمن ذا ينبغي أن يتقدمك ويتولي هذا الأمر عليك , ابسط يدك أبايعك , فلما ذهبا يبايعانه سبقهما إليه بشير الأنصاري فبايعه فناده الحباب بن المنذر , يا بشير عقك عقاك , ما أضطرك إلي ما صنعت ؟ حسدت ابن عمك علي الأمارة قال : لا والله ولاكني كرهت أن أنازع قوما حقا لهم , فلما رأت الأوس ما صنع بشير وهو من سادات الخزرج وما دعوا إليه المهاجرين من قريش , وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة , فقال بعضهم لبعض وفيهم أسعد بن حضير رضي الله عنه : لئن وليتمونا سعدا عليكم مرة واحدة , لا زالت لهم بذلك عليكم الفضيلة ولا جعلوا لكم نصيبا فيها أبدا , فقوموا فبايعوا أبابكر رضي الله عنه فقاموا إليه فبايعوه.
هذه المناقشة التي دارت حول الخلافة , وكانت مناقشة موضوعية تدل علي مدي حرية الرأي والكلمة وحرية الاختيار دون ضغط سياسي أو دعائي , وإنما كانت تقارع الحجة بالحجة الاقوي منها بالدليل والبرهان , حتي انتصرت الحجة القوية واجتمع الجميع بالخليفة المرشح , لم يكن من المهاجرين سوي ثلاثة وكانت جميع اصوات من الأنصار وبالرغم من هذا فإن المهاجرين الثلاثة استطاعوا بقوة الحجة والبرهان الذي لاشك فيه أن يقنعوا الجميع , أن الغاية كانت المصلحة العامة وليست طمعا في مركز أو منصب .
ورأينا كيف كانت الآراء تناقش , وإن الأمر كله شوري للجميع , كل يدلي برأيه حتي استقر الأمر بالرأي الأصح والأرجح .
وبعد أن تولي أبوبكر رضي الله عنه الخلافة أول ما اعترضته من مشاكل ارتداد بعض العرب , وعرض الأمر شوري بين المسلمين فقالوا : أقبل منهم يا خليفة رسول الله , فإن العهد حديث والعرب كثير ذلك لأنهم قالوا نصلي ولا نؤدي الزكاة , واستدلوا بذلك بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أمرت أ ن أقاتل الناس حتي يقولوا لا إله إلا الله , فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها , وحسابهم على الله ) . فقال أبوبكر هذا من حقها لا بد من القتال . فقال الناس لعمر : أخل به فكلمة لعله يرجع عن رأيه هذا فيقبل منهم الصلاة ويعفيهم من الزكاة , فخلا به عمر نهاره أجمع , فقال : والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلي رسول الله لقاتلهم عليه , ولو لم أجد ما أقاتلهم به لقاتلتهم وحدي حتى يحكم الله بيني وبينهم وهو خير الحاكمين , وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( أمرت أن أقاتل الناس علي ثلاث : شهادة أن لا إله إلا الله , وأقام الصلاة , وإيتاء الزكاة , فوالله الذي لا إله إلا هو لا أقصر دونهم , فضرب منهم من أدبر ومن أقبل حتى دخل الناس في الإسلام طوعا وكرها وحمدوا رأيه وعرفوا فضله .
قال : أبو الرجاء العطاردي رأيت الناس مجتمعين وعمر يقبل رأس أبي بكر ويقول : أنا فداؤك لولا أنت لهلكنا , فحمد له رأيه في قتال أهل الردة . كما كان عمر يجمع كبار الصحابة في عهده ويمنعهم من الخروج من المدينة لحاجته إلي استشارتهم , وما أروع ما ورد في الاستشارة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه نذكر منها في موقعة نهاوند . فقد وردت الأخبار للخليفة بتجمعات الفرس واستعدادهم ضد المسلمين الذين كانوا قد اقفلوا الطريق, ونادي عمر بالصلاة جامعة فاجتمع المسلمون بالمسجد حيث عقد لهم مجلس شوري افتتحه بأن عرض ما وصل من أخبار , وسأل المسلمين أن يشيروا عليه بما يفعل , وقال لهم : أوجزوا في القول فإن هذا يوم له ما بعده , فوقف طلحة بن عبيد الله يدلي برأيه فأعلن طاعة المسلمين للخليفة ولما يراه , ووقف عثمان بن عفان يقترح أن ينتدب الجند من الشام ومن اليمن للزحف على فارس , وأن يقود عمر مسلمي الحجاز , وهناك يتولي القيادة العامة , ثم وقف علي بن أبي طالب ينتقد هذا الرأي علي أساس أن جنود المسلمين لو أخلوا الشام واليمن لأمكن أن تهب بهما ثورات يشعلها أعداء الإسلام , واقترح أن يسير ثلث الجيش ويبقي الثلثان في كل مصر من الأمصار الإسلامية , وأن يبقي الخليفة بالعاصمة يدير الأمر ويمد الجيش بما يحتاجه من عتاد ورجال , وارتأى المسلمون هذا الرأي وسار عليه عمر رضي الله عنه .
ومن ذلك أيضا استشارته رضي الله عنه في مسألة الوباء وكان ذلك حين خرج إلي الشام فأجبروه إذ كان في ( سرغ ) وأن الوباء وقع في الشام , فاستشار المهاجرين الأولين , ثم الأنصار , فاختلفوا ثم طلب من كل من كان هناك في مشيخة قريش ومن مهاجرة الفتح , فاتفقوا علي الرجوع وعدم الدخول علي الوباء فنادى عمر بالناس : إني مصبح علي ظهر- أي مسافر , والظهر الراحلة , فأصبحوا عليه فقال أبو عبيدة أفرار من قدر الله , فقال عمر : لو غيرك قالها يا أبا عبيدة , نعم نفر من قدر الله إلي قدر الله , أرأيت لو كانت لك إبل فهبطت واديا له عدوتان , أحدهما خصبة والأخرى جدبة أليس أن رغبت الخصبة رغبتها بقدر الله , وإن رغبت الجدبة رغبتها بقدر الله , ثم جاء عبد الرحمن بن عوف فأخبره بالحديث المرفوع الموافق لرأي شيوخ قريش .
وكما هو معروف أيضا أن عمر بن الخطاب كان دائم المشاورة لأصحابه في أمور الخلافة , إذ استشارهم فيمن يقود جيوش المسلمين في حروب فارس , وأشاروا باختيار سعد بن أبي وقاص , فاختاره كما جعل الشورى في نفر من الصحابة عيّنهم ليختاروا من بينهم من يكون خليفة من بعد كما ذكرنا ذلك سابقا .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق