الربيع العربي قادم وإلى الربيع الإسلامي هو ذاهب بإذن الله ( الحلقة) (8)
تكلمنا في الحلقة الأولى عن العلمانية وكيف أنها تنكر وجود الذات الإلهية وفي هذه الحلقة سوف نتكلم عن الأفكار والمعتقدات ولماذا يرفض الإسلامي العلمانية فبعض العلمانيين ينكرون وجود الله أصلاً ، وبعضهم يؤمنون بوجود الله لكنهم يعتقدون بعدم وجود أية علاقة بين الله وبين حياة الإنسان
، والحياة تقوم على أساس العلم المطلق وتحت سلطان العقل والتجريب ، وإقامة حاجز سميك بين عالمي الروح والمادة ، والقيم الروحية لديهم قيم سلبية ، ومن أفكارهم أيضاً فصل الدين عن السياسة وإقامة الحياة على أساس مادي ، وتطبيق مبدأ النفعية {pragmatism} على كل شيء في الحياة واعتماد مبدأ الميكافيلية في فلسفة الحكم والسياسة والأخلاق. ونشر الإباحية والفوضى الأخلاقية وتهديم كيان الأسرة باعتبارها النواة الأولى في البنية الاجتماعية .أما معتقدات العلمانية في العالم الإسلامي والعربي التي انتشرت بفضل الاستعمار والتبشير فهي :
الطعن في حقيقة الإسلام والقرآن والنبوة والزعم بأن الإسلام استنفذ أغراضه ، وهو عبارة عن طقوس وشعائر روحية والزعم بأن الفقه الإسلامي مأخوذ عن القانون الروماني والزعم بأن الإسلام لا يتلاءم مع الحضارة ويدعو إلى التخلف والدعوة إلى تحرير المرأة وفق الأسلوب الغربي ، وتشوبه الحضارة الإسلامية وتضخيم حجم الحركات الهدامة في التاريخ الإسلامي الزعم بأنها حركات إصلاح، وإحياء الحضارات القديمة ، واقتباس الأنظمة والمناهج اللادينية عن الغرب ومحاكاته فيها وتربية الأجيال تربية لا دينية فإذا كان هناك عذر ما لوجود العلمانية في الغرب ، فليس هناك أي عذر لوجودها في بلاد المسلمين لأن النصراني إذا حكمه قانون مدني وضعي لا ينزعج كثيراً أو قليلاً ، لأنه لا يعطل قانون فرضه عليه دينه ، وليس في دينه ما يعد منهجاً للحياة.
أما مع المسلم فالأمر مختلف إذ يوجب عليه إيمانه الاحتكام إلى شرع الله ومن ناحية أخرى كما يقول الدكتور يوسف القرضاوي :( فإنه إذا انفصلت الدولة عن الدين بقي الدين النصراني قائماً في ظل سلطته القوية الفتية المتحكمة وبقيت جيوشها من الرهبان والراهبات والمبشرين والمبشرات تعمل في مجالاتها المختلفة دون أن يكون للدولة عليهم سلطان ، بخلاف ما لو فعلت ذلك دولة إسلامية فإن النتيجة أن يبقى الدين بغير سلطان يؤيده ولا قوة تسنده ، إذ لا بابوية له ولا كهونت ولا إكليروس وصدق الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه حين قال : (إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن).
إذ نجد الإمام الغزالي يقول : (إن نظام الدين لا يحصل عليه إلا بنظام الدنيا ، بل إن الإمامة قصد بها سياسة الدنيا بالدين ، وقد وافق جميع الأئمة الغزالي مثل البغدادي والماوردي ، والرازي وابن خلدون وغيرهم كثير ولم نجد أحد من فقهاء المسلمين شذ عن أن الإسلام دين ودولة ، ويقول المفكر الإسلامي الشيخ أبو الأعلى المودوي في كتابه (الحكومة الإسلامية) : (إنكم لا تستطيعون الفصل بين أمور الدين وأمور الدنيا ـ لأن الدنيا والآخرة في نظر الإسلام مرحلتان من مراحل الحياة المتصلة التي لا تنقطع ، أولهما مرحلة السعي والعمل ، وثانيهما مرحلة النتائج وما تتبعونه في الأولى تظهر نتائجه في الثانية واضحة جلية وهدف الإسلام تنظيم العقل وإعداده إعداداً يمكنه من معالجة المرحلة الأولى بأسلوب سليم يأتي بنتائج موفقة في المرحلة الثانية عندئذ تصبح الحياة كلها حياة دينية يرتبط كل شيء فيها بغيره من دقائق العقائد والعبادات حتى مبادئ المجتمع والسياسة والاقتصاد وتفريعاتها ارتباطا هادفا ذا معنى ، فإن سلكت في قضاياك السياسية والاقتصادية مسلكاً يتفق وخطة أخرى غير خطة الإسلام المحكمة فإن صنيعك هذا يعتبر ارتداداً جزئياً يفضي بك إلى إرتداد كلي نهائي ،إذ معناه أنك قطعت أحكام الإسلام وجزأت تعاليمه ونصفتها لتقبل بعضها وترفض بعضها الآخر ، فتراك تقبل المعتقدات والعبادات الدينية ، وتشيح بوجهك عن ذلك النوع من نظم الحياة الذي يقوم على أساس هذه العقائد والعبادات فتفريقك بين مبادى الإسلام وأحكامه في كل من الدين والدنيا خطأ كبير في نظر الإسلام ، وما من مسلم يؤمن إيماناً صحيحاً يقبل هذا التفريق ويرضاه ، مصداقاً لقوله تعالى :(أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) (البقرة 85 ).ثم قمت بهذه التجزئة واعتزمت معها البقاء في دائرة الإسلام فلن تبقى طويلاً في داخل هذه الدائرة لأن العبادات والعقائد الدينية لا معنى لها إذا انفصلت عن نظام الحياة وطريقة العيش سوى الموت والتعفن، فلعمري كيف تؤمنون بمبادئ الحياة غير الإسلامية ، ثم يظل إيمانكم بالقران قائماً سليماً غير منقوص وهو نفسه الذي يثبت كذب هذه المبادئ وزيفها خطوة بخطوة ) وأنا أقول أن الدولة الإسلامية هي دولة مدنية تطبق الشريعة الإسلامية على المسلمين فقط ، ولماذا نذهب ونبحث عن دولة علمانية أو اشتراكية أو ليبرالية أو خلافه ، والدليل على أن الدولة الإسلامية هي دولة دنية تطبق الشريعة الإسلامية على المسلمين فقط هو الصحيفة التي كتبها رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أتى إلى المدينة مهاجراً من مكة والتي تعتبر في نظري أول دستور مكتوب عبر التاريخ لدولة حديثة إذ نجده ينص على التالي:
بسم الله الرحمن الرحيم
1- هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم .
2- إنهم أمة واحدة من دون الناس.
3- المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
4- وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى كل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين .
5- وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
6- وبنو الحارث على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
7- وبنون جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
8- وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
9- وبنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
10- وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
11- وان المؤمنين لا يتركون مفرحا بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل.
12- وأن لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه.
13- وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين ، وأن أيديهم عليه جميعاً ولو كان ولد أحدهم.
14- لا يقتل مؤمن مؤمناً في كافر ، ولا نصر كافر على مؤمن .
15- وأن ذمة الله واحدة ، يجير عليهم أدناهم ، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس.
16- وأنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصرين عليهم.
17- وإن سلم المؤمنين واحدة ، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم.
18- وأن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضاً.
19- وأن المؤمنين يبئ بعضهم بعض بما نال دمائهم في سبيل الله.
20- وأن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه.
21- وأنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا ، ولا يحول دونه على مؤمن.
22- وأن من اعتبط مؤمنا قتلاً عن بينة فإنه قود به إلا أن يرضى ولي المقتول وأن المؤمنين عليه كافة ، ولا يحل لهم إلا قيام عليه.
23- وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم ألآخر أن ينصر محدثاً ولا يؤويه ، وأنه من نصره أو آواه عليه لعنة الله وغضبه ليوم القيامة ، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل.
24- وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد صلى الله عليه وسلم.
25- وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين.
26- أن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين ، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ومواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم ، فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته.
27- وأن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف.
28- وأن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف.
29- أن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف.
30- وان ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف.
31- وان ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف.
32- وان ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته.
33- وأن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم.
34- وان لبني الشطبية مثل ما ليهود بني عوف، وأن البر دون الإثم.
35- وأن موالي ثعلبة كأنفسهم.
36- وأن بطانية يهود كأنفسهم.
37- وأنه لا يخرج منهم أحدا إلا بإذن محمد صلى الله عليه وسلم.
38- وأنه لا ينحجر على ثائر جرح
39- وأنه من فتك فبنفسه فتك وأهل بيته إلا من ظلم وأن الله على أبر هذا.
40- وأنه لم يأثم امرؤ بحليفه ، وأن النصر للمظلوم.
41- وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين.
42- وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة.
43- وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم.
44- وأنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها.
45- وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد صلى الله عليه وسلم، وأن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره.
46- وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها.
47- وأن بينهم النصر على من دهم يثرب.
48- وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحون ويلبسونه ، وأنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين على أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم.
49- وأن يهود الأوس ومواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع البر المحض دون أهل هذه الصحيفة.
50- وأن البر دون الإثم لا يكسب كاسب إلا على نفسه.
51- وأن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره.
52- وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم و آثم.
53- وأنه من خرج آمن ومن قصد آمن بالمدينة إلا من ظلم أو أثم.
54- وأن الله جار لمن أبر واتقى ، ومحمد رسول الله.
رأينا في المادة الأولى كيف وأن معلمنا الأول رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسى قواعد المواطنة في الدولة الإسلامية إذ كانت المدينة تضم إلى جانب المسلمين عدد كبير من اليهود وغير اليهود ، إذ نجد في نص المادة الأولى والثانية ما نصه (هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أنهم أمة واحدة من دون الناس) فجملة أنهم أمة واحدة أثبتت حق المواطنة لكل فرد يعيش في المدينة سواء كان يهودياً أو غير يهودي فإنهم جميعهم أمة واحدة لهم حقوق متساوية في جميع الحقوق الذاتية وغير الذاتية والتي وسأتكلم عنها تفصيليا في الحلقات القادمة بإذن الله تعالى وهذا ما يثبت أن الدولة الإسلامية هي دولة مدنية لا تفرق بين مسلم ولا مسيحي ولا يهودي في الحقوق فجميعهم لهم حق المواطنة سواء بسواء دون تميز لأي منهم ومما يثبت أيضاً أن الشريعة الإسلامية لا تطبق إلا على المسلمين فقط وأن الرسول صلى الله عليه وسلم ساوى في المعاملة بين المسلمون واليهود ولم يلزمهم بالدخول في الإسلام ولم يجبرهم على تطبيق الشريعة الإسلامية إذ نجد في المادة 25 أن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين والمادة 26 أن يهود بين عوف أمة مع المؤمنين لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ، ومواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بينه ، وفي المادة 27 أن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف وفي المادة 29 أن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف ، في المادة 30 أن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف وأن في المادة 31 أن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف وفي المادة 32 أن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف إلا من ظلم نفسه أو أثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته في المادة 33 أن جفنة بطن ثعلبة كأنفسهم ، وفي المادة 34 ان لبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف إلا من ظلم نفسه أو أثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته في المادة 35 أن موالي ثعلبة كأنفسهم ، وفي المادة 36 أن بطانة يهود كأنفسهم وفي المادة 37 لا يخرج منهم أحداً إلا بإذن محمد صلى الله عليه وسلم وفي المادة 39 أنه من فتك فبنفسه فتك وأهل بيته إلا من ظلم وأن الله على أبر هذا ، وأن على اليهود نفقتهم ، وعلى المسلمين نفقتهم ، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم.
وأن جميع هذه المواد السالف ذكرها ثبت بما لا يدع مجال للشك أن الدولة الإسلامية هي دولة مدنية بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى ، إذ ساوت بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات وتركت لغير المسلمين حرية العقيدة والعبادة ولم تلزمهم بالدخول في الإسلام وتركت لهم حرية المعاملة والمقاضاة وحل مشاكلهم حسب دياناتهم وأعرافهم وعاداتهم وتقاليدهم وهذا من معلمنا الأول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأن تعليماته إلزامية وواجبة التنفيذ في كل زمان ومكان ، وأعجب من أخواني المسلمين أن يبحثوا عن حكومة علمانية أو ليبرالية أو اشتراكية أو برلمانية أو خلافها,
وإلى اللقاء في الحلقة القادمة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق