الربيع العربي قادم وإلي الربيع الإسلامي هو ذاهب بإذنه تعالى , الحلقة (20)
تكلمنا في الحلقتين السابقتين عن موردي الإنتاج وهما العمل ورأس المال وفي هذه الحلقة سوف نتكلم عن الأرض كأحد موارد الإنتاج إذ نجد أن الإسلام أباح للفرد أيضا أن يتملك الأرض ملكية خاصة سواء كان تملكه لها عن طريق أحيائها بالعمل فيها أو انتقالها إليه عن طريق الميراث أو الوصية . أما إباحة الإسلام للفرد أن يتملك الأرض ملكية خاصة فيه أيضا وبالضرورة معنى جواز الانتفاع الشخصي بها وذلك بزراعتها والحصول علي منتوجها الذي يتملكه هو أو ثمنه ملكية خاصة أو بإعطائه لغيره ليعمل فيها مقابل عائد معين نقدا كان أو عينا أي مؤاجرة أو مزارعة أو مساقاة وهذا العائد حق خاص لصاحب الأرض يجوز له تملكه بتملكه للعنصر الإنتاجي ,
وهنا نجد أن الأرض بقدر استخدام صاحبها والاهتمام بها ومراعاتها وتكييف الظروف الملائمة لها من تقوية لتربتها واستخدام للأساليب العلمية في فلاحتها فإنها سوف تزيد من دخله وتحقق له عائد ريع يزداد بزيادة إنتاجها , فكلما زاد الإنتاج زاد العائد الذي يتملكه صاحب الأرض وفي ذلك أكبر استفادة له ولمجتمعه , فالمجتمع قد استفاد من وفرة المواد الزراعية والغذائية التي أصبحت مشكلة المشاكل في هذا العصر .ومما تقدم نجد أن القائم علي الملكية الخاصة للأرض دورا هاما في زيادة الإنتاج لخير المجتمع ودورا هاما في زيادة دخل الفرد الخاص .
أما بالنسبة للملكية العامة نجد أن الإسلام أباح للجماعة الإسلامية أن يقوم كل فرد فيها بالاستفادة مباشرة من المباحات الأربعة وكلها يقع تحت نطاق الملكية العامة للجماعة سواء كانت هذه الاستفادة من العمل المباشر فيها كإحيائه للأرض الموات أو قطعه لخشب الغابة أو صيده للحيوانات والطيور أو كانت بالاستيلاء علي هذه المباحات العامة كأخذه الحطب من الغابة أو أخذ ما يحتاجه من ماء النهر وغير ذلك , فكل فرد في الجماعة الإسلامية أن يمتلك ما حصل عليه من المباحات العامة ملكية خاصة له , بعمله فيها وباستيلائه عليها وإن كانت مباحة عامة للجميع في المبدأ فإنها تتحول إلى ملكية خاصة بالعمل فيها أو الاستيلاء عليها بقدر الحاجة الشخصية , وعلى ذلك فإن الجماعة الإسلامية من خلال المباحات العامة وما يقع تحت التملك الجماعي نجدها بإمكانها كأفراد أو جماعات زيادة إنتاجهم و مدخولهم منها , وهذا يعني أن الإنتاج والمدخول سيفيد المجتمع ككل وسيفيد أفراد المجتمع بزيادة دخل كل فرد فيه بما أضافه إلى دخله العام من مباحات بالعمل .
إذا فالملكية العامة لها دور أيضا في زيادة إنتاج المجتمع وزيادة دخل الأفراد منفردين ومجتمعين في شركات مثلا زيادة تقدر بقدر الفرد من جهد وعمل .
ونجد أيضا أن الإسلام أباح للجماعة الإسلامية أن تنتفع مجرد انتفاع بما في الطبيعة من مباحات , وبما يقع تحت الملكية العامة من شروط الانتفاع , مثل الانتفاع بالحدائق العامة وشواطئ البحار وأداء الصلوات في المساجد والسير في الشوارع والتدفئة بالشمس والرعي في أراضي الكلأ المباحة أو أراضي الحمى الجماعية المعدة لرعي ماشية الفقراء وغيرهم , إذا كان هذا الانتفاع في هذه الحالات لا يصل إلي حد أن يحصل أفراد المجتمع منه علي دخل معين مخصوص فإنه في الواقع قد أتاح له فرصة الانتفاع بها دون مقابل في شكل خدمات تقدم لهم إذ الدخل ليس بالضرورة أن يكون هو ما يحصل عليه الفرد من عائد نقدي أو عيني بل يضاف إليهما ما يحصل عليه الفرد أو تحصل عليه الجماعة في شكل خدمات هي في الواقع دخل إذا ما كانت المباحات بالمقابل كأن تكون مثلا تحت سيطرة الأفراد أو الدولة يؤجرونها لغيرهم . أما بالنسبة لملكية الدولة فقد أباح الإسلام أن يكون للدولة تملك رأس المال من الأرض أو خلافه , وأن تؤجر إلى العمال والموظفين للقيام بأعمال إنتاجية وخدمات مقابل أجر , كذلك لها أن تساهم في الحياة الاقتصادية ولها أن تتدخل فيها في كثير من أوجه التدخل , و هذا كله من شأنه أن يجعل لملكية الدولة إسهامات كبيرة في زيادة الإنتاج , وبالتالي زيادة دخل الدولة الخاص والعام الذي يجعلها الإسلام في خدمة المجتمع بأسره .
ومن هنا يتضح لنا أن للملكية الإسلامية دورا عاما في زيادة دخل الأفراد والجماعات والدولة , وهو دور حقيقي في التطبيق لتتاح لكل أفراد المجتمع فرص تحقيق كفايتهم مما يحتاجونه , وتتاح للدولة أيضا أن تقوم بواجباتها ومسؤولياتها تجاه المجتمع وتجاه أفراده .
خلق واستخدام االفائض الاقتصادي :
معروف لدينا أن الفائض هو الفرق بين الناتج والمستهلك, وهذا الفائض يتطلب مجهودين لإنماء الناتج من ناحية وترشيد الاستهلاك من ناحية أخري , ونستطيع إجمال موقف الإسلام من هذين العاملين في النقاط التالية :
أولا : من ناحية الإنتاج : نجد أن هناك نصوصا عديدة سبق تناولها عند تناول عنصر العمل وعلي ضوئها يمكن القول أن الإسلام يطالب الفرد والجماعة بأن يصل الإنتاج إلي أحسن وضع يحقق أهداف المجتمع ويؤصل لهذا القول عدة تكليفات إسلامية هي :
1- الإحسان : ومعناه هو تحقيق أقصى قدر ممكن من ناحية الكم والكيف , يقول الله تعالى : (( وأحسنوا إن الله يحب المحسنين )) سورة البقرة الآية 195 ويقول تعالي :(( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده )) ( سورة الأنعام آية 152 ) وفسر رجال الفكر الإسلامي أن معنى هذه الآية أنه يجب أن نستخدم مال اليتيم عما فيه صلاحه وإنماؤه ويكون ذلك بحفظ أصوله وتثمير فروعه وهنا يعني أن المحافظة على رؤوس الأموال وعدم استهلاكها وإنما تستغل ويكون الإنفاق من دخلها ذاتها , ويقول صلى الله عليه وسلم :( اطلبوا الحوائج من حسان الوجوه ) . أو من أحسن وجوها التي تحل.
2- بذل الطاقة والوسع يقول الله تعالى : (( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها )) ( سورة البقرة آية 286 ) ومعني ذلك أن الجماعة عليها أن تستخدم جميع طاقاتها وإمكاناتها .
3- العمل تبعا للقدرات وهذا يعني بلوغ الإنتاج أقصى قدر ممكن كما وكيفا .
ثانيا من ناحية الإنفاق :
نجد أن الإسلام قد شرع عدة مبادئ تعمل علي ترشيد الإنفاق ومن هذه المبادئ ما يلي :
1- تحريم التبذير والإسراف , ونجد أن الفكر الإسلامي يعرف التبذير بأنه إنفاق المال على ما لا يحل وعلي المباح إذا تجاوز الحد المتعارف عليه , وكذلك إهدار الأموال وعدم الاستفادة الحسنة منها , وهذا يعني أن أي مقدار من المال مهما قل إذا انفق في غير المباحات التي أباحها الإسلام يعتبر تبذيرا , كما أن الإنفاق علي المباحات إذا تجاوز الحد يعد هو الآخر تبذيرا وكذلك سوء توجيهه يقول الله تعالى : (( ولا تبذر تبذيرا )) ( سورة الإسراء الآية 26 ) ويقول صلى الله عليه وسلم : ( إياكم والسرف في النفقة وعليكم الاقتصاد فإنه ما افتقر قوم اقتصدوا ) ويقول صلى الله عليه وسلم أيضا : ( التبذير نصف المعيشة ).
2- تحريم الاكتناز يقول تعالى (( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم )) سورة التوبة آية 24 . وقد تعرضت للكلام عن هذه الآية فأحب أن ألفت الانتباه هنا إلى أن بعض رجال الفكر الإسلامي يفسرون هذه الآية الكريمة بعدم إخراج الزكاة من الأموال , والبعض الآخر يرى أن الاكتناز لا يقتصر علي عدم تأدية الزكاة فقط , فقد يزكى المال ومع ذلك يظل مكتنزا , والذي أراه في ذلك هو ما قلته سابقا أن الإسلام بتحريمه الإسراف والتبذير قد حافظ علي الفائض الاقتصادي من الضياع والإهدار , وبتحريمه الاكتناز قد حفز صاحب المال على استثماره وإنفاقه .
موقف الفكر الإسلامي من قضية الفائض :
لقد حدثنا التاريخ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل أحد الأفراد عن حال الأقاليم الذي يعيش فيه فقال له : يا أمير المؤمنين تركت الناس يسألون الله أن يزيد في عمرك من أعمارهم , ما وطئ أحد القادسية إلا أعطاه ألفين وخمسة عشر مئة , وما من مولود يولد إلا كان له الحق في مئة وجريين في كل شهر ذكر كان أو أنثى , وما يبلغ لنا ذكر إلا الحق علي خمسمائة أو ستمائة فإذا أخرج هذا لأهل بيت منهم من يأكل الطعام ومنهم من لا يأكل فما ظنك به إنه ينفقه فيما ينبغي وفيما لا ينبغي . فقال عمر الله المستعان إنما حقهم أعطوه و أنا أسعد بأدائه إليه منهم بأخذه فلا تحمدني عليه فإنه لو كان من مال الخطاب ما أخذوه ولكن قد عملت فيه فضلا ولا ينبغي أن أحبسه عنهم , فلو أنه إذا خرج عطاء أحد هؤلاء ابتاع الرأس و الرأسين فجعله فيها , فإني أخاف عليكم أن يليكم بعض ولاء لا يعد العطاء في زمانهم مالا فإن بقى منهم أحد من ولده كان لهم شئ قد اعتقدوه فيتكئون عليه فإن نصيحتي لك وأنت عندي جالس كنصيحتي لمن هو بأقصى ثغر من ثغور المسلمين .
من هنا يتضح لنا أن مشكلة الفائض الاقتصادي قد فرضت نفسها علي المجتمع الإسلامي الأول , و كانت التوجيهات والأوامر علي عدم تضييع هذا الفائض وإنما يوجه للاستثمار وتكوين رؤوس أموال تدر دخلا على مدار الوقت.
وكذلك الموقف التالي يوضح لنا المنهج الذي غرسه الإسلام في نفوس أتباعه في هذا الشأن , فيحدث التاريخ أن عبادة بن الصامت قال للمقوقس إن غاية أحدنا من الدنيا أكلة يأكلها يسد بها جوعه ليله ونهاره وشملة يلتحفها , فإن كان أحدنا لا يملك إلا ذلك كفاه , وإن كان يملك قنطارا من الذهب ينفقه في طاعة الله واقتصر على ما بيده وبذلك أمرنا الله وأمرنا نبيه . كما نجد اتجاها آخر كشف عنه أحد أصحاب رسول الله يقول ( حسن التقدير في المعيشة أفضل من نصف الكسب ), ويقول الدكتور شوقي أحمد دنيا في كتابه الإسلام والتنمية الاقتصادية : (( والباحث في هذا القول يجده يتضمن جانبين لا غنى عنهما في قضية الفائض الأول : أن إنتاج الدخل إذا كان هاما فإن نمط إنفاقه لا يقل أهمية إن لم يزد حيث أن الإنفاق الرشيد بمثابة زيادة في الدخل بأكثر من 50% منه , و المغذى من ذلك هو العمل الجاد على ترشيد الإنفاق . والثاني : أن حسن استخدام رؤوس الأموال المتاحة بدر دخلا يفوق ما تحققه زيادة رأس المال بفردها بمقدار 50% منه علي الأقل )).
ونجد أن من النصوص الهامة هنا قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ( الخرق في المعيشة أخوف عندي عليكم من العوز يعطى شئ مع الإصلاح , ولا يبغى شئ مع الفساد ) وهذا يعني أن سؤ استخدام الأموال أكثر ضرر من عدم وجود المال أصلا .
ونجد أن الإمام ( الدلجي ) يوضح لنا أسلوبا علميا دقيقا على أهمية الفائض الاقتصادي ويعتبر من أهم أسباب الفقر والتخلف عدم توافر هذا الفعل , ويناقش التسربات التي قد يتسرب إليها إذ يقول : ( إنه كلما تجرد للإنسان دخل جدد له صرفا , إما للمباهاة والترفه على أمثاله , أو إفراط في الشهوات وانهماك في اللذات أو خوف من سوء القال والأحدوثة أو لأن الحالات المتجددة في دخله يلزمها تجدد أمور في صرفه ولا يزال الشخص مفلوكا مهملا ) , والدلجي بالإضافة إلى ما تقدم فإنه يسبق المفكر الاقتصادي الغربي ( دو سمبري ) الذي اشتهر عنه إنه المكتشف لعامل المحاكاة والتقليد وأثره علي الاستهلاك . ومما تقدم يتضح لنا رأي الإسلام في المبادئ العامة التي وضعها بصدد قضية الفائض الاقتصادي من حيث إيجاده واستخدامه.
السياسات والإجراءات التي تحكم الفائض الاقتصادي :
هناك عدة إجراءات يجب على الحاكم أن يتخذها حيال التفريط في المبادئ السالف ذكرها :
1- إجراء المصادرة , وهذا يعني أن المال إذا لم يقم صاحبه باستخدامه علي النحو السابق فإن الحاكم يتدخل لتصحيح الموقف ومن وسائله في ذلك مصادرة المال , يقول صلى الله عليه وسلم : ( ليس لمحتجر حق بعد ثلاثة ) . ويقول ابن الخطاب رضي الله عنه : ( من أحيا أرض ميتة فهي له وليس لمحتجر حق بعد ثلاثة سنين ) . والاحتجار هو وضع أحجار ونحوها حول قطعة من الأرض تمهيدا لتعميرها , وقال عمر رضي الله عنه أيضا : ( من ترك أرض معطلة ثلاث سنين فجاء غيره وعمرها فهو أحق بها ) . فنجد أن عمر رضي الله عنه طبق هذا الحكم عمليا عندما حكم على بلال بالإبقاء علي ما يقدر علي عمارته ويرد الباقي لمن يعمره كما سبق ذكره ونفذ الحكم قهرا . بل نجد أن الفكر الإسلامي يقول بأن الفرد لا يقر علي الأرض المعطلة ولو دفع خراجها لئلا تصير بالخراج مواتا هذه مواقف ونصوص تبين أن على الحاكم أن يتدخل بحمل الناس علي استغلال موارد ثروتهم .
الى اللقاء في الحلقة القادمة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق