الأحد، 27 مايو 2012

الربيع العربي قادم وإلى الربيع الإسلامي هو ذاهب ,الحلقة 28

الربيع العربي قادم وإلى الربيع الإسلامي هو ذاهب ,الحلقة 28

تكلمنا في الحلقات السابقة عن الشورى في الحكومة الإسلامية ثم تبعناها بأشهر الأحزاب السياسية في عالمنا العربي وفي هذه الحلقة سوف نتكلم  عن حكم الشورى في الإسلام . فقد اختلف الفقهاء في حكم الشورى , فقال بعضهم إنها واجبة على الحكام في حين قال البعض الآخر : إنها مندوبة فقط , ولكن معظم الفقهاء يرى أن الشورى واجبة على الحكام ويستندون في ذلك إلى ما يلي :
أولا : إن القرآن  الكريم قد وضع الشورى إلى جانب ركنين هامين من أركان الإسلام ( الصلاة والزكاة ) حتى لكأنه  وضعها القرآن بمثابة هذين الركنين بالنسبة لجماعة المسلمين والحكام , بل نجد أن بعض العلماء قالوا : أن سورة الشورى سميت كذلك لأنها السورة الوحيدة التي قررت الشورى عنصرا من عناصر الشخصية الإيمانية الحقة , كما نجد أن الآية الثانية قد وُجهت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيغة الأمر إذ قال الله تعالى : (( وشاروهم في الأمر )) .
ثانيا : نجد أن السنة النبوية تأكد وجوب الشورى , ذلك لأن رسول الله كان يشاور أصحابه في كل ما يستجد من أمور هامة تمس الجماعة المسلمة ’ حتى أن الصحابة رضوان الله عليهم قد  فهموا أن الأمر في الشورى الوجوب, لذى نجدهم حينما ينزل بهم أي أمر لا يبرمونه من غير شورى ’ وكان عمر رضي الله عنه يقول : ( لا خير في أمر  أبرم من غير شورى ) , لذا نجد سيدنا أبا بكر الصديق حينما بُويع بالخلافة وقف خطيبا وقال : ( فإن أحسنت فأعينوني , وإن أسأت فقوموني ) . وقال سيدنا عمر رضي الله عنه : ( يا أيها الناس من رأى منكم فيّ اعوجاجا فليقومه ) فقام رجل إعرابي فقال : ( والله لو وجدنا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا , فقال عمر : ( الحمد لله الذي جعل في المسلمين من يقوم عوج عمر بسيفه ).
من هنا نرى أن الشورى واجبة علي الحاكم , وهو الرأي الراجح في الفقه , وفي هذا يقول ابن عطية :( والشورى من قواعد الشريعة , وعزائم الأحكام , من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب,  هذا ما لا خلاف فيه ) .
هل الشورى ملزمة :
وفي هذا يقول القرطبي : ( الشورى مبنية علي اختلاف الآراء والمستشير ينظر في ذلك الخلاف , وينظر في أقربها  ميولا إلى الكتاب والسنة  , فإذا أرشده الله تعالى إلى ما يشاء منه عزم عليه , وأنفذه متوكلا عليه ) . ثم نقل بعد هذا عن قتادة أنه قال في تأويل قوله تعالى :( فإذا عزمت فتوكل على الله ) , أنه قال : أمر الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام إذا عزم على أمر أن يمضي فيه ويتوكل على الله لا على مشاورتهم ثم يقول القرطبي ) والعزم هو الأمر المروي المنفتح وليس ركوب الرأي  دون رؤية عزما ) . بينما نجد الطبري يفسر الآية بقوله :( فإذا صح عزمك بتثبيتنا إياك وتسديدنا لك فيما نابك وحزبك من أمر دينك فأمض  لما أمرناك به , وافق ذلك آراء أصحابك وما أشاروا به عليك أو خالفه , وتوكّل فيما تأتي من أمورك وتدع وتحاول أو تزاول على دربك فثق به في كل ذلك ) . ويضيف أحد المؤيدين لهذا الرأي إلى ما تقدم ِأنه بالرجوع إلى صدر الإسلام لنستعرض  الحالات التي التجأ فيها الرسول والخلفاء الراشدون إلى الشورى , فنجد بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأخذ برأي أصحابه في حادثة أسرى بدر , بل أخذ برأيه الذي كان رأي أبي بكر . كما نجد أبابكر لم يأخذ برأي  الجماعة في مسألتين .
الأولى : وهي مسألة المرتّدين, حيث أعلن رضي الله عنه الحرب ضد المرتّدين بالرغم من أن معظم الصحابة ومنه سيدنا عمر رضي الله عنه تعالى حاولوا إقناعه  بعدم محاربتهم , ولكنه أبى وأصر وصمم ونفذ ولم يحتج عليه أحد بأنه خالف الرأي الذي أشار به المسلمون بما يقرب من الإجماع .
الثانية : فهي إنفاذ بعثة أسامة بن زيد , حيث خالف فيها أبوبكر رأي الجماعة . وبهذا فإنّ أصحاب هذا الرأي ينتهون بالقول بأنّ الشورى ليست ملزمة للحكام , إلا أنه يوجد هناك رأي وسط يقول أصحابه : ( أنه بالرجوع إلى سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرة الخلفاء الراشدين بأن معظم أمور الشورى التي طرحت , فإن معظمها قد اتبع حسب غالبية الآراء والأصوات , إلا أمورا قلائل تكاد تعد على أصابع اليد الواحدة إنها حالات نادرة , وكانت لديهم من الأسباب الشرعية ما يبرر ذلك , فأبو بكر حينما أصر على قتال المرتّدين مخالفا أهل الشورى كأن مستندا إلى نص شرعي , كذلك حينما سير جيش أسامة كان منفذا لرغبة رسول الله صلى الله عليه وسلم , وبهذا فإن أصحاب هذا الرأي ينتهون بالقول بأن الشورى ملزمة للخليفة ما لم يكن لديه سبب جدّي يحمله على خلاف ذلك .
إلا أنه يعاب على هذا الرأي بأنه يبين متى يلتزم الخليفة برأي المسلمين , ومتى لا يلتزم إذا لم يضعوا ضابطا محددا مما يترك الأمر للخليفة في تحديد ذلك .
في حين نجد أن فريقا ثالثا يؤكد بإلزام الشورى , وإني أيضا أذهب مع هذا الرأي , إذ يقول الدكتور فتحي عبد الكريم , وهو من مؤيدي هذا الرأي : ( أن المفسرين الذين تعرضوا لتفسير آية (( وشاورهم في الأمر )) ومنهم الطبري والقرطبي وغيرهما أن كانوا قد استخلصوا من الآية أن الشورى غير ملزمة , فقد كانوا يقصدون أنها غير ملزمة  للرسول فقط , باعتباره يوحى إليه ويؤيد من الله تعالي , وليس ذلك شأن خلفائه والحكام من بعده , فهي إذن خاصية له عليه الصلاة والسلام , لا يشاركه فيها غيره ويؤيد هذا النظر عبارة الطبري المذكورة , وهي نفس العبارة التي يستخلص منها أصحاب الرأي الأول أن الشورى ملزمة , ومع ملاحظة أن الخطاب موجه إلى الرسول الكريم , والذي يلفت النظر عبارة الطبري ( فأمض لما أمرناك به ) , فإذا كان رأي الرسول في الموافقة هو ما أمره الله به , فمن المنطقي بل من الواجب عليه ألا يلتزم – هو ينطق بما أمره الله به – برأي غالبية المسلمين بل بإجماعهم .
-         إذن فالخطاب في آية (( شاورهم في الأمر , فإذا عزمت فتوكل على الله ) موجه للرسول صلى الله عليه وسلم. وإذا كان الفقهاء قد استخلصوا من الشق الثاني وهو قوله تعالى ( فإذا عزمت فتوكل على الله ) أن الرسول غير مقيد بالشورى ذلك لأنه رسول يوحى إليه وليس ذلك لأحد من بعده , وعلى هذا فلا يصح قياس خلفائه ولا غيرهم من الحكام عليه , بالإضافة إلى ذلك فإن التغير الذي قال به كل من الطبري والقرطبي ليس بالتفسيرين الوحيدين لآية (( شاورهم في الأمر )) , فقد أخرج ابن مردويه عن علي كرم الله وجهه قال : ( سئل رسول الله عن العزم في قوله تعالي : (( وشاروهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله )) فقال :( مشاورة أهل الرأي ثم إتباعهم ) , وهذا يدل بوضوح على أن الحاكم يتعين عليه أن يلتزم برأي أهل الشورى.
أنه رغم ذلك كله نرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالرغم من أن مؤيد بالوحي فإنه قد إلتزم برأي أصحابه في كل الأمور التي استشارهم فيها , إذ نجده في غزوة بدر قد استشار أصحابه , فأشاروا إليه بالخروج لملاقاتهم , فنفذ ذلك , كما نجده أيضا في غزوة بدر قبل التحام الجيشين كانت مشورة الحباب بن المنذر كما تقدم , وكذل في غزوة أحد نزل علي مشورة الأغلبية بالرغم من أنها كانت مخالفة لرأيه , وكما سبق ذكرنا في مشورة المسلمين حينما أتى وفد هوازن تائبين وطالبين أن يرد لهم سبيهم , وقد سبق الكلام عنها . ورأينا في جميع هذه الحالات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد إلتزم برأي أصحابه , فمن باب أولى أن يلتزم خلفاؤه من بعده وسائر حكام المسلمين , أما مسألة مشورة حرب الردة فكان سيدنا أبوبكر يستند إلى نص شرعي , إذ بوجود النص الشرعي لا حاجة إلى شورى , فلولا وجود هذا النص لما رضخ الجميع لرأيه وكذلك بعثة أسامة , فكان يعتمد على أن هذه رغبة رسول الله صلى الله عليه وسلم , ورغبة وإرادة رسول الله يجب أن تنفذ , فلا يحق لأبي بكر أو لجماعة الصحابة مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك تنفيذا لأمر الله عز وجل :(  وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم  الخيرة من أمرهم , ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ) الأحزاب الآية 36 .
 من هنا نرى أن الشورى ملزمة للخليفة , وفي هذا عدل وعدم استبداد بالسلطة ’ إذ أن السلطة تكون في هذه الحالة موضع وسط لا تعسف ولا استبداد  بالرأي , وإنما الشورى بين جماعة المسلمين , وهذا أرقى درجات الحكم .
                                                        الى اللقاء في الحلقة القادمة إنشاء الله 

ليست هناك تعليقات:

تابعني علي التويتر