الحكم بالشريعة الإسلامية فرض على كل حاكم مسلم ( 2):
تكلمنا في الحلقة الماضية وقلنا أن الشريعة الإسلامية
دين ودولة وقد فصلت ذلك في حلقات الربيع
العربي قادم وإلى الربيع الإسلامي هو ذاهب بإذنه تعالى في حوالي أثنين خمسين حلقة
ولا أريد أن أكرر ما قلته سابقا , كما أن
الشريعة الإسلامية هي منهاج حياة واقتصاد , فالاقتصاد الإسلامي يلزمنا أن نتعرف على الفوارق الجوهرية بينه وبين النظم الاقتصادية الوضعية خاصة وأن كثير من الرأسماليين
ينسبون الاقتصاد الرأس مالي إلى
الإسلام , وفي نفس الوقت الاقتصاديون الاشتراكيون ينسبون الاقتصاد الاشتراكي إلى
الإسلام ..ز
وبالطبع هذا غير صحيح . ولقد اعترف بعض الغربيين بعظمة هذا التشريع , إذ وجدوا فيه القدرة على حل المشكلات
التي تعترض عالمنا الحديث , حيث يمكن بموجبه القضاء على المتناقضات القائمة في
النظم الاقتصادية المعاصرة , إذ نجد أن الباحث الفرنسي ( جاك اوستري في كتابه (
الإسلام أما م التطور الاقتصادي ) الذي صدر بالفرنسية عام 1961م يقول : ( ليس هناك
في الحقيقة طريقة وحيدة وضرورية لا بد منها للانتماء الاقتصادي كما تريد أن تقنعنا
به المذاهب القصيرة النظر في النظامين الاقتصاديين المعاصرين حيث ألح على ضرورة
التماس المذهب الثالث ألا هو الإسلام لأنه ليس فرديا ولا جماعيا أي وسط بين الاثنين
أي اشتمل علي أحسن ما في الاثنين ) ودعا إلى ضرورة العودة إلى الإسلام وإلى دراسة
قواه الكامنة فيه ثم قال بأن الإسلام يتمتع بإمكانيات عظيمة وأنه يستطيع أن يتغلب
على جميع الصعوبات الاقتصادية التي يقف الاقتصاد الحديث عاجز عن معالجتها .
ولقد حذر هذا العالم الفرنسي المسلمين بقول : ( إذا لم
يأخذوا بالنظام الإسلامي فسوف يجبرون على قبول تغيرات غير سليمة في أنظمتهم
الأساسية وذلك نتيجة لإتباع منهج من الاقتصاد مفروض عليهم , وفي هذه الحالة
يقضي على الإسلام كمنهج حضاري مستقل ).
وأنا أريد أن أقول أنه يقضي على اقتصاد البلاد ككل , كما
أود أن اذكر كيف وأن حكومة رسول الله صلى
الله عليه وسلم كانت فقيرة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤاخي بين المهاجرين
والأنصار وأنه نتيجة لتطبيق تعاليم
ومبادئ الاقتصاد الإسلامي على الجميع في
الدولة الإسلامية أثرت الدولة والأفراد ثراء كبير , حتى بلغ قيمة الفرس الواحد
أكثر من مائة ألف درهم وأن الصحابة أضحوا يكسرون الذهب بالفؤوس , أمثال عبد الرحمن
بن عوف رضي الله عنه , وعثمان بن عفان وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم أجمعين .
ورأينا كيف أن
المملكة العربية السعودية بتطبيقها تعاليم الشريعة الإسلامية , وتطبيق مبادئ
الاقتصاد الإسلامي في نشاطها الاقتصادي أضحت الدولة الأولى في المنطقة تقدما ,
والدولة الأقوى اقتصادا , فقد هباها الله
بثروات طبيعية كالبترول والمعادن , وكثير
من الدول المجاورة لها لديها ثروات زراعية طائلة بالإضافة إلى الثروات البترولية
والمعدنية , فلنأخذ العراق مثلا فهو معروف منذ قدمه بثروته الزراعية الكبيرة , وأن
الدولة الإسلامية كانت تعتمد على خراجه اعتمادا كبيرا في ميزانيتها لمواجهة مصاريف الجيوش التي كانت تحتاجها
الفتوح الإسلامية . وبلغ ما جمعه عمر بن الخطاب رضي الله عنه أكثر من مائة عشرين
مليون درهم من خراج العراق , وأن عمر بن عبد العزيز جمع مائة مليون , وقال : إن
أطال الله في بقائي سأجمعه كما جمعه بن الخطاب , وأن الحجاج بن يوسف وبالرغم من
المشاريع الزراعية الكبيرة التي أقامها في العراق من عمل قنوات صرف للبطائح في شط
العرب , وشق قنوات ري وإقامة السدود , فإنه لم يجمع خراجها أكثر من 18 مليون درهم
, أي أنه لم يستطع جمع ربع ما جمعه
الخليفة عمر بن عبد العزيز .
فالحجاج يعتبر جائر إذا ما قيس بعدل عمر بن الخطاب وعمر
بن عبد العزيز , ولكن يعتبر من أكبر العادلين إذا ما قيس بدكتاتورية بعض حكام
اليوم وجبروتهم وظلمهم وتعسفهم وعدم
خوفهم من الله , فكيف يكون حال اقتصاد
بلدانهم , وكما عرفنا فإن الإسلام يرجع أساس المشكلة الاقتصادية إلي الظلم وأني اعتقد
أنه لا يوجد ظلم على وجه الأرض يعادل ظلم نهب أموال الناس . إن الظلم الذي كان ولا
يزال يشهده العراق إلى اليوم بعد أن أحتلها هذا اللعين لا يستطيع أن أصفه
مهما أوتيت من قوة في البيان والتعبير ,
فكيف يمكن لدولة أن يكون اقتصادها قوي وفيها مثل هذا الظلم . فالعراق يعد من أغني
دول العالم الإسلامي قاطبة , إذ يجمع بين الثروات الزراعية والبترولية والمعدنية و
لكن ماذا نجد فيه ؟ نجد فيه فقر وشعب مكبلا بالديون لمعظم دول العالم المتقدم
ناهيك عن قروضه من دول الخليج .
انظروا إلى دول العالم الإسلامي , فإن جميع دوله تعد من
أغنى دول العالم إقتصادا إذ يمتاز معظمها بوجود البترول فيها إلى جانب المعادن
وتوفر الزراعة بها ولكن للأسف الشديد كيف نجد دخل الأفراد في هذه الدول , إن دخل الأفراد يعتبر من الدول الفقيرة ما عدا دول الخليج
العربي والسبب في ذلك يرجع إلى تطبيق الاشتراكية وتأميم أموال الناس
والاستيلاء عليها ظلما وعدوانا , وأنا هنا
لا أريد أن اذكر دولا بعينها وأورد إحصائيات
تكشف حال دخل الفرد فيها , وإنما
أحب أن ألفت الانتباه إلى أن أسباب المشكلة يرجع أولا إلى تركهم تطبيق شرع الله
وثانيا إلى إدخال نظم إلى بلدانهم ثبت فشلها عند من ابتكروها . فهذه روسيا قد
أعلنت فشل نظامها الاقتصادي , وأخذت تتراجع عنه وأخذت إلى تطبيق نظام الاقتصاد
الحر , بل بدأت في تنفيذه وللأسف الشديد نجد أن كثير من الأحزاب في عالمنا
الإسلامي متمسكين بالاشتراكية , ويريدون أن يطبقوا نظام ابتدعوه أطلقوا عليه نظام
توزيع الثروات , أي أنهم يريدون بهذه النظرية أن يقضوا علي اقتصاد بقية الدول
الإسلامية التي تعتبر اليوم هي واجهة العالم الإسلامي , وهي الدول التي تمد جميع
دول العالم الإسلامي بالمعونات .
فالمملكة العربية السعودية مثلا تعتبر من أولى الدول
التي تقدم المساعدات للدول الخارجية وخاصة الدول الإسلامية , إذ لم تترك دولة
إسلامية وإلا ومعوناتها قد وصلت إليها سواء كان عن طريق الحكومة أو عن طريق الجمعيات الخيرية , إذ نجد أن هذه
المعونات كانت ولا تزال توزع وبكميات وفيرة وكافية , فما أن تصيب أي وطن إسلامي
كارثة إلا وهب خادم الحرمين لنجدته . هذا عن مجمل مفهوم الاقتصاد الإسلامي , ودعنا
الآن نتعرف علي مفهوم التخطيط في الإسلام .
فقد يعتقد بعض الناس أن
الإسلام لا يقر التخطيط باعتباره يعالج
أمور تقع في المستقبل , وأن المستقبل في علم الغيب الذي ينفرد به الحق سبحانه
وتعالى , وهذا اعتقاد غير صحيح , ذلك لأن التخطيط يعتبر جزءا من العمل الذي حض
عليه الإسلام , قال تعالى : ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون
وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعلمون ) سورة التوبة آية
10 وقال تعالى :(( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ
نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا
تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ )) سورة القصص آية 77 . وفي الأثر عن على : ( أعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا وأعمل
لآخرتك كأنك تموت غدا ) ز
لذا نجد أن كثير من المفكرين في حقل الإدارة الإسلامية
اعتبروا التخطيط فريضة إيمانية , ذلك لأن التقدير نابع أساسا من التفكير بل إن
التفكير هو عماد التخطيط , والفكر مصدر المعرفة , والمعرفة أساس السلوك السوي في
علاقة الإنسان بالخالق والمخلوق .
لذا نجد أن كثير من المفكرين المسلمين اهتموا بالتفكير
واعتبروه فريضة إسلامية , ومن هنا يمكننا القول بأن التخطيط السليم المبني على
التفكير يعتبر فريضة إسلامية , وأنا أرى أنه لا يوجد تخطيط إسلامي وتخطيط غير
إسلامي , وإنما يوجد تخطيط خاضع للتعاليم الإسلامية ومنفذا لها , لأن التخطيط يهدف
إلى صالح الأمة , وفي حدود ما أحل الله
وما حرمه , ليكون تخطيطا سليما يخضع للتعاليم الإسلامية , فهو لا يهدف إلى معاداة
دولة مسلمة أو محاربة الإسلام أو تعاليمه
, أو التقليل من بيوت الله , أو محاربة
المناهج الدينية والتقليل من مستواها في
الجامعات أو المدارس , أو محاربة القرآن ومحاولة الحد من المدارس الدينية وما إلى
ذلك مما نجده اليوم منتشرا , وللأسف كان منتشرا في كثير من الدول الإسلامية عند
وضع الخطط القومية الشاملة لها .
إذ لا نجدها تحوي في مضمون أهدافها إلا القضاء على
الإسلام , ذلك لأن الغالبية العظمي نجدها
مطبقة قوانين وضعية في نظم حكمها وفي دساتيرها الحديثة وغيرها , وجميع
تنظيم أمورها الحياتية .
وكذلك حينما خططوا لوضع المناهج التعليمية نجدهم أخذوا يقضون على المناهج الدينية تدريجيا
حتى أضحت عبارة عن مناهج رمزية لا يستطيع الفرد
من خلال دراستها أن يميز الحلال من الحرام , وأن يفهم دينه على الوجه
المطلوب , بل نجدهم وضعوا كثيرا من المناهج التي تكيل المديح للاشتراكية والشيوعية , حتى إن بعض واضعي المناهج سابقا
يزعم أن الاشتراكية من الإسلام , إذ يحاولون بشتى المسائل أن يضللوا شبابنا ,
وكانوا يؤصلوا حب الاشتراكية والشيوعية في نفوسهم
منذ نعومة أظافرهم , هذا بالإضافة إلى أن كثير من الخطط القومية تضع في
أهدافها الاعتماد علي الضرائب المفروضة على صناعة الخمور وعلى المسارح وصالات
القمار وعلى أماكن البغاء .
وبالطبع تخطيط يبني علي هذه الأسس والأهداف يكون
تخطيطا مخالفا للإسلام , ولا تقره الشريعة
الإسلامية , أما إذا كان التخطيط يهدف إلى تقوية الدولة والعمل علي رفع مستوى
معيشة المواطنين نجد أن الإسلام يقره بل يحتم على الدولة التدخل في تنظيم هذا
التخطيط , ذلك لأن الدولة في نشاطها لا
تقتصر على تأدية الخدمات التقليدية من دفاع ضد الاعتداء الخارجي فقط وحفظ الأمن
الداخلي مع عدم التدخل في النظام الإداري , والنشاط الاقتصادي وتركه للأفراد
والاكتفاء بحماية أوضاع الأفراد أيا كانت هذه الأوضاع ذلك لأن الإسلام لا يعترف بفكرة الدولة الحارسة إذ
يقول نبي الإسلام الرسول صلى الله وعليه وسلم : ( من ولاه الله شيئا من أمر
المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم
القيامة ) .
ومن هنا نفهم أن الدولة مسئولة عن سد احتياجات
المواطنين الاقتصادية والتغلب عليها كما
ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله : ( كيلو طعامكم يبارك لكم فيه ) . وهذا
يعتبر توجيها للدولة بتخطيط الاستهلاك .
وكذلك نجد
أن الرسول صلى الله عليه وسلم حينما اشتكى
قوم له مشكلة عدم كفاية المنتجات وسرعة
فناء طعامهم فقال لهم : ( أتكيلون أم تهيلون , فقالوا : بل نهيل , قال لهم
كيلوا ولا تهيلوا ) ومن هنا نرى تدخل الرسول صلى الله عليه وسلم موضحا السياسة
الرشيدة لمجابهة هذا الموقف , إذ وضع لهم كيفية
مجابهة الموقف بالتخطيط , وأن يكون
الصرف على أساس تقدير دقيق بعيدا عن الارتجال .
كما نجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم أول عمل قام به
بعد بناء مسجده في المدينة هو تخطيط سوق المدينة وتنظيمه .
وقال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه إبان خلافته ( إن
الله قد استخلفنا على عباده لنسد جوعتهم ونستر عورتهم ونوفر لهم عرضهم ).
ومن هنا نلمس مدى مسؤولية الدولة عن توفير العمل للأفراد
وسد احتياجاتهم الاقتصادية وهذا لا يتم
إلا عن طريق التدخل الإيجابي والتخطيط السليم .
يقول سيدنا علي بن أبي طالب رضي عنه لنائبه حاكم مصر الأشتر
النخعي في خطابه له : ( ليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب
الخراج ) ويقول أيضا ( ولكل على الوالي
بقدر ما يصلحه ) .
وهنا نلمس أن توجيهات الدولة مطالبة بالنظر في شؤون
عمارة الأرض , والعمل على التخطيط لها حتى تتحقق التنمية التي يتم بها التوفير لكل
فرد ما يصلح حاله , ومن هنا ندرك مدى مسؤولية الدولة في التدخل والقيام بالتخطيط
اللازم لها , إذ نجد أن الإمام الماوردي يقول : ( إن مسؤولية الحاكم عمارة البلدان
باعتماد مصالحها وتهذيب سبلها ومسالكها ).
ويقول القاضي أبو يوسف لهارون الرشيد : ( واعمل بما ترى أنه أصلح للمسلمين , وأعم
نفعا لخاصتهم وعامتهم ).
ومن هنا ندرك أن رسم الخطط السياسات ووضع الأهداف
اللازمة هو من اختصاص الدولة .
وإلى اللقاء بالحلقة القادمة إن شاء الله
سامي زين العابدين حماد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق