الخميس، 27 ديسمبر 2012

الحكم بالشريعة الإسلامية فرض على كل حاكم مسلم (3)



الحكم بالشريعة الإسلامية فرض على كل حاكم مسلم (3)

تكلمنا في الحلقة الماضية عن مفهوم التخطيط في الإسلام وسوف نتكلم في هذه الحلقة وما يليها من حلقات عن تدخل الدولة في التخطيط , ففي ظل الاقتصاد الإسلامي نجد أن الدولة لها دور يأخذ بالاتساع والشمول يغطي جوانب النشاط الاقتصادي والاجتماعي والسياسي , وإن أهدافها و وظائفها  ترتبط ارتباطا وثيقا بنشاطها المالي لتشبع الحاجات العامة , لذا كان دورها هاما في الحياة الاقتصادية وبالتالي تدخلها في اقتصاديات البلاد ومراعاتها للظروف المتجددة للمجتمع الإسلامي وخدمة المصالح الحقيقية  منه لضمان التكامل الاجتماعي والتقدم والرفاهية لتحقيق أكبر إشباع  ممكن للأفراد في ظل قيم هذا المجتمع  ومن هنا ندرك أن وظائف الدولة في الإسلام ليست واجبات سياسية فقط  أو للحماية بل أن وظائفها تقوم بواجبات اجتماعية واقتصادية وثقافية إلى جانب واجباتها الدينية .
ومن هنا ندرك أن الدولة الإسلامية ليس هدفها فقط حماية الأفراد وملكيتهم والقيام بالخدمات الأساسية اللازمة لازدهار اقتصادها كالأمن الداخلي والدفاع الخارجي وتزويد الاقتصاد القومي بالخدمات الأساسية كإنشاء الطرق وحفر الترع وشق القنوات وصيانتها , بل هدفها هو إقامة مجتمع مستقر متكامل يرسم التشريع الإسلامي إطاره العام , والدولة تعمل في حدود هذا الإطار

العنصر البشري :-

ومما لا شك فيه أن الإنسان هو عصب التنمية بل أن الهدف أصبح تنمية الإنسان وما التنمية في الفكر المعاصر إلا جانبا من جوانب التنمية الإنسانية , وكما أن الهدف من التنمية هو في الوقت نفسه صانع التنمية , إذ على جهوده وطاقاته تتوقف التنمية ومواردها , وبهذا فإن المجهود البشري هو ركيزة أساسية  من ركائز التنمية , وبهذا فإننا سنتعرف على دور العنصر البشري , والكفاية الإنتاجية , والعنصر البشري من حيث الحجم .

دور العنصر البشري :-

 ومعروف لدينا أن العنصر البشري له دور فعال في العمل , لذا فإنه لزاما علينا أن نتعرف علي موقف الإسلام من البطالة و الضوابط الإسلامية للعمل . ويقصد بالعمل الاقتصادي بذل الجهد بقصد الاكتساب . والجهد يشمل الجهد الجسماني والجهد الذهني , والاكتساب هو الحصول علي الدخل النقدي أو العيني , سواء كان العمل لذات الفرد أو الآخر بعائد محدود أو غير محدود .
ومما يجدر ذكره أن مجال الدراسة للعمل هو الإنسان القادر على العمل وليس غير القادر , وبهذا سنتناول ما يعرف بقوة العمل , ومن هذا المنطلق نجد أن الإسلام يقرر أن العمل الاقتصادي فرض من جانب , وحق من جانب آخر , ولم يكتف بهذا الموقف بل أعتبر الدولة مسئولة  عن تنفيذ هذا المطلب وتوجد نصوص كثيرة تؤيد هذا المبدأ.
قال تعالى: (( هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور )) سورة الملك آية 15 . وقال تعالى : (( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله )) .سورة الجمعة آية 10 . وقال تعالى : (( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله المؤمنون )) سورة التوبة آية 105 .
ويقول صلى الله عليه وسلم : ( طلب الحلال واجب على كل مسلم ) . والعمل في نظر الإسلام هو بذل الجهد الإنساني لخدمة المجتمع الإسلامي سواء كان هذا الجهد بدنيا أو ذهنيا  , ويحرص على رسم معالم استغلاله بمختلف الوسائل , ويقرر أن كل من يستغل طاقاته في ميدان مشروع يعتبر عاملا أيا ً كانت مرتبته الاجتماعية  , كما لا يكفي أن ينتج العمل السلع والخدمات , بل يجب أن تفوق هذه السلع  والخدمات قيمة الجهد المبذول في إنتاجها .
ومن هنا ندرك أن العمل المنظم ليس بالجهد الذي يبذل كيفما أتفق ولكنه الجهد المبذول في إطار نظام معين وفقا لفن مهني متعارف عليه , والذي يؤدي في النهاية إلى خلق ناتج إضافي أو سلع وخدمات تتجاوز في قيمتها قيمة الجهد المنظم والعناصر المادية الأخرى التي استخدمت في إنتاجها .
ولقد أبرز الفقهاء صفة العمل التي تتفرع كثير من أحكامه هذه الصفة هي جانبه الاجتماعي , وتعلق مصالح الناس به  إيجابي من جهة حاجة المجتمع إلى كثير من الأعمال , وسلبا من جهة تقر المجتمع من الأعمال السيئة , ولهذا كان بعض الأعمال فرض كفاية في حكم الإسلام , أي هي أعمال الحاجة إليها إلى حد الضرورة , وهذا يجب أن يتحمله المجتمع كله باعتباره  وحدة متضامنة ومسؤوليته قيام هذه الأعمال فيه.
وهناك أعمال يشتد الضرر بوجودها ويجب أن تكافح وتمنع من الدولة باعتبارها  منكرا , وذلك في حالة عدم اقتناع  الأفراد بدافع التقوى وحافز التربية الشخصي من القيام بها إلى جانب تنظيم الجوانب الأخرى للعمل كتحديد الأجور فرع من هذا الأصل الأمر الذي أعطى بصفته الاجتماعية  للعمل ومن هنا ينظر إلى تدخل السلطة للتنظيم في ميدان العمل .

أنواع العمل :-
وتكاد تنحصر وجوه العمل في ثلاثة أصول هي الزراعة , والصناعة , والتجارة , وعليها يقوم الكيان الاقتصادي , وترتبط هذه الأصول بعضها في بعض , وفي ذلك يقول ابن خلدون : ( أما الفلاحة والصناعة والتجارة فهي وجوه طبيعية  للمعاش ) وبمقدار ما يبذله الإنسان من عمل وما يقدمه من جهد يكون نصيبه من الحياة أفضل , ويكون حظه من السعادة أوفر ,لذلك كانت قيمة الإنسان في أن يعمل , وكانت قيمة العمل فيما يترتب عليه من ثمره ونفع للفرد والمجتمع  , ومن أجل ذلك كله كان العمل و المال ضرورتين  من ضرورات الحياة الإنسانية , بل ودعامتين قويتين من دعائم الرقي الحضاري والازدهار والتقدم لأي مجتمع من المجتمعات  , فليس بغريب أن يهتم الإسلام بالعمل والعاملين فجعل الله الأرض بكل ما فيها مهيأة لبذل النشاط ومسخرة لصالح الإنسان وسعادته على أن يبذل جهده ويستغل طاقته في استخدامها  والانتفاع بخيراتها  , ليكون العمل منظما حتى يأتي بإنتاجيته المطلوبة , فقد نبه فقهاء المسلمين أمثال ابن خلدون بضرورة حسن توزيع العمل على من هو أهل له , وبالإمكان إضافة نوع رابع  هو العمل ضمن تقديم الخدمات العامة بالدولة والدفاع والأمن  .

ضمانات القيام بالعمل :-
إن الإسلام لم يكتف بالقول بأن العمل الاقتصادي فرض على القادر وحق له , بل أوجد الحافز الديني حيث مزج توجيهاته الاقتصادية بالعقيدة كي يغرس في الفرد الإيمان بممارسة العمل الاقتصادي وفي هذا يجد أنه يتقرب إلى  الله ويعبده , وبهذا فإنه ليس أثر ثمرة اقتصادية  فقط وإنما  إلى جانب ذلك ثواب من الله تعالى , إذ نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (من أحيا أرض ميتة فله أجره ) . ويقول : ( كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت  ) , ويقول أيضا صلى الله عليه وسلم :( ما من مسلم يغرس غرس  أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان إلا كان له صدقة ) . ويقول :  ( من نصب شجرة فصبر على حفظها والقيام عليها حتى تثمر كان له بكل شيء يصاب من ثمرها صدقة عند الله عز وجل ) .
وبهذا فإن الإسلام يتفاعل مع التنمية الزراعية لا لمجرد تحقيق كسب دنيوي ولكن طمعا في الثواب الأخروي .
وفي الصناعة يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( خير الكسب الصانع  إذا نصح  ) . فالصناعة أفضل مصدر لكسب العمل في الإسلام إذ يكمن فيها التقدم الحقيقي للشعوب والدول .
وفي التجارة نجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم سمى بالمشتغلين بها لمصاف الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين , وذلك في حالة التزامهم  بالصدق في ممارستها حيث يقول :( التاجر الصدوق مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ) .كما نجده يؤكد أهميتها كمصدر رئيسي للربح وفي ذلك يقول : ( تسعة أعشار الزرق في التجارة ) .
ومن هنا ندرك أن العمل في المفهوم الإسلامي يتضمن أنماطا رئيسية يمكن أجمالها فيما يلي :-
-         العمل إلتزام عام :-
 وفي هذا نجد أن الإسلام يفرض علي  جميع معتنقيه  العمل الصالح المحقق لخيرهم وتقدمهم أفرادا وجماعات , وجعل سعيهم في هذا السبيل أساسا لتقييمهم وتحديد مسؤولية وجزاء كل منهم ثوابا أو عقابا تحت رقابة ومتابعة دقيقة من عند الله سبحانه وتعالى . ويقول سبحانه وتعالى : ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ) سورة التوبة آية 105 ويخاطب الله جل جلاله رسوله بقوله : (( فإذا فرغت فأنصب )) . أي خذ في عمل آخر وأنصب فيه فإنك تجد لفترة الراحة عقب النصب بما تجنيه من ثمرة العمل , وهذه دعوة إلى العمل الدؤوب دون الركون إلى خمول أو كسل.

وجوب مداومة العمل :-
يعتبر العمل أحد مصادر النماء لذا فإن الإسلام قد قرر وجوب مداومة الإنتاج والاستثمار حتى أنه يرى أن التوقف يضر بالمجتمع , وقد جعل لولي الأمر التدخل لوضع الأمور في نصابها وإعداد الكفايات اللازمة بالأعمال الضرورية , وإجبار الأفراد على القيام بهذه الأعمال وذلك عن طريق التوجيه والإشراف والتخطيط لإعداد المختصين  في مختلف الميادين .
كما نجد أن العمل في غير ما هو محرم حق من حقوق الإنسان , بل في بعض الأحيان نجده واجبا حتميا , وذلك في كسب ما يحتاج إليه للنفقة بها على نفسه وعلى من تجب عليه نفقته , وما عبر عنه بفرض كفاية فهذا بالنسبة للمجتمع ككل , أي تقع مسئولية  القيام به على جميع المجتمع حتى يقوم به من هو قادر عليه , مثلا كمهنة الطب وصناعة الخبز والملابس والبناء والخ .
 وفي ذلك قال ابن تيمية  : ( قال غير واحد من أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل وأبي حامد الغزالي وأبي الفرج الجوزي وغيرهم , إن هذه الصناعات كالفلاحة والنساجة والبناية فرض على كفاية , فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بها ) . وقال : ( إن هذه الأعمال التي هي فرض على كفاية حتى لم يقم بها غير الإنسان صارت فرض عين عليه لاسيما إن غيره عاجز عنها ) . وقال أيضا : ( كما إذا احتاج الجند المرصودون للجهاد إلى فلاحة أرضهم ألزم من صناعة  الفلاحة أن يصنعها  لهم فإن الجند يلزمون بأن لا يظلموا الفلاح , كما ألزم الفلاح أن يفلح للجند 
                                      الى اللقاء في الحلقة القادمة إنشاء الله
                                      سامي زين العابدين حماد

ليست هناك تعليقات:

تابعني علي التويتر