الحكم
بالشريعة الإسلامية فرض علي كل حاكم مسلم 4
تكلمنا
في الحلقات السابقة أن الشريعة الإسلامية دين ودولة ونظم حياة ولا تقتصر على العبادات فقط وتكلمنا في حلقات
الربيع العربي قادم وإلى الربيع الإسلامي هو ذاهب بإذنه تعالى في اثنين وخمسين
حلقة وشرحنا كيف أن الإسلام دين ودولة , وتكلمنا في الحلقتين السابقتين عن النظام الاقتصادي
في الإسلام وتوقفنا عند الكلام عن شرح العمل وأنه في الاقتصاد الإسلامي وفي هذه
الحلقة دعنا نتعرف علي وجوب إتباع أرقى وأحدث الأساليب العملية في الإنتاج .
إن تعاليم الإسلام تحتم علي كل من يباشر عملا أن
يتقنه ويحسنه وأن يخلص النية فيه , فإتقان العمل قد حببه إلينا رسول الله صلى الله
عليه وسلم بقوله : ( إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملا أن يتقنه ) . ويقول الله
عز وجل لكي يحث كل فرد أن يتقن عمله : (( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها
)) سورة الإسراء آية 7 . أما إخلاص النية فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
: ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ
ما نوى ) .
وبهذا
فإن التقنية الحديثة قد اكتشفت أساليب جديدة في الإنتاج تؤدي زيادته , وزيادة
إتقان في السلعة أو تحسينها فيكون واجب
المسلم أن يستنير بهذا العلم في كل ما يباشره من عمل , ذلك لأن الإسلام حث علي طلب
العلم والزيادة في المعرفة , كما عنى أكبر عناية بالبحث والتدبر في معالم الكون
وفي آيات قدرة الخالق القدير . يعنى البحث والتجربة والدرس , حتى يتم الكشف عن
أسرار هذا الكون الذي سخر للإنسان كل ما فيه , وبهذا فإن من واجبنا إتقان منتجاتنا
وتحسينها , وهذا لا يتأتى إلا بالتجربة والبحث العلمي حتى نتوصل إلى كل جديد .
وعبارة
العمل الصالح نجدها مكررة في الآيات القرآنية الكريمة , وتحسين الإنتاج وتطويره لا
يخرج عن كونه عملا صالحا , ومن هنا ندرك أن الإسلام يفضل الارتقاء بالإنتاج وأساليبه
سواء كان ميكنة أو إدارة
مراقبة
الأعمال ومنع الضار منها :-
لقد أوجب
الإسلام وكما ذكرت في حلقة سابقة جميع
أنشطة الحياة سواء كانت دينية أو دنيوية وقد بينت أن الإسلام شدد في مراقبة
نشاط الإنسان ووضع المعايير لذلك , فتعاليم الشريعة السمحاء بينت الحلال والحرام
سواء كان في العبادات أو في النشاط الاقتصادي
سواء كان زراعيا أو صناعيا أو تجاريا , وكذلك أيضا شدد علي مراقبة موظفي
الدولة , ولقد مر بنا كيف كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يشدد المراقبة علي ولاته
وكيف كان شديد المحاسبة لهم .
تحديد الأجور
والتدخل في سوق العمل :-
وبالرغم من أن عقود العمل حرة بين صاحب العمل
والعامل إلا أن هناك حالات تطرق إليها العلماء تستوجب تدخل الدولة الإسلامية وفقا
للنظام , كحالات اشتداد احتياج الناس إلى نوع معين من الأعمال يقل فيها عدد
العاملين فيه , كما يجب تدخل الدولة حينما يقع الظلم والجور علي العمال من أصحاب
العمل , أو وقوع الظلم علي أي من الطرفين .
تأثير
العمل على موارد الدولة ونفقاتها :-
نجد أن
الزكاة تحض على العمل والاستثمار ذلك لأن
النقود تجب فيه الزكاة حتى ولو كانت لا تعمل , وهذا يعني أن الزكاة سوف
تأكلها ويجب على الفرد تنميتها , ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (
اتجروا في مال اليتيم حتى لا تأكله الزكاة
) . كما حذر الله عز وجل الذين يكنزون الذهب والفضة ويمنعونها عن العمل والاستثمار
بالعذاب يوم القيامة حيث قال : (( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في
سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم * يوم يحمى عليها
في نار جهنم فتكوى بها جباهم وجنوبهم
وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا
ما كنتم تكنزون )) سورة التوبة آية 34 , 35 .
ومن هنا
ندرك حرص الإسلام علي استثمار الفائض من الأموال .
تقسيم
العمل والتضامن لزيادة الإنتاج :-
لقد
لمسنا وعرفنا كيف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم العمل الإداري بين صحابته
في كل من ديوان الإنشاء , حيث كان يضم أكثر من أربعين كاتب , كذلك ديوان الجند ,
وديوان بيت المال , وكيف كان الرسول عليه الصلاة و السلام يحث أصحابه على الإنفاق
والتعاون حيث يقول : ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا
اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) .
كما نجد
المفكر الإسلامي ابن خلدون قال : ( أن قدرة الواحد من البشر قاصرة على تحصيل حاجته
من ذلك الغذاء وغير موفية له بمادة حياته منه , ولو فرضنا منه أقل ما يمكن فرضه
وهو قوت يوم من الحنطة مثلا فلا يحصل إلا بعلاج كثير من الطحن والعجن والطبخ , وكل
واحد من هذه الأعمال الثلاثة يحتاج إلى مواعين وآلات ولا تنتج إلا بصناعات متعددة
من حداد ونجار وفاخوري , وهب أن يأكله حب من غير علاج فهو أيضا يحتاج في تحصيله
إلى أعمال أخرى أكثر من هذه ,الزراعة والحصاد والدراس ويحتاج كل هذه الأعمال إلى آلات متعددة وصنائع أكثر من الأولى بكثير , ويستحيل أن تفي بذلك
كله أو ببعضه قدرة الواحد , فلا بد من اجتماع
القدر الكثير من أبناء جنسه ليحصل له ولهم ويحصل بالتعاون قدر الكفاية من
الحاجة لأكثر منهم بأضعاف وكذلك يحتاج كل واحد منهم أيضا في الدفاع عن نفسه إلى
الاستعانة بأبناء جنسه .
الكفاية
الإنتاجية للعمل :-
لقد وردت نصوص كثيرة في الكفاية الإنتاجية للعمل
منها قوله تعالى : ((يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ
إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ )) سورة القصص آية 26 , ويقول
تعالى : (( قال عفريت من الجن أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ
وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ)) . سورة النمل آية 29 . ويقول تعالى : (( وقال الملك ائتوني
به استخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين )) . سورة يوسف آية 54
, ويقول تعالى : (( ذي قوة عند ذي العرش مكين )) سورة التكوير آية 20 . ويقول صلى
الله عليه وسلم لأبي ذر عندما طلب منه أن
يوليه عملا : ( إنك ضعيف وإنها أمانة ) .
ويقول سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله وعنه: ( وما
كان يحضرنا باشرناه بأنفسنا وما غاب عنا وليناه أهل القوة والأمانة ) . وقال ابن
تيمية : ( ينبغي أن يعرض الأصلح في كل منصب فإن الولاية لها ركنان القوة والأمانة ) . ومما تقدم يتضح لنا
أن المقومات التي يتطلبها الإسلام في الشخص لتأدية عمل ما , هي القوة والأمانة , وعدم توافرها
يعتبر تقصيرا في حق الإنتاجية . والقوة تختلف في مضمونها من مجال لآخر , وفي هذا
المعنى يقول ابن تيمية : ( والقوة في كل
ولاية بحسبها , فالقوة في إمارة الحرب
ترجع إلى شجاعة القلب وإلى الخبرة بالحروب
, والمخادعة فيها , فإن الحرب خدعة , وإلى القدرة على أنواع القتال من رمى وطعن
وضرب وركوب وكر وفر ونحو ذلك , والقوة في
الحكم بين الناس ترجع إلى العلم بالعدل الذي جعل عليه الكتاب والسنة , و إلى
القدرة في تنفيذ الأحكام ) . ومن هنا ندرك أن القوة تحتاج إلى كفاية علمية ,
وتوافر الكفاية الصحية حتى يكون الفرد قادرا جسمانيا على التعامل مع العمل المكلف
به .
أما
الأمانة فقد وضحها ابن تيمية بقوله :(
والأمانة ترجع إلى خشية الله وأن لا يشتري بأمانته ثمنا قليلا وترك خشية الناس ) .
وبهذا فإن الأمانة كما فسرها شيخ الإسلام هي خشية الله و عدم التضحية بأي مبدأ من
مبادئ الدين تحت أي إغراء , حيث أن أي إغراء يعد قليلا بجوار ما يضحى به , وأن
يعمل الحق لذات الحق له .
مكانة العلم لدى الإسلام : -
لقد ذكرت
مادة العلم وتكررت حوالي 880 مرة في القرآن الكريم , وقل ما يحدث ذلك لمادة
أخرى , كما اعتبر تحصيل العلم والمعرفة
فرضا على كل إنسان , يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( طلب العلم فريضة على كل
مسلم ومسلمة ) . ويقول جل شأنه : (( فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) سورة الأنبياء آية 7 . ويقول تعالى : (( وما
كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من
كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا لعلهم يحذرون ))
سورة التوبة آية 122. ومن هنا ندرك أن الآية جمعت بين وجوب طلب العلم من ناحية, ووجوب عرضه من ناحية أخرى , وقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار
يوم القيامة ) .
مكانة
العلوم المادية لدى الإسلام :-
إن كلمة
العلم في النصوص الإسلامية جاءت مطلقة بلا تقييد بنوع معين من العلم , لذا فإنها
تشمل سائر العلوم , ولا سيما أن خاصية الدراسة الإحصائية للقرآن توضح أن معظم ما ذكر عن العلم جاء في
سياق الكلام عن الكون وموارده , وهذا دليل واضح بأن يعمل الإنسان فكره وعلمه في
تلك المجالات ويقول الحق تعالى : (( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به
ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود * ومن
الناس والدواب والأنعم مختلف ألوانه كذلك
إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور )) سورة فاطر الآية 27 / 28 ,
ومن هنا ندرك أن دراسة علوم الزراعة والري والجيولوجيا والتعدين وعلوم الإنسان والحيوان هي من العلوم
التي توصل إلى خشية الله , وذلك يقود إلى طريق التعرف على خالقها , يقول الله
تعالى : (( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف
بربك أنه على كل شئ شهيد )) . سورة فصلت آية 53. فإن آيات الله ظاهرة في الكون
وموارده وفي الإنسان , وعلى الإنسان أن
يتعرف على كل ذلك عن طريق مختلف العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية .
وإلى اللقاء في الحلقة القادمة
إن شاء الله
سامي زين العابدين حماد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق