الحكم بالشريعة الإسلامية فرض علي كل حاكم مسلم
(5):
تكلمنا
في الحلقات الماضية عن مبادئ التخطيط الاقتصادي في الشريعة الإسلامية وسوف نواصل
الحديث عن هذا المبدأ في هذه الحلقة و الحلقات القادمة ونخص بالذكر
في هذه الحلقة التخطيط للتنمية البشرية في
الشريعة الإسلامية وأخص بالذكر التعليم .
فمن
مبادئ المنهج الإسلامي في التعليم التخصص العلمي القائم علي أسس موضوعية , ونرى
الإمام الشاطبي تكلم في هذا الموضوع موضحا إن تعليم النشء يبدأ عادة بمرحلة عامة
حيث يدرس فيها مختلف المعارف ويكون الهدف
منها التعرف على ميول الطفل واتجاهاته , ثم تأتي مرحلة يتجه منها الطفل إلى نوع من
التخصص في مجال ظهرت عليه بوادر الميول , ثم مرحلة التخصص الدقيقة حيث يجب توجيه
الطالب إلى ما ظهر تفوقه فيه وميوله إليه
وعلى المعلمين والدولة مراعاة هذه الميول وتنميتها , وفي ذلك يقول الشاطبي : (
وبذلك يتربى لكل ما هو فرض الكفاية قوم لأنه سير أولا في طريق مشترك فحيث وقف
السائر وعجز عن السير فقد وقف في مرتبة محتاج إليها في الجملة , وإن كان به قوة
زاد في السير إلى أن يصل إلى أقصى الغايات في المفروضات الكفائية فبذلك تستقم أحوال الدنيا وأعمال الآخرة ).
التنمية
العلمية المستمرة :-
إن
الإسلام لا يهتم بالعلم فقط وإنما يهتم أيضا بمداومة طلبه والاستمرار فيه , إذ
أقام دعائم هذا المطلب الإسلامي على ركيزتين :-
الأولي
: آفاق العلم , والمقصود بها مدى قابلية العلم للنماء والزيادة ونجد توضيحا لذلك في هاتين الآيتين , يقول الله تعالى : (( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا )) سورة الإسراء آية
85 وقوله تعالى : (( وقل ربي زدني علما ))
سورة طه آية 114 .
وهذا يعني أن علم الإنسان مهما كان فهو قليل إذا
ما قيس بالإمكانيات العلمية , وبهذا فإننا مطالبون بأن نواصل ونطلب من الله أن
يزيدنا علما ، ويجب أن نأخذ بالأسباب حيث نتخذ كافة الوسائل لتنمية معرفتنا فإن من
ظن أنه علم فقد جهل .
الثانية
: الانتفاع والتكسب ذلك لأن الإسلام يحث الفرد المسلم وكذلك الجماعة المسلمة أن لا
تغلق الأبواب على نفسها وإنما عليها الاتصال بالأمم الأخرى لتأخذ منها ما جهلته من علوم ومعرفة حيث نجد أن
الرسول صلى الله عليه وسلم يقول حاثا لنا : ( اطلبوا العلم ولو في الصين ). و ( من
تعلم لغة قوم أمن مكرهم ) ويقول : ( الكلمة الحكمة ضالة المؤمن فأني وجدها فهو أحق
بها ) وقال على بن أبي طالب كرم الله وجهه : ( العلم ضالة المؤمن فخذوه ولو من
أيدي المشركين ) . وهذا بالطبع يتم عن طريق البعثات , وقد فعلت الدولة الإسلامية
في صدر الإسلام , إذ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم نفرا من أصحابه إلى منطقة
تصنع فيها الأسلحة ليتعلموا تلك الصناعة , وهذا بالطبع ينطبق على العلوم المادية
والطبيعية , أما العلوم الشرعية والإنسانية فإن مصدرها الفكر الإسلامي .
التدريب
وهذا يعتبر امتدادا للمبدأ السابق , إذ نجد أن
الإسلام اهتم بهذا الجانب وذلك لأهميته , ونجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول : ( من تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا ) . ومن هنا ندرك مدى اهتمام الإسلام
بالتدريب والمحافظة علي ما تدرب عليه وتنميته .
تمويل التعليم :-
لقد
اهتمت الدولة الإسلامية بالتعليم ورصدت له
بنودا للإنفاق عليه , منها ما حث عليه الخليفة عمر بن عبد العزيز بقوله : ( أجروا
علي طلبة العلم وفرغوهم للطلب ). ويقول الإمام أبو حامد الغزالي : ( كل من يتولى
أمرا يقوم به تتعدى مصلحته إلى المسلمين لو
اشتغلت بالكسب لتعطل عليه ما هو فيه قلة في بيت المال حق الكفاية ويدخل فيه
العلماء كلهم وطلبة العلم ). ويقول ابن عابدين : ( يجوز لطالب العلم أخذ الزكاة ولو غنيا إذا فرغ نفسه لإفادة العلم واستفادته )
. لذا نجد أن الدولة الإسلامية التزمت في عصور الإسلام المختلفة بالصرف علي
التعليم
الكفاية
الصحية :-
لقد
اهتم الإسلام بالكفاية الصحية عن أكبر قدر ممكن خاصة في التنمية الاقتصادية إذ نجده حث على التالي :
النظافة
فريضة إسلامية حيث نجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الله طيب يحب
الطيب نظيف النظافة كريم يحب الكريم جواد يحب الجود فنظفوا أفناءكم وساحاتكم ولا تشبهوا باليهود يجمعون
الزبالة في دورهم ). ويقول( إماطة الأذى عن الطريق صدقة ).
وجعل
الإسلام للدولة الحق في جبر الناس على النظافة , وفي ذلك يقول الماوردي : ( وإذا
أخل شخص بتطهير جسده أو ثوبه أو موضع صلاته أنكر المحتسب عليه إذا تحقق منه ذلك ).
فهذه جميعا نصوص تدل وتوضح موقف الإسلام من نظافة الجسم و المسكن والشارع .
الرقابة
من متلفات الصحة فرض إسلامي :-
نجد أن الإسلام حريص على صحة الإنسان , ولأدل
على ذلك من أن الشارع قد خفف وأسقط بعض الفروض والعبادات في حالة تعرض الصحة
للهلاك , كتحريم الصوم للمريض , والعاجز عند تيقن هلاكه بالصوم , وكتحليل الميتة
للمسافر المضطر عند فقد الطعام وتيقن الهلاك يمكن الرجوع إلى ذلك في كتب الفقه ,
هذا بالإضافة إلى أنه حرم الأطعمة والأشربة الضارة بالصحة كالميتة , ولحم الخنزير
والخمر , وقد أثبت الطب الحديث ضررها كما ألزم أيضا الدولة بتوفير المسكن الصحي ,
وألزم أيضا الدولة بالتخطيط العمراني السليم والصحي حتى لا يتلوث الجو والبيئة بالمخلفات الصناعية , وعدم إرهاق العامل من
العمل حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ولا تكلفوهم ما لا يطيقون ) .
العلاج
فريضة إسلامية :
لقد
اهتم الإسلام بالصحة اهتماما كبيرا فأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في وصف
الأدوية العلاجية كثير يمكن الرجوع إليها في كتاب الطب النبوي لابن قيم الجوزية
فمنها قوله : ( لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله عز وجل ) . وفي
مسند الإمام أحمد من حديث زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك قال : كنت عند النبي صلى
الله عليه وسلم وجاءت الأعراب فقالوا يا رسول الله أنتداوى فقال : نعم يا عباد
الله تداووا فإن الله عز وجل لم يضع داء وإلا وضع له شفاء غير داء واحد قالوا ما
هو , قال الهرم .
وفي
هديه عن الاحتماء من التخمة في المسند وغيره عنه أنه قال : ( ما ملأ آدمي وعاء شر
من بطنه بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه
فإن كان لا بد فاعلا فثلث لطعامه وثلث
لشرابه وثلث لنفسه ) وفي هديه من الحمى وفي مسند ابن ماجة عن أبي هريرة يرفعه ( الحمى من كير جهنم فنحوها
عنكم بالماء البارد ) . وكان رسول الله إذا حم دعا بقربة ماء فأفرغها على رأسه فأغتسل . والحقيقة أن كتاب الطب
النبوي كتاب ممتع ومفيد جدا وهو أكبر دليل على اهتمام الإسلام بالصحة العامة
للمسلمين , وثبت بأن الإسلام حرص على الصحة وجعلها فريضة إسلامية , ويروى أنه
عندما مرض خازن بيت المال في عهد عمر بن الخطاب جلب له الأطباء لعلاجه على نفقة
بيت المال دون أن يتكلف المريض أي نفقة .
العنصر
البشري من حيث الحجم :
معروف
لدينا أن الإسلام لا يعترف بندرة المواد أي ما يتجه إليه علماء الاقتصاد الحديث
حيث يقولون بأنه يوجد ضغط بشري على الموارد الطبيعية , وهذا يعني أن الموارد
البشرية تتزايد أكثر من الموارد الطبيعية
, في حين أن الإسلام يقول إن الله خلق البشر وينزل رزقهم معهم , أي هو
المتكفل بأرزاق مخلوقاته , ومن هذا المنطلق فإن الإسلام لا يعترف بندرة المواد
ويظهر ذلك في قوله تعالى : ((وَلَا تَقْتُلُوا
أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ )).
وقوله تعالى: (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم) .
ومما
تقدم يتضح أن الإسلام يعارض قتل الأبناء خشية الإنفاق عليهم , وهذا دليل يوضح على
أن الإسلام لا يقر مبدأ تحديد النسل ,
وبالتالي فإنه لا يجوز للمخطط للدولة الإسلامية أن يضع في خططه برامج لتحديد النسل
إطلاقا .
وإلى
اللقاء بالحلقة القادمة إن شاء الله
سامي
زين العابدين حماد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق