الثلاثاء، 15 يناير 2013

الحكم بالشريعة الإسلامية فرض على كل حاكم مسلم ( 6)


الحكم بالشريعة الإسلامية فرض على كل حاكم مسلم ( 6)

 

تكلمنا  في الحلقة الماضية عن مبادئ المنهج الإسلامي في التعليم والتدريب وتمويل التعليم والكفاية الصحية والرقابة من متلفات الصحة والعلاج فريضة إسلامية وسوف نتكلم في هذه الحلقة بإذنه تعالى عن الملكية في الإسلام ونقارنها في الحلقة القادمة بالملكية في النظام الرأسمالي أو الليبرالي  والنظام الشيوعي أو الاشتراكي. 

الملكية وبيان طبيعتها في الإسلام :-
 

إن الإسلام أنزل بأحكام من الله سبحانه وتعالى بهذا فإنه لم يقتبس من أي قوانين  أو أنظمة وضعية في الأرض , لذا جاء خاليا من أي مؤثرات فلسفية أو فكرية سبقته , ذلك لأن ما أنزل هو عبارة عن أحكام تشريعية من الله جل جلاله في كتابه الحكيم وفي السنة النبوية .

وبهذا فهي جميعا من عند الله , لأن الله هو المشرع وحده , وأن نبينا محمدا مبلغ لهذه الرسالة  من عند الله , وبهذا فإن الدارس لشرع الله يجد أن الملكية قد قررها الشارع سبحانه وتعالى , وقد أحاطها بالرعاية والعناية وحدد لها الحدود وفصل فيها القول ذلك لأنها نظام اجتماعي اقتصادي أخلاقي لا حياة لمجتمع بدونها , فعليها تتخذ أشكال العلاقات الاجتماعية  والاقتصادية  في أي مجتمع , كما تتحدد نوعية العلاقة بين الأفراد بعضهم مع البعض الآخر من جهة , وبين نظام الحكم من جهة أخري حتى يسيرهم وفق أحكام الشريعة فيها . كما نجد أن الشريعة الإسلامية حددت علاقة الملكية بين المالك نفسه فيما يحل له وما يحرم عليه ومدى التزامه بها باعتبارها  نظاما سماويا وليس وضعيا وأن العقيدة تقوم بدور رئيسي في توجيه الفرد التوجيه السليم .

والملكية في الشريعة الإسلامية تقوم على تعدد أنواع الملكية وليس على النوع الواحد لها كما في الأنظمة الاقتصادية الوضعية , وهدف هذا التعدد يرجع من أجل تضافر الأشكال جميعها في تحديد سمات ووجهة وهيكل الاقتصاد الإسلامي من ناحية , وكي تؤدي دورها في حياة المسلمين الاقتصادية والاجتماعية وغيرها من ناحية أخري. ونجد أن الإسلام قد جاء وسطا في أحكامه  وتشريعاته وأوامره ونواهيه , بحيث راعى مصلحة الفرد والجماعة معا , كي يأخذ كل بحظه دون سرف أو تفريط , ونجده في هذا قد اهتم كثيرا بمكانة الملكية , إذ حدد أنواعها وصورها وأحكامها من خلال نصوصه الكثيرة والآراء الفقهية المتعددة , شارحا  ومبينا  علل هذا التنوع وحكمته ونطاقه وخصائصه وأسباب اكتسابه ما كان شرعيا وما هو غير شرعي ,كما بين مدى حماية الإسلام له , وبهذا فإننا نجد أن الملكية تنقسم إلى التالي :

-          الملكية الخاصة ( الفردية )

-          الملكية العامة ( الجماعية )

-          ملكية الدولة الإسلامية (بيت المال)

وقبل الكلام عن الملكية الفردية أرى من الواجب التطرق إلى تعريفها . الملك في لغة العرب حيازة الإنسان للمال مع الاستبداد به أي الانفراد بالتصرف فيه , وعند الفقهاء اختصاص بالشئ بمنع الغير عنه , ويمكن صاحبه من التصرف فيه ابتداء  إلا لمانع شرعي . وفي لسان العرب الملك احتواء الشئ والقدرة على الاستبداد  به , وفي القاموس المحيط ( احتواء قادر علي الاستبداد به ). فالملكية  عند الفقهاء علاقة شرعية بين الإنسان والأشياء تجعله مختصا بها اختصاصا يمنع  الغير عنها  , بحيث يمكنه التصرف فيها عند تحقيق أهليته للتصرف بكل الطرق السائقة له شرعا في الحدود التي بينها الشارع , فالملكية  ليست شئ مادي إنما هي حق بل أوسع من الحقوق .

وبهذا فإن الإسلام لا ينظر إلى الملكية الفردية من الزاوية الاقتصادية وحدها وإنما ينظر إليها من عدة زوايا , إذ نجد بعضها فرديا نفسيا وبعضها اجتماعيا واقعيا  , وبعضها لحفظ التوازن السياسي , وبعضها لأغراض مركبة تطويرية تحفظ  لنمط الحياة الإسلامية سمة متميزة .

لذلك فإن الملكية الفردية تحقق التوازن بين أمرين :-

-          التوازن بين الفرد والسلطة

-          التوازن بين قطاعات الإنتاج المختلفة  

ومن هنا فإن الإسلام احترم الملكية الخاصة بل وجعلها  أصلا من الأصول الاقتصادية حيث بنى عليها المبادئ الثابتة في الاقتصاد الإسلامي ,ونلخص هذه الأصول في التالي :

-          أصل أن المال مال الله والبشر مستخلفون فيه .

-          أصل ضمان ( حد الكفاية ) لكل فرد في المجتمع  الإسلامي .

-          أصل تحقيق العدالة الاجتماعية  وحفظ التوازن الاقتصادي بين أفراد المجتمع الإسلامي.

-          أصل احترام الملكية الخاصة .

-          أصل الحرية الاقتصادية المقيدة وذلك بتحريم أوجه النشاط الاقتصادي التي تتضمن استغلال أو احتكار أو ربا

-          أصل التنمية الاقتصادية الشاملة .

-          أصل ترشيد الإنفاق .

ومن هنا ندرك أن حكمة تقرير الإسلام للملكية الخاصة أيضا أن المال يعتبر في نظر الإسلام ضروريا للحياة البشرية ودعامة وجود المجتمع , وبه تكون حياة الإنسان وبقاؤه , وإن سعى الإنسان إلى تحصيله اقتنائه يكون ذلك بحكم فطرته وغريزته وذلك لسد حاجته , والحصول عليه واجب تجنب للهلكة وبعد عن الفناء

حماية الملكية الخاصة :

إن الشريعة الإسلامية لم تكتف بتقرير الملكية الخاصة بل حرصت كل الحرص علي حمايتها والحفاظ عليها من السرقة والتلاعب والتبذير فيما لا فائدة منه, وذلك لأهمية المال في الحياة الذي يعتبر زينتها والمعين للعباد على أداء الطاعة , فمثلا الخيرات تمكن المجتمع الإسلامي من بناء اقتصاد متين يشمل على صناعات متنوعة تشمل جميع المتطلبات الاستهلاكية وكذلك الدفاعية حتى يكون لدى المجتمع الإسلامي قوة جبارة يستطيع بموجبها صد أي عدوان والدفاع عن الأمة الإسلامية حتى تكون قوية لا تستطيع الشعوب الأخرى من قهرها والسيطرة عليها أو الضغط عليها , لأن الإسلام ينص على أن الأمة الإسلامية لا تخضع لأي قوة أو سلطة سوى السلطة المسلمة التي تمكنها من أداء فرائضها  على الوجه المطلوب . وحينما  نتابع تعاليم الشريعة الإسلامية نجد أنها لا تحمي الملكية الفردية فقط وإنما هي حريصة أيضا علي حماية الملكية الجماعية وكذلك حماية ملكية الدولة , فحد السرقة مثلا لم يكن تشريعه لحماية الملكية الفردية فقط  , وإنما هو حماية لكل أنواع الملكية . وأهم تشريعات حماية الملكية والحفاظ عليها ما يلي:-

-     توثيق الدين :- وذلك تنفيذا لقوله تعالى : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ )) . سورة البقرة الآية 282 .

-          النهي عن التعدي على أموال الغير :-

لقد نهت الشريعة الإسلامية عن التعدي على أموال الغير ظلما وعدوانا , بل وصلت حماية الشريعة الإسلامية للأموال إلى أن اعتبرت من يقتل من أجل الدفاع عن ماله شهيدا والنصوص التي تحرم أكل مال الغير بالباطل كثيرة ومن ذلك قوله تعالى : ((وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ )) سورة البقرة الآية 188 وقوله تعالى : ((وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ )) سورة النساء الآية 6 وقوله تعالى : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا )) سورة النساء آية 29  وقوله تعالى : (( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا )) سورة النساء الآية 10 ولم يقف الأمر عن النهي عن التعدي ظلما وعدوانا , بل جعلت الشريعة حد السرقة بقطع يد السارق وذلك تنفيذا لقوله تعالى: ((وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )) . سورة المائدة آية 38  ومعروف لدينا أن الشرع شدد في تنفيذ الحدود . وكذلك عقوبة قطاع الطرق والحرابة قد تصل إلى القتل أو القتل مع الصلب أو القطع من خلاف أو النفي وفي ذلك يقول الله جلَ شأنه  : ((إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ )) . سورة المائدة الآية 33 وكذلك نجد أن الإسلام حرم الغش والضرر في البيوع وحرم القمار والميسر والربا والرشوة .

 

أسباب التملك الجائز شرعا :-

1-      إحراز المباحات والاستيلاء عليها ويشمل الصيد وإحياء الموات والاحتطاب واستخراج ما في باطن الأرض والغنائم .

2-   العقود الناقلة للملكية  وتشمل المعاوضات المالية والتبرعات من بيع وإجارة وهبة ووصية , كما تشمل قبول ما يجب دفعه على المعطى في الزكاة والنفقات والنذور والكفارات .

3-      الميراث بحسب الأنصبة الشرعية المستحقة للوارثين.

4-       التعويض ويشمل ضمان ما يتلفه الإنسان من أموال الغير والدية وغيرها .

5-      التولد من المملوك مثل نتاج الحيوانات والزروع  وغيرها .

6-      حيازة الشئ لمدة طويلة عند القائلين بها من المالكية بشروطه وهي تثبيت الملك عندهم ظاهرا وباطنا وعند الحنفية تثبيته  ظاهرا لا باطنا .

7-      التقاط المال ثم تعريفه عند من يقولون بملكيته من المالكية والشافعية والحنابلة وذلك بشروط معينة .

8-    العمل في الإسلام من أهم أسباب التملك ويعتبر أعلاها درجة , يقول السيوطي في أسباب التملك في كتابه : ( أسباب التملك ثمانية :- المعاوضات والميراث , والهبات , والوصايا , والوقف , والنُتجة , والإحياء , والصدقات ). وقال ابن السبكي : ( وبقيت أسباب أخرى منها تملك اللقطة بشرطه ومنها دية القتل بملكها أولا ثم تنتقل لورثته ).

                                               والى اللقاء في الحلقة القادمة إن شاء الله

                                                سامي زين العابدين حماد

ليست هناك تعليقات:

تابعني علي التويتر