الحكم
بالشريعة الإسلامية فرض على كل حاكم مسلم
(7)
تكلمنا في الحلقة الماضية عن الملكية وطبيعتها في الإسلام وخصينا بالذكر
الملكية الخاصة , وسوف نتكلم في هذه الحلقة عن الملكية العامة في الإسلام وعن
الملكية في النظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي والشيوعي .
الملكية العامة في الشريعة الإسلامية :-
لقد عرفنا أن الإسلام قد أقر الملكية
الخاصة لكثير من الأموال سواء كانت إنتاجية أو استهلاكية أو عقارات أو غيرها , ورأينا كيف حمى هذه
الملكية من الاعتداء عليها , وقد راعى في ذلك مصلحة الخاصة مراعيا ما في التكوين
الفطري للإنسان من حب التملك ورغبة في الحيازة مع تهذيب لهذه الفطرة وتأديب لها ,
حيث فرض عليها القيود والحدود والالتزامات والواجبات , ومع هذا فقد ترك للجماعة
حقوقا في التملك والنفقة لا يجوز بحال أن تكون محلا للتملك الخاص , لأن وقوعها تحت التملك الخاص
يبطل الانتفاع بها , فيما هي مهيأة له لمصلحة الجماعة ويمكن أن نتعرف على الملكية
العامة في خطوطها العامة في التالي :-
أولا :- الأراضي الزراعية العامرة :-
وهذه إذا دخلت في حوزة الإسلام قهرا عن
طريق القتال فإن علماء المالكية يقولون بأنها تصبح فيئا موقوفا على سائر المسلمين
في مختلف الأعصار , والأمصار , ولا تخضع للملكية الخاصة اللهم إلا إذا وجد الإمام
أن المصلحة العامة تقتضي توزيعها على الأفراد فتوزع .
وقال علماء المذهب الحنفي إن الإمام مخير
بين توزيعها كغنيمة و بين وقفها على سائر المسلمين . ويقول الحنابلة إن تلك الأرض تخضع للملكية العامة . أما علماء
الشيعة فيقولون بأن تلك الأرض تصبح خاضعة للملكية العامة .
ومما تقدم يتضح لنا أن جمهور الفقهاء يرون
أن هذه الأموال تخضع للملكية العامة , وعلي كل فإن في عصرنا هذا لا توجد
فتوحات ولا يوجد فيء , وعلى هذا فالدولة
الإسلامية لا تحقق دخلا لا من خراج ولا من أرض وقف علي المسلمين , وإنما كان هذا
يعتمد عليه في صدر الإسلام وفي العهد الأموي و العباسي .
ثانيا :- المعادن والوقود :-
إن الفقهاء يفرقون بين الظاهر منها
والباطن , والمقصود بالظاهر ما برز جوهره كالنفط , والباطن المراد به ما احتاج إلى
تنقية كالذهب والنحاس . ولقد اتفق الفقهاء على أن المعادن الظاهرة تخضع للملكية
العامة ولا يجوز للفرد أن يستأثر بحقل من حقولها , في حين أن البعض يرى أن المعادن
الباطنة أيضا لا يحق للأفراد تملكها وذلك قول الحنابلة والمالكية . أما الشافعية
فيقولون : إن النوع الذي يحتاج إلى تنقيب دقيق يمكن للأفراد تملكه وعلى كل فإن
الرأي السائد بين الفقهاء هو أن قطاع التعدين يكون للملكية العامة .
ثالثا : الغابات :-
ونجد أن العلماء لهم رأيان , رأي يقول
بأنها تخضع للملكية العامة ورأي يقول بأن تعامل معاملة أرض الموات فيجوز لأي فرد أن
يمتلك جزءا منها . ومما تقدم نخلص بأن اتجاه التطبيق في عهد عمر بن الخطاب إن أرض
مصر والشام والعراق مملوكة ملكية عامة لجميع الأفراد حقوق فيها .
ويتضح لنا أن الملكية العامة تشمل
القطاعات الأساسية في الاقتصاد القومي , والقاعدة المقررة من قبل الفكر الإسلامي في
هذا الشأن هي كل مال لا يستغنى عنه المسلمون كافة تكون ملكية عامة وقد ترك لكل بلد
ولكل عصر أن يطبق هذا المبدأ حسب الظروف التي يعيشها و المتغيرات التي تحيط به
وعلى الدولة تقع مسئولية تحديد هذه
القطاعات وتوجيه ناتجها لصالح جميع الأفراد دون أن تخص بها أحد من الناس ولو كان
ذلك الحاكم نفسه .ومما تقدم يتضح لنا أن الإسلام جعل الثروات الطبيعية التي في
باطن الأرض كالبترول والمعادن حقا عاما لكافة شعب البلاد وذلك لكي تكون مصدرا
رئيسيا لتمويل النفقات العامة علي اختلاف
أنواعها , والدولة هنا بمثابة الوكيل أو النائب عن جميع أفراد الجماعة , وليست
مالكة له , وباعتبار أن السلطة في يد الملك وهو الذي قام بدوره بتوزيعها على أعضاء الحكومة فهي تنتقل إليه على حساب
تعاليم الشريعة الإسلامية .
ملكية الدولة في الشريعة الإسلامية :-
لقد لمسنا أن حكمة التشريع الإسلامي أن لا
يختص الفرد وحده أو الجماعة وحدها أو الفرد والجماعة معا في حق التملك , بل اشتركت
الدولة في هذا الحق حيث جعلت لبيت المال موارد يتصرف فيها القائم علي أمور
المسلمين بما فيه تحقيق مصلحتهم العامة المتمثلة في ذلك هي إبعاد التوازن بين أفراد
المجتمع وجماعاته حين يختل هذا التوازن بسبب من الأسباب تتدخل الدولة لإصلاح هذا
الخلل , ولنعرف ملكية الدولة يمكننا القول بأنها هي الملكية التابعة للدولة والتي
يكون صاحب الاختصاص فيها هو بيت يتصرف فيها تصرف الملاك في أملاكهم بالبيع والإنفاق والهبة وغير ذلك بشروط تحقيق
المصلحة العامة للجماعة الإسلامية . وهذه الأموال مثل الأرض الموات التي ليست حية
بطبيعتها وتحتاج إلى من يحييها فتظل ملكا للدولة إلى أن يحييها أحد من الناس
فتصير ملكا خالصا له بالإحياء .
ويعتبر كذلك في ملكية الدولة ما اصطفاه
الإمام لبيت المال من البلاد المفتوحة إما بحق الخمس , وإما بأن يصطفيه باستطابة
نفوس القائمين عنه , كما اصطفى عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أرض السواد العامرة
وأموال كسرى وأهل بيته وما هرب عنه أربابه أو هلكوا , وكان يصرفها في مصالح
المسلمين كذلك الأراضي التي تحمى من
الدولة , أي تحمى لتكون مرعى لأنعام الصدقة وخيل من قبل الدولة حيث حمى عمر رضي
الله عنه الربذة وأوصى عامله عليها , وهناك قسم أيضا يختص به بيت المال أي الدولة
وقد أورد الماوردي ما يلي :
( وإذا كان كذلك فالأموال التي يستحقها
المسلمون تنقسم إلى ثلاثة أقسام , فيء وغنيمة وصدقة , فأما الفيء فمن حقوق بيت
المال لأن مصرفه موقوف على رأي الإمام واجتهاده , وأما الغنيمة فليست من حقوق بيت
المال لأنها مستحقة للقائمين الذين يتعين
لهم بحضور الواقعة لا بمختلف معرفتها برأي الإمام ولا اجتهاده له في منعهم منها
فلم تعد من حقوق بيت المال .
وأما خمس الفيء والغنيمة فينقسم إلى ثلاثة
أقسام قسم منه يكون من حقوق بيت المال . وهو سهم النبي صلى الله عليه وسلم المعروف
في المصالح العامة لوقوف مصرفه على رأي الإمام واجتهاده , وقسم منه لا يكون من
حقوق بيت المال وهو سهم ذوي القربى لأنه مستحق لجماعتهم فتعين مالكوه , وخرج عن حقوق
بيت المال لخروجه عن اجتهاد الإمام ورأيه , وقسم منه يكون بيت المال فيه حافظا له
علي جهاته وهو سهم اليتامى والمساكين وابن السبيل إن وجدوا دفع إليهم , وإن
فقدوا أحرز لهم , وأما الصدقة فضربان ,
مال باطن فلا يكون من حقوق بيت المال لجواز أن ينفرد وأربابه بإخراج زكاته في
أهلها والضرب الثاني صدقة مال ظاهر كأعشار الزروع والثمار وصدقات المواشي , فعند
أبي حنيفة أنه من حقوق بيت المال لأنه يجوز صرفه على رأي الإمام واجتهاده ولا
يعينه في أهل السهمين , وعلى مذهب الشافعي لا يكون من حقوق بيت المال لأنه معين
الجهات عنده لا يجوز صرفه على غير جهاته , ولكن اختلف قوله هل يكون بيت المال محلا
لإحرازه عند تعذر جهاته , فذهب في القديم إلى أن بيت المال إذا تعذرت الجهات يكون
محلا لإحرازه فيه إلى أن توجد , لأنه كان يرى وجوب دفعه إلى الإمام ورجع عنه في
مستجد قوله إلى أن بيت المال لا يكون محلا لإحرازه استحقاقا لأنه يرى فيه وجوب دفعه إلى الإمام
وإن جاز أن يدفع إليه فذلك لم يستحق إحرازه في بيت المال وإن جاز إحرازه فيه .ومن
الصور الحديثة لملكية الدولة أسهم رأس المال في الشركات العامة مثل سابك وبترومين
وسمارك , وكذل مقار الدوائر الحكومية كمباني الوزارات والمدارس والمستشفيات وفروع
الوزارات في المدن المختلفة إن كانت ملكا للدولة
غير مستأجرة
ملكية الكلأ والنار :
ومعروف لدينا أن الكلأ هو العشب الذي ينبت
في الأرض من المطر بدون فعل فاعل , وهذا
ملك لجماعة المسلمين , وكذلك الحطب ملك لجماعة المسلمين إذا كان شجره دون فعل فاعل , وذلك تنفيذا لقوله صلى الله عليه
وسلم :( المسلمون شركاء في ثلاث في الماء والكلأ والنار ) .
ويرى المالكية أن الأرض إذا كانت محوطة
فإن الكلأ ملك لصاحبها وإن لم تكن محوطة فليس له تملكه لأن الإحاطة كالإحراز له .
وبعد أن استعرضنا أنواع الملكيات في الشريعة الإسلامية وجب علينا أن نتعرف على
الملكيات في المجتمعات الحديثة لنتعرف على الفارق بين الاثنين .
أولا : الملكية في النظام الرأسمالي :-
إن الفلسفة التي يرتكز عليها النظام
الرأسمالي هي الحرية المطلقة بمعناها الواسع الذي يحوي حرية التملك , حرية التعاقد
, حرية الإنتاج , حرية العمل , حرية الاستهلاك .
ومن هذا المنطلق فإن الملكية الفردية هي
من أهم الأسس التي يرتكز عليها النظام الرأسمالي
مهما كانت نوعية السلع محل التملك استهلاكية أو إنتاجية , ومهما كان حجم الملكية صغيرا أو
كبيرا, حتى أضحت ملكية الفرد روح النظام لأنها هي القرض الأساسي من كل نشاط
اقتصادي بل هي القاعدة في النظام الرأسمالي , فلا يمكن الخروج عنها إلا بحكم الظروف الاستثنائية التي تعرض وضع بعض
القيود على مصادر الإنتاج الضرورية أو
تأمينها أو نقلها إلى الملكية العامة .
الملكية في النظام الشيوعي والاشتراكي :
نجد أن النظام الشيوعي يقر الملكية
الجماعية , أي أن الدولة تملك جميع الأموال , وخاصة الأموال الإنتاجية كالأراضي
والآلات و المصانع وهي بهذا نقيض للرأسمالية التي تقوم على مبدأ حرية التملك
المطلق للأفراد لكافة أنواع الأموال الإنتاجية منها أو الاستهلاكية وبهذا فإن الدولة لها حق تملك وسائل
الانتاج الصناعية من معامل وآلات وعقارات
وأراضي وغير ذلك , وهي التي تضع برامج
الإنتاج وفق معدلات وأسس ترتبط بالاستهلاك كما يزعمون وليس للكسب , وقد
يسمح هذا النظام للأفراد بالتملك الخاص في حدود ضيقة جدا لاتتعدى الاستهلاك الشخصي
أو بعض الصناعات الصغيرة أو الأعمال الزراعية كما كان عليه الحال في الإتحاد
السوفيتي أو في النظام الشيوعي , وتوجد حرية اختيار العمل أو المهنة التي يرغبها
الشخص , وكذلك أنواع السلع الاستهلاكية التي يفضلها , إلا أن ذلك مرهون بسياسة
الحكومة التي لها الحق في الحد من هذه الحرية بتحديد بعض أنواع السلع الاستهلاكية
والخدمات العامة .
ومما تقدم يتضح لنا الفارق الكبير بين
الملكية في النظام الرأسمالي والنظام الشيوعي وفي الإسلام إذ وجدنا ان هناك مغالاة
في الملكية لدى النظام الرأس المالي مما نتج عنه رد فعل كبير لدى طبقة العمال
والفقراء مما أدى إلى ظهور النظام
الشيوعي كرد فعل للنظام الرأسمالي .
والإسلام أتى وسط بين النظامين , فإن الله عز وجل أنزل الإسلام قبل ظهور النظامين
والله عز وجل يعرف طبيعة البشر فشرع لهم نظاما للملكية وسطا , وجعل في مال الموسر
حقا للسائل والمحروم , وكذلك جعل بجانب الملكية الفردية ملكية جماعية , وملكية
للدولة حتى يكون هناك تناسق بين جميع طبقات الشعب , وحتى يكون لدى الدولة مصادر
للدخل تصرف منها على عامة المسلمين حتى حد الكفاية , وقد طبق هذا في صدر الإسلام
وفي عهد الدولة الإسلامية التي بعد الخلفاء الراشدين. .
الى
القاء في الحلقة القادمة إن شاء الله
سامي زين العابدين حماد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق