الحكم بالشريعة الإسلامية فرض على كل حاكم
مسلم (8)
تكلمنا في الحلقة
الماضية عن الملكية في الشريعة الإسلامية مقارنة بالملكية في النظام الرأسمالي أو
الليبرالي أو النظام الشيوعي والاشتراكي , ودعنا في هذه الحلقة نتعرف علي عناصر الإنتاج
في النظم الاقتصادية الثلاثة السالف ذكرها
, وأرى أنه قبل تناول عناصر الإنتاج في ظل الاقتصاد الإسلامي يحسن أن نتحدث عن عوامل الإنتاج المعاصرة ونبدأ
الكلام عن عوامل الإنتاج بالمدرسة التقليدية ثم بالاتجاه الحديث , حيث نجد عناصر
الإنتاج عند التقليديين تنقسم إلى أربعة
أقسام , الطبيعة , العمل , رأس المال , التنظيم , وقد درج على هذا التنظيم الأدب الاقتصادي وشاع وعرف
عنه هذا التقسيم لدى الجميع من الدارسين , وقد اختلف علماء الاقتصاد التقليديون
في هذه التقسيمات , إذ نجد آدم سميث ومالتس ودافيد ريكاردو الذين قسموا
عوامل الإنتاج إلى ثلاثة أقسام : الأرض ,
والعمل , ورأس المال , ولم يفرقوا بين الربح والفائدة معتبرين أن الربح هو عائد رأس المال , وعلى هذه
العوامل الثلاثة ناقشوا توزيع الدخل القومي , فنجدهم ناقشوا الريع باعتباره عائد
الأرض , والأجر باعتباره عائد العمل , والأرباح
باعتبارها عائد رأس المال .
ثم جاء بعدهم ويكل
وبوهم بافريك اللذان ناقشا عوامل الإنتاج
ورغم موافقتهما على أن أهم عناصر الإنتاج
ثلاثة , إلا أنهما ناقشا أسسا جديدة , مثل الاختلاف بين الأرض ورأس المال , و تميز
الأرض بثبات عرضها , وفكرة العوامل الإنتاجية الأصلية أي الأرض والعمل فقط , أما رأس المال فهو ثمرة التعاون
بينهما . ثم أتى بعد ذلك كارل منجر , وليون فالراس , فأعطى كل منهما بعدا جديدا في
الموضوع , حيث أنكر الأول تقسيم عوامل الإنتاج , إذ اعتبر ذلك عملا تحكميا , لأن
كل مجموعة تجمع مقررات غير متجانسة , وفرق الثاني بين الموارد الإنتاجية والخدمات
الإنتاجية المشتقة منها , لأنه يرى أن جميع الموارد تعتبر رأس مال ثابت , ويقسمها
إلى رأس مال الأرض ورأس مال الشخصي ( المادي ) ( رأس مال استثماري ). ويقسم
خدماتهما إلى خدمات موجهة لأغراض الإنتاج , وخدمات موجهة لأغراض الاستهلاك . ثم أتى
بعد ذلك اقتصاديون بحثوا فكر المنظم الذي يريد المشروع الإنتاجي , وكان سائدا أن
الذي يملك رأس المشروع هو الذي يديره , وبهذا فقد حصل دمج بين عنصر الإدارة وعنصر
التنظيم , وبالتالي نتج عدم تمييز الفائدة على رأس المال عن الربح , ظل هذا الفكر
سائد إلى أن أتى فركلين نايت , حيث نادى بضرورة الفصل بين ملكية رأس المال وبين
الرقابة عليه وهذا نتيجة التخصص في العمليات والوظائف , فأصبح المنظم محل تقدير
واهتمام الاقتصاديين الذين ناقشوه بإسهاب خاصة جوزيف شومبير وبهذا فإن عوامل
الإنتاج انقسمت لدى الاقتصاد التقليدي إلى
أربعة : الأرض ( أو الطبيعة ) , العمل , رأس المال , المنظم .
تقسيم عوامل الإنتاج
في الفكر الحديث :-
لقد وجهت انتقادات
لتقسيم عوامل الإنتاج لدى الفكر التقليدي , وكلها ترتكز على صعوبة الفصل والتميز
بين عنصري الطبية ورأس المال , ذلك لأن أية محاولة للتمييز بينها ستثير مسائل
تاريخية يصعب أن تقرر أي العوامل الإنتاجية كان من صنع الإنسان , وما هو من مواهب
الطبيعة .
كما وجهت انتقادات
إلى التفرقة بين عنصري العمل والتنظيم في الفكر التقليدي , ذلك لأن الفكر الحديث
يرى أن التنظيم نوع من أنواع العمل المتعددة ولا يجوز فصله عنه , وبهذا فقد أصبحت
الطبيعة مع رأس المال وأدمج التنظيم مع العمل , وهكذا انتهى الفكر الاقتصادي
الحديث إلى تقسيم عناصر الإنتاج إلى أثنين فقط هما العمل ويشمل التنظيم ورأس المال
ويشمل الطبيعة .
عوامل الإنتاج في
الفكر الاشتراكي :-
نجد أن الفكر الاشتراكي يركز في عوامل الإنتاج
على العمل فقط , وبهذا فهو لا يعترف بالعناصر الأخرى لعوامل الإنتاج ,ذلك لأنه
يعتبر العمل محور النشاط الإنساني كله , وبهذا فهو الموجه الأساسي لعوامل الإنتاج
نحو إنتاج الثروة المادية , وبهذا فإنه يدمج فيه المعدات و الآلات ورؤوس الأموال
والأرض أيضا ,ذلك لأنه يعتبر أن الإنسان يستطيع بعمله التأثير على الطبيعة وإخضاعها
لرغباته ومشيئته , وبالرغم من ذلك فإن
هناك وجودا ضمنيا لعناصر الإنتاج الأخرى وهي رأس المال والأرض والمنظم تتمثل في
تحليل ماركس للقيمة التي يفسرها على أساس نظرية كمية العمل , لذا فإنه يمكننا أن
نقول : إن عناصر العمل الموجودة في الاقتصاد
التقليدي والحديث موجودة في الفكر الاقتصادي الاشتراكي .
أسس العمل في ظل
الاقتصاد الإسلامي :-
إن العمل كعنصر من
عناصر الإنتاج يعني بذل الجهد المستمر سواء كان عقليا أو بدنيا من أجل زيادة
الإنتاج والارتفاع بمستوى الخدمات , ومن أجل تحقيق الرفاء لأفراد المجتمع
ورفاهيتهم ماديا وأخلاقيا كما يتدعم هذا المجتمع ويعيش أفراده في
أمان من غوائل البطالة وشرورها , ويحققوا
لأنفسهم ما نصبوا إليه من الحلال ليكون العمل بينهم عامل توجيه إلى تحقيق التعاليم
الإسلامية في وجوب تقوية بنيان الدولة الإسلامية وما يجب أن يسودها من تكافل اجتماعي
وازدهار اقتصادي .
وقد اشتمل
القرآن الكريم على آيات كثيرة تعبر عن المعنى الاقتصادي للعمل منها قوله تعالى : ((وَلَمَّا
وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ
مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي
حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ 23 فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ
تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ
خَيْرٍ فَقِيرٌ 24 فَجَاءَتْهُ
إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ
لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ
الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ 25 قَالَتْ
إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ
الْقَوِيُّ الأَمِينُ 26 قَالَ إِنِّي
أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي
ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ
أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ 27
قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا
عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ 28 )) سورة القصص الآيات 23- 28 . ويقول جل جلاله
:- (( فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ ۖ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ))
. سورة الكهف الآية 77 وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يفيد المعنى الاقتصادي
للعمل , فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه ) .
ومن دراسة النصوص الماضية يتضح لنا أن الشريعة الإسلامية
قد أباحت لنا إجارة الأفراد مقابل أجر معين , وهذا يتيح لنا استخدام الأفراد في
النشاطات الاقتصادية مقابل أجر , سواء
كانت هذه النشاطات في مجال إنتاج السلع أو إنتاج الخدمات , وإذا كان الإسلام أباح
للعامل أن يعمل مقابل أجر فهل هذا معناه جواز امتلاك العامل للأشياء التي أنتجها
نفسها مقابل عمله أم أنه لا يجوز له امتلاكها بل له فقط أجره الذي يتقاضاه نتيجة
ما يقوم به من عمله .
نعم إن الإسلام يجيز للعامل في عنصر من أي عناصر الإنتاج
أن يتملك إذا استطاع تملك عنصر من عناصر الإنتاج نتيجة لادخاره من عمله , وأن
يتصرف فيه كما يشاء , كما أن راتبه أو
أجره يستطيع أن يتصرف به كيفما يشاء لإشباع حاجاته الخاصة واستخداماته في شراء
أدوات إنتاجية يتملكها ملكية فردية أو
أشياء استهلاكية , بعكس النظم الاشتراكية
التي تمنع تملك أدوات الإنتاج ملكية فردية
, ولا تعطي للأفراد الحق في التمتع بالأجر سواء كان نقدا أو عينا , ولم تقف عند
هذا الحد بل إنها منعت العامل الحق في أن يتملك بهذا الأجر عنصرا إنتاجيا , فإن
الأجر في حد ذاته ليس كافيا للقيام بعملية
التملك , وفي نفس الوقت فإنها أيضا قد منعته أن يتملك العناصر الإنتاجية
كنتيجة لعمله فيها . فليس له الحق في تملك الأرض إذا أحياها مثلا , والسبب في ذلك
يرجع إلى أن عملية التملك هي مسألة متعلقة بالمذهب العام للنظم الاشتراكية
وتشريعاتها وإجراءاتها المنظمة لها , إضافة إلى ذلك أن الإسلام يتيح
للعامل تملك عنصر من عناصر الإنتاج إذا عمل فيه , مثال ذلك لو قام أي شخص بأحياء أرض موات فإنه يتملكها وذلك
استنادا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أحيا أرض ميتة فهي له ) .
ومما تقدم يتضح لنا أن الإسلام ينظر إلى العمل نظرة
اقتصادية متقدمة لأنه راعى فيها ظروفا
وملابسات متعددة , فقد أباح للعامل أن يتملك أولا أجره , وثانيا أن يتملك
بواسطته أي سلع استهلاكية أو إنتاجية ,
ثالثا أن يتملك وسائل الإنتاج نفسها مباشرة مقابل عمله فيها , وهذا أول دليل على
تقديس العمل في الإسلام واهتمامه به وبمن يقومون
به ناهيك عن الأجر الأخروي .
إلى اللقاء بالحلقة القادمة إن شاء الله
سامي زين العابدين حماد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق