الحكم بالشريعة
الإسلامية فرض على كل حاكم مسلم 9
تكلمنا في الحلقة لماضية عن العمل في
الإقتصاد الوضعي واللإقتصاد الإسلامي
بمثابة احد عوامل الإنتاج الثلاثة
وسوف نتكلم في هذه الحلقة عن بقية عوامل الإنتاج في الإقتصاد الوضعي والإقتصاد
الإسلامي .
رأس المال في الإقتصاد الإسلامي :-
حينما نتكلم عن رأس المال كعنصر من
عناصر الإنتاج في الإقتصاد الإسلامي فهذا يعني انه تلك الأموال الناتجة عن العملية
الإنتاجية التي قام بها العمل بالإشتراك مع الموارد الطبيعية , التي لا تصلح
بنفسها مباشرة لإييفاء متطلبات وحاجات الأفراد, أي أنها لا يمكن ان تشبع حاجات
الأفراد وانما تستخدم لإنتاج أموال أخرى صالحة لإشباع هذه المتطلبات والحاجات سواء
كانت هذه الأموال نقدية أو عينية .
ونجد في القران الكريم آيات تتعلق
برأس المال كعنصر من عناصر الإنتاج منها قوله تعالى : ( علم ان سيكون منكم مرضى و
ءاخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وءاخرون يقاتلون في سبيل الله ) سورة
المزمل الأية 20 , فقد ساوى الله تعالى بين المجاهد والمكتسب الذي يسعى في طلب
الرزق الحلال , والضرب في الأرض هو السفر
للتجارة , وقوله تعالى : ( وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون )
سورة البقرة أية 275 , فهذه
الآية تد ل على ا ن هناك من الثروات ما قد
اعتبرها الاسلام رأس س ما ل , وكانت تعطي لصاحبها دخلا أو عائداً محدوداً , وهو ما
اعتبره الاسلام ربحاً محرماً , ولكنه اباح استخدام رأس المال في البيع والشراء
والمشاركة في الانتاج . ونجد ان الزكاة قد بين الفقهاء فيها بأنها تجب على الاموال
المرصودة للنماء اما بنفسها واما بالعمل فيها . وقد جاء في تقرير وضعه بعض العلماء
المعاصرين انه قد اتفق الفقهاء على ان العلة في فرضية الزكاة في الاموال هي نماؤها
بالفعل او بالقوة , وان الزكاة تثبت في الزروع والثمار لأنها نما الأرض , فالأرض
إذا ما نمت بالفعل , والنقود لا تثمر بذاتها ولكنها تنمو باستخدامها في التجارة
والصناعة , ولقد وجدت لذلك , فهي لا تشبع الحاجات بنفسها ولكنها تشبعها بما تتخذ
وسيلة لجلبها ولهذا اعتبرت مالا ناميا بالقوة . ونجد في احاديث رسول الله صلى الله
عليه وسلم ما يفيد المعنى الاقتصادي لرأس المال باعتباره عاملا من عوامل الإنتاج ,
وذلك لقدرته على الإنتاج , وقدرته على توليد دخل معين من العملية الإنتاجية التي
يستخدم فيها , فقد روي ان العباس بن عبد المطلب كان يدفع ماله مضاربة ويشترط ان لا يسلك به بحراً ولا ينزل
وادياً ولا يشتري ذات كبد رطب فإن فعل ذلك ضمن , فبلغ ذلك رسول الله فاستحسنه
وأجازه. وروي عنه عليه الصلاة والسلام انه لما قدم المدينة وجد اهلها يسلفون
بالتمر السنتين والثلاث , فقال من اسلف في شيء ففي كيل معلوم ووزن معلوم الى اجل معلوم . والإقراض كان سائداً
في الجاهلية , وكان قريش اهل تجارة وكان منهم من يعطي ماله مضاربة للغير ليتجر به
بجزء مسمى من الربح فأقر لهم رسول الله ذلك , وعمل به المسلمون عملاً لا خلاف فيه
. ونجد ان بعض الاقتصاديين الإسلاميين عرف رأس المال بقوله (ثروة منتجة وليس
مصدراً اساسياً للإنتاج) لأنه يعتبر اقتصادياً عن كل ثروة تم انجازها وتبلورت خلال
عمل بشري لتساهم من جديد في انتاج ثروة اخرى . كما عرفوه ايضاً بانه (ثروة انتاجية
كأداة انتاج تولدت بسبب تضافر عناصر العمل مع الأرض , وبأنه (كل ثروة تستخدم في
انتاج ثروة اخرى) .
ورأس المال كعنصر من عناصر الإنتاج في الاقتصاد الإسلامي نجده ينقسم إلى
قسمين كبيرين ,رأس المال التجاري , ورأس المال الإنتاجي فرأس المال التجاري هو
مجموع الأموال الاقتصادية التي تستخدم قصد المبادلات, سواء كانت هذه الأموال عينية
كالسلع او نقدية كالنقود السائلة , والتفرقة بين المال العيني والمال النقدي في الاقتصاد
الإسلامي تفرقة تحمل اكثر من دلالة عند الفقهاء ,لأن الأموال العينية تستحق عيناً
مقابل إسهامها في العملية الانتاجية إما
المال النقدي فإنه يستحق ربحاَ نظير مشاركته في الإنتاج مع العمل ولا يستحق أجرا
لأنه يعتبر ربا . أما رأس المال الإنتاجي فإنه ينقسم أيضاَ إلي رأس مال نقدي , وهو
عبارة عن مجموع المبالغ النقدية التي تستخدم في تمويل العملية الإنتاجية , ورأس
مال فني أو عيني وهو عبارة عن مجموع الاموال المادية التي تستخدم في العملية
الإنتاجية فتودي إلى زيادة إنتاجية العمل
. ومما تقدم يتضح لنا ان الإسلام يبيح إجارة راس المال وهذا يعني انه يجوز لصاحب
المال ان يعطيه او جزء منه إلى شخص اخر بغرض استغلاله في الأنشطة التجارية والاقتصادية
مقابل عائد يخضع للأصول الإسلامية العامة ولا يخرج عنها , كأن لا يكون هذا العائد
رباً , أي فائدة محددة المقدار , وإنما يكون ربحاً نتيجة مشاركة رأس المال مع
العمل في ايجاد هذا العائد او هذا الربح , وذلك كما هو الحال في المضاربة , إذ
يتوزع الربح الناتج عنها بين صاحب المال والعامل الذي يعمل فيه بجهده.
ورأس المال مع ما يضاف إليه من عائد نتيجة
مشاركة العمل يتيح لصاحبه أن يتملك ما شاء من سلع استهلاكية أو انتاجية
تخضع هي الأخرى لمبدأ الحلال والحرام في الإسلام , وللقيود التي ترد على ملكية
الخاصة في عدم الجواز لها بأن تقع على املاك تكون تابعة للملكية العامة لجميع
الناس او ملكية الدولة .
الأرض في الاقتصاد الإسلامي :-
ومعروف لدينا أن الأرض عامل من عوامل
الإنتاج , وتعني بالمفهوم الاقتصادي الإسلامي كل الموارد الطبيعية التي تحويها
الأرض فوق ظهرها او في بطنها , والتي يمكن الإنسان استغلالها والانتفاع بها لنفسه
ولمحيطه من الحصول على غلة أوفر وعائد اقتصادي اكثر . وآيات القرآن الكريم كثيرة
في تحديد هذه الموارد الطبيعة , مثل الأرض القابلة للزراعة والأرض غير القابلة لها
والتي يمكن احياؤها , مثل الثروات النباتية الحيوانية والجوفية وغيرها الموجودة
على سطح الأرض او بداخلها , يقول سبحانه وتعالى :(( هو الذى انزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه
تسيمون ---- ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل و الأعناب ومن كل الثمرات ان في
ذلك لآيات لقوم يتفكرون )) سورة النحل الآيات 10,11. ويقول تعالى : وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۗ انْظُرُوا
إلى ثَمَرِهِ
إِذَا أَثْمَرَ
وَيَنْعِهِ
ۚ إِنَّ فِي ذلكم لَآيَاتٍ
لِقَوْمٍ
يُؤْمِنُونَ ﴿سورة الأنعام
الآية 99. ويقول تعالى : (( وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله
من ينصره ورسله بالغيب ))سورة الحديد الآية 25 ويقول تعالى : ((ألم تر أن الله
أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر
مختلف ألوانها وغرابيب سود )). سورة فاطر الآية 27 . وقوله تعالى : (( وآية لهم
الأرض الميتة أحيينها وأخرجنا منها حباً فمنه يأكلون ))سورة يسن الآية 33. ومما
تقدم يتضح لنا أن المفهوم أو المعنى الاقتصادي
للأرض باعتبارها عنصراً من عناصر الإنتاج وذلك لقدرتها على الإنتاج أولاً هو واضح
من ظاهر الآيات الكريمة , وقدرتها على
توليد للدخل ثانياً وهو ما يفهم من الآيات , فإن الأرض المحياة تدر لا محال عائداً
على صاحبها سواء عمل فيها بنفسه أو أعطاها
لغيره للعمل عليها مقابل عائد معين يتفقان عليه . ونجد في حديث رسول لله أيضا ما
يفيد المعنى الاقتصادي للأرض بوضوح اكثر
وتحليل ادق , فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما
وغيره أنه قال أعطى النبي صلى الله عليه
وسلم خيبر لليهود ان يعملوها ويزرعوها ولهم شطر ما يخرج منها . وعن سعد بن أبي
وقاص قال كنا نكرى الأرض على عهد رسول الله بما على السواقي من الزرع وبما صعد من
الماء منها فنهانا رسول الله عن ذلك وأذن لنا أو قال رخص لنا في أن نكريها بالذهب
والفضة . وروي مسلم بن عبد الله بن السائب قال دخلنا على عبد الله بن معقل فسألناه
عن المزارعة فقال زعم ثابت ان رسول الله صلى الله وعليه وسلم نهى عن المزارعة وأمر
بالمؤاجرة وقال لابأس بها . ورغم ورود كثير من الأحاديث المروية عن رافع بن خديج
وأبي هريرة وغيرهما رضي الله عنهما التي يبدو فيها التعارض بين جواز المزارعة
والنهي عنها , وجواز كراء الأرض والنهي عنها , إلا أن هذه الروايات التي يطول
ذكرها يفسر بعضها بعض وتدل على انه لما وجد أصحاب الأراضي بالمدينة يكرون الأرض
بعقود مزارعة تشتمل على شروط فاسدة كتحديد الناتج من قطعة معينة من الأرض دون
غيرها , ربما أصابت وربما لم تصب مما يدعو الي الغرر والجهالة ,نهاهم عنها حسماً
للنزاع ودفعاً للضرر , وأرشدهم إلى إجارتها بالذهب والفضة منعاً للمخاطرة . ومن هنا
فإن دور الملكية في الإنتاج بعوامله الثلاثة أو عناصره الثلاثة في الفكر الاقتصادي الإسلامي توضح جيداً سواء في العمل
أو في رأس المال أو في الأرض أن الملكية تدور مع كل عنصر بدء و مسير وانتهاء ,
وتحولاً ثم مسيراً و انتهاء وتحولاً مرة
أخرى وهكذا . إذ نجد العمل مثلاً يعطى لصاحبه حق تملك أجرته , أو حق تملك ما يحييه
أو حق تملك ما يحوزه من الطبيعة , وهذا التملك يصير حقاً له , يضاف إلى ما يتملك
ويحق له بواسطته أن يستغله في شراء حاجياته الاستهلاكية كما يجوز له استغلاله في
شراء أدوات إنتاجية تقوم بعمليات إنتاجية يتملك عن طريقها ما تنتجه أو ما يعود
منها من عوائد و دخول فترض مرة ثانية إلى ما تملكه الخاص وهكذا . وما يقال عن
العمل يقال عن رأس المال , وعن الأرض باعتبارهما عنصري إنتاج يعترف الإسلام .
الى اللقاء في الحلقة القادمة إن شاء
الله
سامي
زين العابدين حماد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق