الربيع العربي قادم وإلى الربيع الإسلامي هو ذاهب بإذنه
تعالى ((48)):
تكلمنا في الحلقة الماضية عن أنواع الحكم في الدول
الوضعية الحديثة وبما أن القضاء يعتبر من أهم عناصر الحكومة في الدولة الحديثة
فدعنا نتعرف في هذه الحلقة والحلقات القادمة عن القضاء في الحكومة الإسلامية.
لقد ذكر ابن قدامة رحمه الله في كتابه المغني أن الأصل
في القضاء ومشروعيته الكتاب والسنة والاجماع.
ففي الكتاب نجد قول الله تعالى: { يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق
ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله } , وقوله
تعالى: { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } ,
وقوله تعالى: { إذا دعوا إلى ورسوله ليحكم بينهم } , وقوله تعالى: { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم
حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما } .
وفي
السنة الحديث المروى عن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر ) متفق
عليه.
و أجمع
المسلمون على مشروعية تنصيب القضاء والحكم بين الناس, وحكم القضاء فرض كفاية ذلك
لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه, وفي القضاء فضل عظيم لمن قوي على القيام به وأداء
الحق فيه, وقد روي عن ابن مسعود أنه قال: لأن أجلس قاضيا بين اثنين أحب إلي من
عبادة سبعين سنة.
كما أنه
في نفس الوقت خطر على من لا يؤد الحق فيه, لذا نجد أن السلف رحمهم الله يمتنعون
منه أشد الامتناع, ويخشون على أنفسهم خطره, قال خاقان بن عبد الله: أريد أبو قلابة
على قضاء البصرة, فهرب إلى اليمامة فأريد على قضائها, فهرب إلى الشام فأريد على
قضائها وقيل ليس هاهنا غيرك, قال: فانزلوا الأمر على ما قلتم فإنما مثلي مثل سابح
وقع في البحر فانطلق ثم سبح اليوم الثاني فمضى أيضا فلما كان اليوم الثالث فترت
يداه, وكان يقال أعلم الناس بالقضاء أشد له كراهة.
ولكثرة
وعظم خطره قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين ) قال الترمزي هذا الحديث حسن.
تعريف
القضاء في اللغة:-
هو في
اللغة: يقصد به الحكم والفصل والقطع, ولهذا يقال: قضى
يقضي قضاء, فهو قاص إذا حكم فصل, ومعنى القاضي هو القاطع للأمور المحكم لها الذي
يقضي بين الناس بحكم الشرع.
وأما
تعريف القضاء في الاصطلاح الشرعي: فقد
عرف القضاء شرعا بعدة تعاريف منها:-
· أنه فصل الخصومات والمنازعات.
· الاخبار عن حكم شرعي على سبيل الالتزام.
· هو الحكم بين خصمين فأكثر بحكم الله.
· هو فصل الخصومات وقطع المنازعات على وجه خاص.
·
القضاء
قول ملزم يصدر عن ولاية عامة.
وأما
التعريف المختار فهو: القضاء
هو الحكم بين الخصوم بمقتضى الشريعة الإسلامية بكيفية مخصوصة, ويقصد يه هو رفع
الدعوى إلى القاضي و الأساليب والضوابط التي يلتزم بها القاضي والخصوم في اجراء
التقاضي والترافع أمام القاضي, ووسائل رفع الدعوى, وبمقتضى هذه الوسائل للإثبات
والرفع للدعوى يصدر القاضي حكمه الحاسم للنزاع وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية.
القاضي:-
و تعتبر
وظيفة القاضي من وظائف الدولة العامة التي لها دور هام جدا بالنفع العام, وهي لا
تناط إلا بالكفؤ الصالح لها القادر عليها, كي تؤدي هذه الوظيفة الغرض من وجودها
وهو فض المنازعات والخصومات, وردع الظالم ونصرة المظلوم, وايصال الحق إلى أهله.
شروط
القاضي:-
أولا: البلوغ والعقل والحرية.
ثانيا: الإسلام.
ثالثا: العدالة.
رابعا: الاجتهاد.
خامسا: الذكورة.
سادسا: سلامة الحواس.
سابعا: ويمتاز القاضي بشروط أخرى بأن يكون قويا من غير
عنف, لينا من غير ضعف, فطنا يقظا عفيفا ورعا, بصيرا بعيدا عن الطمع, وهذه الشروط
تعتبر لازمة للقاضي.
الجهة
التي تعيين القاضي:-
إن وظيفة
القضاء من وظائف الخلافة, ذلك لأن القاضي يقوم بوظيفة القضاء التي هي من وظائف
الخلافة, إذ ينوب عن الخليفة في عمله القضائي, وهذا يعني أنها لا يمكن أن تولى إلا
عن شخص تخول له سلطة التعيين نيابة عن الخليفة مثل نائب الخليفة أو وزير العدل في
هذه الأيام أو أمراء الأقاليم, إذ يعتبرون نواب الخليفة إذا أذن لهم الخليفة بذلك,
وكذلك قاضي القضاة وهذا المنصب أول من تولاه هو القاضي أبو يوسف صاحب أبي حنيفة,
وكان لديه تفويض بتعيين القضاة.
كما جوز
لأهل الرأي والعلم تعيين قاض عند الضرورة إذا لم يوجد قاض ولا يوجد خليفة, فيجوز
لأهل الاختيار في هذا البلد أن يختاروا شخصا من بينهم يولونه القضاء, وإذا وجد
خليفة فيما بعد فلا يجوز لهذا القاضي المختار الاستمرار إلا إذا أذن له الخليفة
الجديد بذلك.
كيفية
اختيار الصالح للقضاء:-
قال
الفقهاء: على الخليفة أن يختار الكفؤ الصالح لمنصب القضاء, حتى يعينه لهذا المنصب
الخطير, وإذا كان الخليفة يعرف هذا الشخص فهو يقوم بتعينه وإلا كلف من يبحث له عن ذلك, وإذا اختير
فللخليفة الحق في سؤاله والتثبت من مدى صلاحيته.
وفي
أيامنا هذه يِخذ بالشهادة العلمية التي تعتبر قرينة على كفاءة صاحبها العلمية, كما
أنه لا يمنع من اجراء امتحان للمتقدمين لوظيفة القضاء بما له علاقة بالقضاء, كما
أنه يعمل مقابلات للناجحين حتى يظهر مدى لياقة الناجحين البدنية وسلامة حواسهم.
كما
يتحتم التحري عن عدالة المراد تعينه بعد ثبوت كفاءته العلمية خاصة في امتحان
المقابلة, كما أنه لا يوجد مانع من تقدم القاضي المراد تعينه بطلب مسبق لهذا
التعيين, على أن يدرج في طلبه جميع المعلومات الضرورية التي يحددها ولي الأمر التي
تعرف بشخصية طالب التعيين, وتبين أن يتحرى عنه وعن عدالته وسيرته, ولا يعتبر هذا
الطلب بأن تجرى عليه القاعدة بأن طالب الولاية لا يولى, ولكن هذه الطلبات بناء على
طلب ولي الأمر لأكفاء من القضاة بأن
يتقدموا بطلباتهم, ذلك لأن هذه الطريقة هي أسهل السبل لمعرفة الصالح للقضاء
وبالتالي تعينه, وفي هذا مصلحة مؤكدة للمسلمين.
التقليد
العام والتقليد الخاص:-
كثيرا ما
يستعمل الفقهاء مصطلح التقليد العام أو التقليد الخاص لمعرفة مدى ولاية القاضي
وسلطته في رؤية دعاوي الناس, فإذا تم تعيين قاض في منطقة ما ينظر في جميع خصوماته
المدنية والجزائية, وفي جميع الأوقات, ويعتبر تقليده في هذه الحالة تقليد عام.
أما إذا
تم تعينه على قيود معينة من حيث المكان أو الزمان أو نوع الخصومات, في هذه الحالة
يعتبر تقليده خاصا , وهذا التقليد الذي يعرف عند الفقهاء بتخصيص القضاء, ونجد أن
هذا التقليد أنواعها متعددة بتعدد القيود وأنواعها, وهذه الأنواع هي:-
1)
تخصيص
القضاء من حيث المكان:
ويقصد بهذا أن يحدد المكان الذي تنحصر فيه صلاحية
القاضي بحيث لا يمكن للقاضي أن يتجاوز هذا المكان لأنه لا يملك ولاية القضاء خارجه,
كما لو عين ليقضي في منطقة المدينة, فإنه لا يجوز أن تتحدد ولا يته القضائية إلى
(بدر) مثلا, على أن سعة المكان أو ضيقه لا يؤثران في صحة تخصيص القضاء من حيث
المكان وحتى لو عين أن يقضي بين أهل محلة معينة فقط من جانب المدينة.
2)
التخصيص
القضائي من حيث الزمان:
وهذا يعني أن ولاية القضاء تكون في أيام معينة
دون غيرها فمثلا لو عين في مدينة (كبدر) وحددت له أيام السبت والاثنين والخميس من
كل أسبوع.
3)
تخصيص
القضاء من حيث الأشخاص:
وذلك بأن يعين القاضي ليقضي بين طائفة معينة من
الناس كطائفة الأجانب المقيمين مثلا في مدينة ما, أو ليقضي في قضايا الأحداث,
وتبقى في هذه الحالة سلطته مقصورة على الفئة التي عين عليها, ولو حكم في أناس غير
هؤلاء فإن أحكامه لا تنفذ.
4)
تخصيص
القضاء بنوع الخصومات:
وهذا يخصص في النظر في القضايا الجزائية دون
المدنية, كما أنه يعني بنوع من القضايا الجنائية دون غيرها كالقتل فقط, أو يعني
بالقضايا المدنية مثل دعاوي العقار أو الدين أو بنوع آخر يطلق عليه الأحوال
الشخصية كدعاوي النكاح والطلاق فقط.
5)
تخصيص
القضاء بخصومة معينة:
وهذه تكون ولاية القاضي مقصورة على خصومة معينة,
ولا يجوز له أن يقضي في غيرها, وتبقى ولايته قائمة حتى تنقضي هذه الخصومة وحتى
نطقه بالحكم فإن ولايته تنتهي.
6)
تخصيص
القضاء من جهة مرور الزمان:
وذلك بأن تقيد ولاية القاضي من جهة مضي مدة معينة
على الحق المدعى به, أي لا يملك القاضي النظر في الدعاوي التي مر على الحق الذي
تعلقت به مدة معينة يحددها الخليفة, إذ جاء في كتاب الدر المختار في فقه الحنفية (
والقضاء مظهر لا مثبت ويتخصص بزمان ومكان خصومه أو حتى لو أمر السلطان بعدم سماع
الدعوى بعد مضي خمس عشرة سنة, فسماعها لا ينفذ) وفي دعاوى الوقف إذا مضي ثلاثة
وثلاثون سنة بلا عذر لا تسمع, وهذا لم يبنى على منع السلطان وإنما هو منع من
الفقهاء.
7)
مدى
ولاية القاضي في نظر دعاوى نفسه وأقاربه:
إن القاضي ليس له حق النظر في الدعاوى التي هو
طرف فيها, سواء كان مدعيا أو مدعى عليه أو كان الخصوم أقاربه كأبنائه وأبويه.
كما أن بعض الفقهاء وسع دائرة الأقارب وهم
المالكية بالرغم من بعد قرابتهم منه, إذ قالوا: ( ولا ينبغي للقاضي أن يحكم بين
أحد من العشيرة وبين خصمه, وإن رضي الخصم, ومعلوم أن دائرة العشيرة هي أوسع دائرة
للقرابة).
8)
مدى
ولاية القاضي في نظر خصومة السلطان:
معروف أن السلطان هو الذي يقلد القاضي, وهل يترتب
على ذلك بأن القاضي ليس له الحق في النظر في خصومة السلطان طالما أن السلطان هو
الموكل, وأن الوكيل ليس له الحق في النظر, انبثاقا من القاعدة أن قضاء الوكيل
لموكله غير جائز, إن هذا لا ينطبق , لأن ولاية القاضي تمتد إلى السلطان, فيملك
القاضي ولاية النظر في دعاويه سواء كان مدعي أو مدعيا عليه, قال الماوردي: ( فإذا
أراد الامام محاكمة خصمه جاز أن يحاكمه إلى قضاته لأنهم ولاة في حقوق المسلمين وإن
صدرت عنه ولايتهم ) وهذا ما تؤيده الحوادث المليء بها تاريخ القضاء الإسلامي
ومنها: أخرج أبو نعيم في الحلية قال: وجد علي بن أبي طالب كرم الله وجهه درعا له
عند يهودي, التقطها فعرفها فقال: درعي سقطت عن جمل له أورق, فقال اليهودي درعي وفي
يدي, ثم قال اليهودي بيني وبينك قاضي المسلمين, فأتوا شريحا القاضي, فلما رأى عليا
قد أقبل انحرف عن موضعه وجلس علي فيه ثم قال علي: لو كان خصمي من المسلمين لساويته
في المجلس, لكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تساووهم في المجلس ,
وساق الحديث. قال شريح: ما تشاء يا أمير المؤمنين, قال درعي سقطت عن جمل لي أورق
فالتقطها هذا اليهودي, قال شريح: ماذا تقول يا يهودي, قال درعي وفي يدي, قال شريح:
صدقت والله يا أمير المؤمنين, إنها لدرعك ولكن لا بد من شاهدين, فدعا قنبر والحسن
بن علي وشهدا أنه درعه, فقال شريح: أما شهادة مولاك فقد أجزتها, وأما شهادة ابنك
لك فلا نجزها, فقال علي ثكلتك أمك, أما سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم ( الحسن والحسين سيدا شباب أهل
الجنة ). قال: اللهم نعم, قال:
فلا تجيز شهادة سيد شباب أهل الجنة, ثم قال اليهودي: خذ الدرع, أمير المؤمنين جاء
معي إلى قاضي المسلمين فقضى لي ورضي, صدقت والله يا أمير المؤمنين إنها لدرعك سقطت
عن جمل لك التقطها, أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله, فوهبها له علي
كرم الله وجهه, وأجازه بتسعمائة وقتل معه يوم صفين.
هذا نموذج من نماذج القضاء في الإسلام, وأعتقد أنه لا
يحتاج التعليق عليه, وأنا أجزم أنه لا يوجد في قضاء أية أمة من الأمم مهما بلغت
فيها مجرى العدالة أرقى درجاتها, فإنها لا ترقى بأي حال من الأحوال إلى أول درجات
وعظمة وروعة وشموخ وعدالة القضاء الإسلامي, وسوف ابرز ذلك ما استطعت إليه سبيلا في
مكانه من البحث.
وإلى اللقاء في الحلقة القادمة إن شاء
الله
سامي زين العابدين حماد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق