السبت، 8 ديسمبر 2012

الربيع العربي قادم وإلى الربيع الإسلامي هو ذاهب بإذنه تعالى ((49)):


الربيع العربي قادم وإلى الربيع الإسلامي هو ذاهب بإذنه تعالى ((49)):

 

تكلمنا في الحلقة الماضية عن القضاء في الإسلام وبما أن الموضوع يطول شرحه فسنكمل في هذه الحلقة ما بدأناه في الحلقة الماضية ونبدأ بالقول: هل الخليفة يقضي بوجود القاضي؟


إن الخليفة هو الذي يعين القاضي, ولكن هذا التعيين لا يسلبه حقه في القضاء بين الناس, ذلك لأن من واجبات الإمام الأساسية هو القضاء, فإذا كان لديه متسع من الوقت ورأى أنه من المصلحة أن يباشر القضاء بنفسه في بعض الأحيان فله ذلك, إذ صرح الفقهاء بذلك, قال الفقيه ابن عابدين: ( للسلطان أن يقضي بين المسلمين ) وقال أيضا: ( أن السلطان لو حكم بين اثنين فالصحيح نفاذه)  وقال أيضا نقلا عن الأشباه ( قضاء الأمير جائز بوجود قاض البلد إلا أن يكون القاضي مولى من الخليفة ) وفي بداية المجتهد ( لا خلاف في جواز حكم الإمام الأعظم ).


تعدد القضاء في بلد واحد ومدي ولايتهم:-


يجوز أن يعين عدة قضاة في بلد واحد, وإن كانت ولاية كل واحد منهم عامة من حيث المكان والزمان في البلد الواحد, وبهذا فإن القاضي متى ما تقدم أحد بقضية إلى أحد القضاة فيكون من حقه النظر فيها دون غيره, لأنها رفعت إليه قبل غيره, أما إذا كان تعيين القاضي مقصورا على ناحية معينة من البلد, فيكون نظره في الموضوعات المتعلقة بالمنطقة التي تخص كل واحد منهم.

 
هل يجوز تعدد القضاة في المحكمة الواحدة:-


إن الأصل يجب أن يكون قاضيا واحدا في المحكمة ليقضي بين الناس, وهذا ما جرى عليه الحال في عهود الإسلام المختلفة, إن كان المرغوب فيه أن يشاور القاضي أهل الاجتهاد فيما يرفع إليه من دعاوى, إذ قال الماوردي: ( فالقاضي مأمور بالمشاورة في أحكامه وقضاياه).


ولكن هل يفهم أنه لا يجوز تشكيل المحكمة من أكثر من قاضي؟
 

فالجواب: لا, ذلك القاضي نائب عن الامام الذي ولاه ووكيل من قبله, وكما قال الفقهاء إن تقليد القضاء يعتبر استنابة, والاستنابة كالوكالة لا يجوز أن يجتمع فيها وكيلان عن اجتماع أو انفراد, وبذلك يكون تعيين عدة قضاة في محكمة واحدة جائز سواء كانوا يباشرون سلطتهم مجتمعين أو متفرقين.


أعوان القاضي:-


من المعروف أن القاضي يحتاج إلى جهاز اداري وموظفين من أجل معاونته على أداء مهمته التي أنيطت به على الوجه المطلوب وينحصر هذا الجهاز حسب ما هو معروف في التالي:
 

أولا: جماعة من أهل العلم والفضل:


يحتاج القاضي أن يتخذ جماعة من أهل العلم والفضل كي يشاورهم فيما يعرض عليه من القضايا, وهذه مطلوبة من القاضي وإن كان عالما, وذلك تمشيا مع الخلفاء الراشدين في هذا, ويشترط في هؤلاء أن يكونوا من أهل الاجتهاد والعدالة, حتى ينبهوا القاضي فيما إذا غاب شيء عليه أو فاته أو نسيه مما يتعلق بالدعاوي.

ثانيا: كاتب القاضي:


وهذا يستعين به القاضي في كتابة القضايا حيث يملي عليه القاضي ما يريد كتابته, وطلب الفقهاء أن يكون هذا الكاتب عدلا وعلى قدر كافي من الفقه والدراية.


ثالثا: الحاجب:
 

ويقصد به الشخص الذي يقدم الخصوم للقاضي حسب اسبقيتهم في الحضور أو موعد الجلسات, حتى يقضي بينهم, كما يطلق عليه العريف علما بأن هذا المنصب أيضا معروف لدى الخليفة و مهمته قريبة من هذه, إلا أن مهمته كما ذكر ابن خلدون هي: أن يحجب السلطان عن عامة الشعب, أي هو الذي ينسق في مواعيد مقابلة السلطان لمن يريد مقابلته من عامة الشعب, هذا بالنسبة للدولة العباسية, أما في الدولة الأموية في الأندلس فكان هو الذي يرتب مقابلة السلطان بالعامة والخاصة, أي حتى الوزراء ورجال الدولة, فكان هذا المنصب يعتبر من أرقى المناصب كما نراه في أخبارهم كابن حديد وغيره من حجابهم.

 
رابعا: البواب:


وهذا هو الذي يعرف الناس بموعد حضور القاضي وانصرافه, وهو الذي يعلم القاضي بمن حضر ويريد مقابلته حتى يأخذ الإذن لمن حضر بالدخول.


خامسا: المترجم:


ذكر الفقهاء أن على القاضي احضار مترجم أو مترجمين عدول ممن يؤتمن على ترجمتهم, وإذا لم يوجد متخصصين يترجم له عند الحاجة بواسطة مترجمين عدول ثقة, ومترجمان أفضل من مترجم واحد.


سادسا: الجلواز:


هو الشخص الذي يقيم على رأس القاضي ليصرف الخصوم عند انتهاء المحاكمات

 
سابعا: الأجرياء:


وهؤلاء تنحصر مهمتهم في احضار الخصوم إلى مجلس القضاء عندما يرفع أصحاب الحقوق دعوى ضدهم, ويشترط من هؤلاء أن يكونوا من أهل الدين والأمانة والبعد عن الطمع.


ثامنا: المؤدبون:


وهؤلاء مهمتهم أن يزجروا ويأنبوا من ساء أدبه في مجلس القضاء, وإذا استدعى الأمر طرده بالقوة من المجلس.


تاسعا: أهل الخبرة:


وهو أن يختار القاضي نفرا من ذوي العدالة والخبرة في الأمور التي يتعلق بها القضاء, وفض المنازعات في العقارات وخلافه وتقويم الأشياء حتى يكلفهم بدراسة ما يريده منهم.


عاشرا: صاحب السجن:


هو السجان الذي يقوم بتنفيذ أحكام السجن, ومن مهمته رفع تقرير يوميا عن جميع السجناء وعن حالتهم, حتى يفرج عن الذي انتهت مدته, وازالة الظلم عمن في السجن.
 

من يختار أعوان القاضي:-


يختار القاضي بنفسه من يشاورهم في القضايا من رجال أهل العلم والفقه, والمترجم الذي يترجم له أقوال الخصوم والشهود الذين لا يعرف لغتهم, أما الباقون فتقوم الدولة بتعينهم.


سلوك القاضي ورزقه:-


إن مركز القضاء مركز خطير للغاية, ذلك لأنه يفصل بين الخصوم في جميع أنواع الخلافات, لذا فيجب أن يكون محل ثقة الناس واطمئنانهم لعدالته وصدقه في الحكم, وهذا لا يتأتى إلا بأن يكون القاضي قدوة في سلوكه وتصرفاته وسيرته وأعماله, لذا فإنه يتوجب عليه أن يتقيد في سلوكه عند شكوك الناس وحتى لا تثار حوله الاشاعات, لذا فقد ذكروا أنه يجب أن يبتعد عن الآتي:


·       منعه من أعمال التجارة:


قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: (وكره له البيع والشراء خوف المحاباة والزيادة لأنه إذا باع لا يؤمن أن يسامح ويحابي, فتميل نفسه عند المحاكمة إلى مسامحة ومحاباة من سامحه وحاباه).


والراجح في اشتغال القاضي هو منعه من مزاولة أي مهنة أو عمل, ولو كان ذلك خارج أوقات وظيفته, لأن في ذلك مظنة مسامحة الناس له على أمل أن يقدم لهم نفس الشيء عندما يتحاكمون إليه في قضاياهم خاصة, وإن النفس ضعيفة أمام المال وحتى لو لم يكن ذلك فإنه سوف يشغله عن عمله الأساسي, ذلك لأن القضاء يحتاج إلى صفاء البال والزهن والاطلاع في كتب الفقه والتفكير في قضايا الناس, هذا كما يمنع من أخذ الهدايا ولو أنها جائزة, إلا أنها ممنوعة عليه, أما أخذ الأجرة فقد وافق جمهور العلماء كما ذكر ابن قدامة إذ يجوز للقاضي أخذ الأجرة على عمله, بل ينبغي أن يعطى مما يكفيه من بيت مال المسلمين, حتى لا يتطلع إلى ما عند الناس وحتى يتفرغ إلى عمله, وذلك لتنفيذ قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما كتب إلى معاذ ابن جبل وإلى أبي عبيدة لما بعثهما إلى الشام ( انظر رجالا من صالحي من قبلكم فاستعملوهم على القضاء وأوسعوا عليهم وارزقوهم واكفوهم من مال الله).


فنرى أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذهب إلى اشباع القاضي من الناحية المالية أكثر من حدود الكفاية إلى حدود التوسعة, حتى يكون القاضي راض وينصرف إلى عمل القضاء الخطير وهو راض النفس قانع.

 
·       علاقة القاضي بالدولة:
 

إن رئيس الدولة هو الذي يقوم بتعيين القاضي, ومتى تم هذا التعين فإن القاضي يجب أن تكون له شخصيته المستقلة, وكأنه لا تربطه بالدولة رابطة ولا علاقة, ذلك لأنه لو بقي مربوطا بها ويباشر أعماله تحت رقابتها فإنه لا يستطيع أداء مهمته المنوطة به كما ينبغي, كما أن للخصوم الحق أن يرفعوا شكواهم إلى الخليفة بخصوص الأحكام الصادرة منه, وإن نظر الخليفة في هذه الشكوى لم تستقم الأمور وتنفيذ الأحكام, لذا فإننا سنوضح ذلك فيما يلي:


·       التدخل في شؤون القاضي لا يجوز:
 

لا يجوز لأحد مهما بلغ منصبه في الدولة بأن يتدخل في عمل القاضي, ذلك لأن القضاء أصلا اخبار عن حكم الشرع على وجه الالزام, وهو الذي يقوم بهذا الاخبار, وأي تدخل في عمل القضاء يعرقله عن الاخبار الصحيح عن حكم الشرع الصحيح, ذلك لأن الحكم بالعدل هو من واجب الخليفة والقاضي وهو نائبه وتدخل الخليفة في شؤون القاضي يجبره على الانحراف عن أداء واجبه وهذا يعتبر مخالف للشرع الشريف.
 

·       القضاء دين يحاسب به القاضي:
 

إن القاضي مسؤول يوم القيامة عن جميع الأحكام التي صدرت منه, فإدا كان قضاءه عدلا وفقا لأحكام الشريعة دخل الجنة وإلا فإن النار هي مثوى له وأضاع الجنة, وقد جاء في الحديث الشريف: ( القضاة ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار فأما الذي في الجنة فرجل عرف  الحق فقضى به ورجل عرف الحق فجار في الحم فهو في النار ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار).


·       استقلال القاضي في قضائه حق له أم واجب:


إن مصدر استقلال القاضي هو الشرع, ذلك لأن القاضي بمقتضى الشرع يكون ملزما بإصدار أحكام وفق الشرع حسب اجتهاده, حتى أنه لا يجوز له التقليد, فإذا كان ممنوعا من التقليد فكيف يمكنه السماح بالتدخل في عمله القضائي أو التنازل عن استقلاليته في اصدار الأحكام, وعلى هذا فإن القاضي يصبح ملزما شرعا بأن يكون مستقلا وحرا في اصداره الحكم حسب اجتهاده.


·       تدخل ولي الأمر بعمل القاضي معصية:


إن القاعدة الشرعية: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) كما أن الحديث الشريف: (السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره مالم  يومر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ).
 

وبهذا فإن تدخل ولي الأمر في عمل القاضي معصية, وقد قال الفقيه المالكي أشهب: إن من واجبات القاضي أن يكون مستخفا بالأئمة, وفسرت عبارته أي مستخفا بوساطاتهم وشفاعاتهم, وفي انفاذ الحق عليهم وعلى ذويهم وهذا لا يعني أن يستخف بحقوق الأئمة في تقرير الطاعة العامة, وقيل أنه إذا أمر الوالي في التدخل في شؤون القاضي ولم يستطع القاضي أن يأخذ حكما مستقلا وجبت عليه الاستقالة, ولكن نجد أن ولاة الأمر في الإسلام لم يتدخلوا في القضاء, ولم يأمروا القاضي بإصدار أحكام حسب أهوائهم لعلمهم بأن هذا مخالفة للشرع, وكان القضاة مستقلون طيلة فترة صدر الإسلام وعهوده الأولى, حتى أن القاضي كان يصدر أحكاما ضد الخلفاء والأمراء, إلا أن هذا الاستقلال لا يمنع ارشاده من قبل السلطان ولا عزله واستبعاده إذا انحرف, ومن أمثال إرشاد القضاة رسالة عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري.


·       الرقابة على القاضي:


إن من واجب الخليفة مراقبة القاضي, لأن من حق الموكل أن يراقب وكيله أو نائبه ليتأكد من حسن سيرته وقيامه بواجباته وقضاياه على أي اتجاه يسير بها, ذلك كما له الحق أن يراقب جميع نوابه الآخرين من أمراء وولاة وغيرهم, وإن هذا لا يعتبر تعارضا باستقلالية القضاء, لأن استقلالية القضاء لا تعني عدم مراقبته, لأن من واجب الخليفة أن يراقب القاضي حتى لا يشذ, فإن شذ فسوف يكون هو الآخر مسؤولا لأنه هو المسؤول الأول عن الرعية.

 

                                 وإلى اللقاء بالحلقة القادمة إن شاء الله

                                 سامي زين العابدين حماد

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ليست هناك تعليقات:

تابعني علي التويتر