الربيع العربي قادم وإلى الربيع الإسلامي هو ذاهب بإذنه
تعالى (50):
تكلمنا في الحلقات السابقة عن القضاء في الإسلام وسوف
نتكلم في هذه الحلقة عن رجال القضاء في الإسلام .
سبق وأن قلت
يكفي القضاء شرفا ً بأن يكون محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم هو أول قاض في
الإسلام , وذلك حينما كان في المدينة بعد
الهجرة كان هو الذي يحكم في الخصومات , وقد قال الله تعالى (( فأحكم بينهم بما
أنزل الله )), وقوله تعالى (( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم , ثم
لا يجدوا في أنفسهم حرجاً ً مما قضيت ويسلموا تسليما )), ولما فتح الله على
المسلمين المدن والأمصار بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولاة إليها , وكان
الوالي هو الحاكم والقاضي في نفس الوقت ,
فبعث معاذ بن جبل إلى اليمن وعتاب بن أسيد إلى مكة , وهكذا كان أبو بكر إذ كان هو
يفصل بين الناس في المدينة , وولاته كانوا هم القضاة .
إلا أن القضاء أصبح مستقلا
في عهد عمر بن الخطاب , وكان رضي الله عنه يشدد في اختيار القاضي , إذ قال : ما من
أمير أمر أميرا واستقضى قاضيا محاباة إلا كان عليه نصف ما أكتسب من الإثم , وإن
أمره أو استقضاه لمصلحة المسلمين كان
شريكه فيما عمل من طاعة الله تعالى . ويروى أن كعبا ً كان جالسا عند عمر فجاءت امرأة فقالت : ما رأيت رجلا قط أفضل من زوجي أن يبيت
ليله قائما ً ويظل نهاره صائما ً , فاستغفر لها عمر وقال : ( مثلك أنثى بالخير ) فاستحيت المرأة وقامت راجعة , فقال
كعب : ( يا أمير المؤمنين هلا أعنت المرأة على زوجها , فقال : إذ ذاك أرادت , قال
: نعم , قال : ردوا علىّ المرأة , فردت
فقال لا بأس بالحق تقولينه , إن هذا يزعم إنك جئت تشتكي قالت : أجل , إني امرأة
شابة وإني ابتغي ما يبتغي النساء , فأرسل إلى زوجها وقال لكعب أقض بينهما ,قال :
فإني أرى لها يوما من أربعة أيام , وكان زوجها له أربع نسوة , فإذا لم يكن له غيرها فإني أقضي له بثلاثة أيام
ولياليها يتعبد فيها , ولها يوم وليلة ,
قال عمر : والله ما رأيك الأول بأعجب إليّ من الآخر , اذهب فأنت قاض على البصرة .
كما روى أيضا أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخذ
من رجل فرسا ً على سوم يحمل عليه رجلا ً ,
فعطب الفرس فقال عمر : اجعل بيني وبينك رجلا ً, فقال الرجل صاحب الفرس: بيني وبينك
شريحا ً العراقي , فأتيا شريحا ً فقال : يا أمير المؤمنين أخذته صحيحا سليما على
سوم فعليك أن ترده سليما ًكما أخذته , قال
فأعجبه ما قال ثم بعثه قاضيا إلى البصرة كما ولى سيدنا عمر أبا الدرداء بالمدينة ,
وولى أبا موسى الأشعري بالكوفة وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى عمرو بن العاص
: أن يجعل كعب على القضاء فأرسل إليه عمر فأقره كتاب أمير المؤمنين فقال كعب :
والله لا ينجيه الله من أمر الجاهلية وما كان فيها من الهلكة ثم يعود فيها أميرا ,
إذ نجاه الله منها , فأبى أن يقبل القضاء ثم تركه وولى عمرو بن العاص عثمان بن قيس
قضاء مصر , وبقى كذلك حتى مات عثمان بن عفان وبعدها مات القاضي .
كما وجه عمر بن الخطاب عبادة بن الصامت إلى الشام قاضيا
ً , وقد قيل أن علي بن أبي طالب هو أرسخ الصحابة في علم القضاء رضي الله تعالى عنه
وعنهم , إذ قال رسول الله صلى الله وسلم
:(( وأقضاهم على )) وكان عمر رضي الله عنه يقول : ( لو لا على هلك عمر ).
وكان القضاة في زمن الخلفاء الراشدين مجتهدين لا يقلدون
أحدا ً خاصة وإن المذاهب لم تظهر بعد وأن الأحاديث لم تكتب . واستمر الحال يجري في
تعين القضاة بعد فترة الخلفاء الراشدين كما هو الحال في عهدهم ,فلما قضى الأمر
لمعاوية بن صخر جرى بجهده على سند من تقدمه من ملاحظة القضاة ’ ثم تلوه خلفاء بني
أمية إلى أن ظهر بنو العباس فظفروا بالملك , فأسندوا في اختيار القضاة وتخيروا
للأعمال الشرعية صدور العلماء, إذ نجدهم دعوا مالك بن أنس , وابن أبي ذئب وأبا
حنيفة للقضاء , فتهرب مالك وقال : إني رجل محدود ولا يصلح أن يلي القضاء محدود ,
أما ابن أبي ذئب فتخلص بقوله : إني قرشي ومن يشرك في النسب لا ينبغي أن يشرك في
الحكم .
في حين أن الإمام أبو حنيفة تخلص بقوله : إني لمولى ,
ولا يصلح أن يلي القضاء مولى , وقد استطاع الجميع التخلص من منصب القضاء .
ومما يروى عن صدق القضاة وثبوتهم في الحكم ما روي عن
القاضي محمد بن بشير المعافري قاضي الحكم بن هشام, ومعروف عن هذا القاضي أنه عاصر
الإمام مالك بن أنس , روي عنه كما روي عنه علماء مصر , فقضى بشير على بن فطيس
الوزير , إلا أنه لم يعرفه بالشهود , فرفع الوزير أمره إلى الأمير متظلما من تصرف
القاضي معه , فكتب الحكم بن هشام إلى القاضي يخبره بأن الوزير كره حكمك , محتجا ً
بأنك حكمت عليه بشهادة قوم لم تعرفهم له , ولا أعذرت إليه فيهم , وأن أهل العلم
يقولون أن ذلك له , فرد القاضي بقوله : إنه لو عرفهم فسوف لا يجد سبيلا إلى
تجريحهم , هذا إذا لم يتحرج عن طلب أذاهم في أنفسهم وأحوالهم , وبهذا فإن الناس
سوف يتركون الشهادة وبالتالي تضيع أموال الناس.
هذه هي أحد مواقف رجال القضاء , كما روى أن الأشعث بن
قيس دخل على القاضي شريح في مجلس قضائه
فقال له شريح : مرحبا ً وأهلا ً بشيخنا
وسيدنا , وأجلسه معه , فبينما هو جالس معه
دخل عليه رجل يتظلم من الأشعث فقال له شريح : قم فأجلس مجلس الخصم وكلم صاحبك ,
قال : بل أكلمه في مجلسي , فقال له : أمرتك بأن تقوم فإن لم تفعل فسوف أمر من
يقيمك من مجلسك , فقام تنفيذا ً لقول القاضي وجلس بجانب خصمه.
ومما يروى أيضا عن موقف رجال القضاء في الإسلام أن سعيد
الخير بن الأمير عبد الرحمن الداخل كانت توجد لديه خصومة أمام القاضي ابن بشير ,
فوكل وكيلا يخاصم عنه أمام القاضي وكانت بيده وثيقة فيها شهادة شهود ماتوا جميعهم
, ولم يبق منهم على قيد الحياة إلا الأمير الحكم وشاهدا آخر , فحضر ذلك الشاهد
وشهد وبقى الحكم وكان شهد قبل توليه
الأمارة فذهب سعيد الخير إلى الحكم طالبا ً منه أداء الشهادة , فطلب منه
الحكم إعفاءه منها , وقال له : نخشى أن توقفنا مع القاضي موقف مخزاة كنا نفديه
بملكنا فسر في خصامك حيث صيرك الحق إليه وعلينا خلف ما انتقص , فأبى سعيد الخير
وأصر وقال : ماذا يقول قاضيك في شهادتك وأنت واليه , وأصر في إلحاح علي الحكم حتى
أرسل فقهين من فقهاء وقته , وخط شهادته بيده في قرطاس وختم عليها بخاتمه
ودفعها إلى الفقهين وقال لهما : هذه شهادتي ختمتها بختمي فقدماها
للقاضي في مجلسه , وعندما حضر القاضي لسماع الشهود قدما الشيخان الشهادة له وقال
لهما : سمعت منكما أذهبا راشدين , ولما أتى وكيل سعيد الخير قائلا لقد أتيت
بشاهدين وقد شهد عندك الأمير فماذا تقول ؟ فأخذ كتاب الشهادة فنظر فيه وقال للوكيل
: إن هذه الشهادة لا تعمل عندي وأتني بشاهد عدل , فتعجب الوكيل وذهب إلى سعيد
الخير ليخبره , فركب الأخير ذاهبا ً إلى الأمير وأخذ يوغر صدر الأمير على القاضي ,
إلا أن الأمير أجابه قائلا ً : وهل شككت أنا في هذا ياعم , إن القاضي لرجل صالح
ورع , وفعل ما يجب عليه أن يفعله , إنه سد بابا كان من الصعب إقفاله لو قبل ,
فأحسن الله جزاءه , فغضب سعيد الخير وقال : هذا ظني بك فقال : نعم , قد أديت الذي
كان لك علي ّ ولست والله أعارض القاضي
فيما احتاط لنفسه , ولا أخون المسلمين في قبض يد مثله . هذه أمثلة رائعة عن القضاء
والأمراء في تلك الفترة .
وإلى اللقاء
بالحلقة القادمة إن شاء الله
سامي زين العابدين
حماد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق