الربيع العربي قادم وإلى الربيع الإسلامي هو ذاهب بإذنه
تعالى (51):
تعرفنا في الحلقة الماضية عن رجال القضاء في الإسلام
وسوف نتعرف بإذنه تعالى في هذه الحلقة وفي الحلقة التي تليها عن سير أشهر قضاة
الإسلام مبتدئين بالقاضي شريح .
سيرة القاضي
شريح :-
هو قاضي الكوفة كما مر بنا في الحلقات السابقة , وهو ابن
الحارث الكندي , وقد ظل قاضيا بعد أن ولاه عمر القضاء على الكوفة حتى عهد عثمان
وعلى رضي الله عنهما , وبقى حتى فتنة ابن الزبير فأعتزله مدة ثلاث سنين ,
ولما ولى الحجاج استعفاه فأعفاه , وهو من الصحابة , وقد مكث في القضاء مدة
سبعين سنة أو خمسة سبعين سنة لم يعطل فيها
إلا مدة ثلاثة سنوات , وقيل أنه توفى عن عمر يناهز المائة وعشرون سنة ,
وكان فقيها نبيها شاعرا , صاحب مزاح وكانت له دراية في القضاء بالغة .
القاضي الشعبي :-
ولد في خلافة
سيدنا عمر بن الخطاب سنة سبع عشرة هجرية , روى عن أبي هريرة وابن عباس وعائشة وابن
عمر وغيرهم , وكان بحر علم لا ينضب معينه توفي رحمه لله عليه سنة 104هـ .
إياس بن معاوية :-
وهو قاضي أعدل
خلفاء بني أمية عمر بن عبد العزيز , وكان رحمه الله من أفطن قضاة الإسلام الذين
اشتهروا بالفراسة الجيدة التي لا تخطئ .
قال ابن خلكان : هو اللسن البليغ والألمعي المصيب ,
والمعدود مثالا في الذكاء والفطنة , رأسا لأهل الفصاحة والرجاحة , وكان صادق الظن
, لطيفا في الأمور , مشهورا بفرط الذكاء , وكانت تضرب به الأمثال , إذ نجد الحريري
عناه في مقامته السابعة ( فإذا ألمعية ابن
عباس وفراسة إياس ) ونجد أبو تمام يقول فيه :
إقدام عمرو في شجاعة عنتر *** في حلم أحنف في ذكاء إياس
القاضي أبو يوسف :-
هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن خنيس بن سعيد بن
حتبة الأنصاري , وسعيد بن حتبة الأنصاري
هذا أحد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم , نشأ أبو يوسف في أسرة فقيرة , وكان
في بادي حياته أخذ يدرس ويأخذ عن أبي إسحاق الشيباني , وسيلمان التميمي ,
ويحي بن سعيد الأنصاري , والأعشى , وهشام
بن عروة , وعطاء بن السائب وغيرهم من تلك الطبقة , أما الفقه فقد أخذه عن محمد بن
عبد الرحمن بن أبي ليلى , ثم تحول إلى أبي حنيفة النعمان , ومع هذا الإمام استقر
به المقام حيث وجد ضالته ’ إذ لازمه وكان مؤيدا لمذهبه إلا أنه خالفه في مواضع
كثيرة ظهر له فيها وجه غير رأي أستاذه , ويقال أن والدته هي التي أنكرت عليه حضور
الحلقة بعد أن كانت أسلمته إلى قصاب يتعلم منه ويعيش في كنفه .
وبعد موت شيخه ولي القضاء لثلاثة من الخلفاء , المهدي
وأبنه الهادي , ثم هارون الرشيد , وفي خلافة الأخير ظهر أبو يوسف للناس إذا كان
الرشيد يكرمه ويجله حتى سمي بقاضي القضاة , وهو أول من لقب بهذا اللقب , ولد سنة
113هـ وتوفي في اليوم الخامس من شهر ربيع الأول سنة 182هـ , وولي القضاء سنة 166هـ
وقد مات هو على القضاء في زمن هارون الرشيد.
القاضي يحي بن أكثم :-
هو قاضي قضاة المأمون , وقد ولي القضاء هو صغير , إذ ولي
القضاء وهو ابن بضع وعشرون سنة , وفي
شذرات الذهب إنه ولي القضاء وهو سنة ثماني عشرة سنة , فقال أهل البصرة كم سن
القاضي , فلما شعر أنهم استصغروه قال : أنا أكبر من عتاب بن أسيد الذي وجهه النبي
صلى الله عليه وسلم إلى مكة قاضيا , ومن معاذ بن جبل الذي عينه النبي صلى الله
عليه وسلم قاضيا على اليمن . قال طلحة بن محمد بن جعفر : إن يحي بن أكثم أحد أعلام
الدنيا فقد اشتهر أمره وعرف خبره ولم يستتر عن الكبير والصغير بين الناس , فضله
وعلمه واسع بالفقه , كثير الأدب حسن
المحاضرة , توفي في سنة 246هـ .
القاضي أحمد بن داود:-
ولد بالبصرة سنة
160هـ ونشأ بها وطلب العلم على علمائها , ثم انتقل إلى دار السلام عاصمة الخلافة
حيث التقى بالعلماء هناك , وحضر دروس أحمد بن أكثم , وهو الذي عرفه على المأمون إذ
كان حضر بالمباحثات اليومية للعلماء , وكان أحمد بن داود إذا تكلم أنصت إليه
المأمون معجبا بحديثه حتى لما توفى
المأمون أوصى المعتصم به خيرا , إذ
قال : وأبو عبد الله أحمد بن داود لا يفارقك , وأشركه في المشورة في كل أمر فإنه موضع لذلك منك , فكانت هذه الوصية سببا في
رفعة شأن أحمد بن داود, فعندما ولي الخلافة المعتصم ولاه قضاء القضاة , وفي شذرات
الذهب أنه توفى سنة 240هـ وكان ذا فصاحة
بالغة وشاعرا جوادا.
القاضي أبو يعلى
رحمه الله :-
هو محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد بن الفراء ,
وهو الشيخ العلامة والفاضل الجليل قاضي القضاة وعالم زمانه , هو من أكبر المؤلفين
على مذهب الإمام أحمد , كما أنه على علم ودراية بالقران وعلومه والحديث والفتاوى والجدل وغير ذلك , كما أنه
كان زاهدا ورعا عفيفا قنوعا , وله مصنفات كثيرة , درس على يد الشيخ حامد , مات
رحمه الله سنة 458هـ وترك ثروة هائلة من المؤلفات منها كتابه الأحكام السلطانية
الذي يعتبر مرجعا هاما في الحكومة الإسلامية والإدارية .
القاضي العز بن عبد السلام :-
هو أبو محمد شيخ الإسلام العز بن عبد السلام بن أبي
القاسم بن حسن بن محمد بن مهذب السلمي , ولد سنة 578هـ بالشام , وقد أخذ عن الفخر
بن عساكر , وأخذ الأصول عن الآمدي , وسمع الحديث عن عمر بن طبرزد , برع في الفقه والأصول العربية , وكان إماما
في دمشق , ولما علم أن سلطانها الصالح إسماعيل استعان بالإفرنج وأعطاهم مدينة صيدا وقلعة الشقيف أنكر عليه الشيخ ذلك ,
وترك الدعاء له في خطبة الجمعة وأنكر السلطان فعله ذلك وعزله , وبعدها سافر هو
الشيخ جمال إلى مصر , وأخذ في نشر العلم هناك آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر , كما
أن السلطان نجم الدين أيوب ولاه قضاء مصر والوجه القبلي , وكان شديدا إذا صمم على
شي فإنه ينفذه , إذ عزل نفسه عن القضاء مرتين وفي الأخيرة أصر, ثم كلفه الوالي
بالتدريس وبقى إلى أن توفى .
قال تلميذه ابن دقيق العيد : الشيخ العز بن عبد السلام
أحد سلاطين العلماء , وقال الشيخ جمال الدين بن الحاجب : العز بن عبد السلام أفقه
من الغزالي , وامتنع الشيخ زكي الدين من الإفتاء بعد قدومه إلى مصر , وقال : كنا
نفتي قبل حضوره , وأما بعد حضوره فمنصب الفتيا
فمتعين فيه , وقال ابن كثير في تاريخه : انتهت إليه رياسة المذهب وقصد
بالفتوى من سائر الأفاق.
وإلى اللقاء في الحلقة القادمة إن شاء الله
سامي زين العابدين حماد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق