الربيع العربي قادم وإلى الربيع الإسلامي هو ذاهب بإذنه
تعالى (52):
تكلمنا في الحلقة
الماضية عن بعض قضاة المشرق العربي ودعنا نتعرف في هذه الحلقة عن بعض قضاة
المغرب العربي والأندلس وعن ولاية المظالم والقضاء الجنائي .
القاضي سحنون المالكي :-
هو عبد السلام بن سعيد التنوفي الملقب بسحنون , أصله من
حمص الشام , أخذ العلم من مشايخ القيروان وتونس ثم رحل إلى مصر وسمع من كبار شيوخ مذهب الإمام مالك فيها مثل ابن وهب وابن القاسم ثم رحل إلى المدينة
ولكن بعد وفاة الإمام مالك , إلا إنه أخذ العلم من علمائه , ثم رجع إلى أفريقيا
سنة 191هـ وهناك ظهر علمه وعلا صيته , وكان ثقة حافظا للعلم , صاحب ورع وطرفة في
الحق , وزهاوة في الدنيا , مال إليه أهل المغرب ورغبوا فيه فولى القضاء هناك سنة
234هـ بعد أن بلغ حد الكبر , إذ بلغ سنه أكثر من أربع وستين سنة ولم يترك القضاء
إلى أن مات .
القاضي محمد بن عبد الله بن أبي عيسى :-
ولى القضاء في
منطقة ما بين طليطلة وبجانة وكانت له سيرة
حسنة لعدله وصراحته في تنفيذ الحقوق وإقامة الحدود و الكشف عن الشهود . قال أبن
القرطبي : كان حافظا للرأي مقتنيا بالآثار جامعا للسنة , متصرفا في علم الإعراب
ومعاني الشعر . ولى القضاء من قبل الناصر وقلده مع القضاء إمامة الكورة والنظر في
عمالها فكانوا لا يتصرفون إلا بتوجيهاته , ثم تقلد البيرة وولاه قضاء الجماعة بقرطبة في ذي الحجة من سنة 326هـ , وأقر محمد بن أيمن على الصلاة إلى أن ضعف ابن أيمن فاستعفي
فعفاه الناصر لدين الله وكلف بها بان أبي عيسى فتولاها إلى أن مات.
القاضي أبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد :-
ذكره ابن بشكول فقال :- قاضي الجماعة بقرطبة , وصاحب
الصلاة بالمسجد الجامع بها , يكنى أبا
الوليد , روى عن أبي جعفر أحمد بن زروق
وتفقه معه وتتلمذ علي أبي مروان بن سراج , وأبي عبد الله محمد بن خبرة , وأبي علي الغساني , وأجاز له أبو العباس
العذري ما رواه , وكان فقيها عالما حافظا للفقه , مقدما فيه علي جميع أهل
عصره , عارفا للفتوى على مذهب مالك
وأصحابه , بصيرا بأقوالهم واتفاقهم واختلافهم , نافذا في علم الفرائض والأحوال ,
فكان بارعا في العلم والفهم مع الدين
والفضل و الوقار والحلم والسمت الحسن , والهدى والصالح . ومن مؤلفاته كتاب
المقدمات الأوائل لكتاب المدونة , وكتاب
البيان والتحصيل لما في المستخرجة من
التوجيه والتعديل , واختصار المبسوط , واختصار مشكل الآثار وغيرها كثير.
لقد كان قاضيا لقرطبة , وكانت سيرته ممتازة طيلة فترة
قضائه , وكان الناس يلجؤن إليه مستفسرين منه ما عضل عليهم وشكل , وكان حسن الخلق
سهل اللقاء , كثير النفع لخاصته وأصحابه , كما أنه حلو المعشر حافظ للعهد كثير
البر بهم .
توفى رحمه الله ليلة الأحد الحادي عشر من ذي القعدة سنة
520هـ , أما مولده فكان سنة 450هـ .
القاضي أبي
الفضل عياض اليحصبي :-
هو عياض بن موسى بن عياض اليحصبي من أهل سبتة , قال ابن
عبد الملك بن بشكوال فيه : يكنى أبا الفضل
قدم إلى الأندلس طالبا العلم , فأخذ
بقرطبة عن القاضي أبي عبد الله محمد بن على بن حمدين , وكذلك عن أبي الحسين سراج
ابن عبد الملك بن سراج , وكذلك عن شيخنا أبي محمد بن عتاب وغيرهم , كما أخذ من
المشرق عن القاضي أبي علي حسن بن محمد الصدفي كثيرا , وكان جامعا للحديث معتنيا به
, وكان ذكيا فطنا يقظا , وكان قاضيا في بلده مدة طويلة , ثم بعدها ولى القضاء في
غرناطة ثم منها إلى قرطبة سنة 531هـ . ولد سنة 476هـ وتوفى رحمه الله بمراكش سنة
544هـ .
ولاية المظالم :-
إن ولاية
المظالم لا تعتبر وظيفة قضائية بحتة , كما أنها ليست من وظائف السلطة التنفيذية
البحتة , وإنما هي وظيفة ذات طبيعة مزدوجة من هاتين السلطتين التنفيذية والقضائية ذلك لأن اختصاصات والي المظالم
اختصاصات واسعة تشمل ما يدخل في صلاحية القضاة , بالإضافة إلى ما يختص في صلاحية
الأمراء ورجال السلطة التنفيذية . وأول قاض للمظالم هو علي بن أبي طالب كرم الله
وجهه , وخصص لها عبد الملك بن مروان يوم معين
, وكذلك الخليفة عمر بن عبد العزيز خصص لها يوم , وبعد ذلك خصص لها قضاة
معينون في قضايا الأفراد والجماعات على الولاة , وعمال الخراج , وكتاب الدواوين
وكتاب بيت المال , وهذا ما يطلق عليه اليوم بالقضاء الإداري .
كما يشمل اختصاص قاضي المظالم بالنظر في أحكام القضاة
العاديين إذا ما تظلم منها خصما بدعوى معترضا علي الحكم ,أو إذا لم تراعي العدالة
, فكانت محكمة المظالم بمثابة محكمة إستئنافية
حسب مسميات العصر الحديث , وهذا نابع من أن القاضي أساسا هو والي , ومن
أقدر رجال السلطة في البلاد , فخوفا من أن يشتط أو يجور ويظلم , شأنه في ذلك شأن
أي أمير أو أي مسئول في الدولة , فإذا
حدث منه ما يوجب الشكوى فإن للفرد الحق أن يتظلم إلى قاضي المظالم . وكان أساس وضع
هذا المركز هو كبح جماح رجال السلطة في البلاد ووقف تعديهم , لذا هذا المنصب لا
يستند إلى شخص عادي , وإنما يجب أن يستند إلى رجل جليل المقام , لذا نجد أن سيدنا
علي بن أبي طالب كان هو قاضي المظالم .
كما نجد أن عبد
الملك بن مروان خصص يوما للنظر في هذه المواضيع , وكانت محكمة المظالم تقعد أحيانا
تحت رئاسة الخليفة أو من ينيبه .
قضاء الجيش :-
نجد أن الإسلام قد خصص قضاة للجند والجبهات العسكرية ,
وقد ذكر الطبري أنه في عهد عمر بن الخطاب كان قضاة العسكر يفصلون في الغنائم
وبجانب فصلهم في قضايا الجند .
القضاء الجنائي :-
نجد أن الإسلام
أيضا خصص قضاء آخر لينظر في مسائل إقامة الحدود والنظر في الجرائم , وقد عرف
الإسلام تعدد درجات التقاضي , ووضع قواعد ثابتة للإجراءات الجنائية والمدنية , وفصلها عن بعضها وحددوا أنواعها فتختلف كل واحدة عن الأخرى كما وضعوا معنى
للدعوى العمومية وهي كل ما يتعلق بحدود الله وحقوقه , فهذا النوع ينظر فيه القاضي بدون وجود خصم , وهي
تشمل الحدود , والحكم في أموال الدولة والأوقاف والوصايا التي ليست لشخص معين ,
كما أنهم عرفوا أن تنازل الشخص في مثل هذه القضايا لا يؤثر علي سير الدعوى .
كما أن الإسلام
وضع أسسا صحيحة الأصول التحقيق الجنائي,
إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أدرؤوا الحدود بالشبهات , وإن وجدتم
للمسلم مخرجا فخلوا سبيله , فإن الإمام لأن يخطي في العفو خير من يخطئ في العقوبة
) . وكذلك قصة يوسف مع امرأة العزيز نجد إنها ترسم إجراءات التحقيق الجنائي بأدق بيان قال الله تعالى :(
إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين ) وقوله تعالى : (( وجاؤا على قميصه بدم كذب , قال بل سولت
لكم أنفسكم أمرا , فصبر جميل )) .
وإلى اللقاء
بالحلقة القادمة إن شاء الله
سامي زين العابدين
حماد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق