الحكم بالشريعة
الإسلامية فريضة على حاكم مسلم (12 )
تكلمنا
في الحلقة الماضية عن دور الملكية في
زيادة الإنتاج وسوف نتكلم بإذنه تعالى في هذه الحلقة عن خلق واستخدام
الفائض الاقتصادي ومعروف لدينا أن الفائض هو الفرق بين الناتج والمستهلك وهذا
الفائض يتطلب مجهودين لإنماء الناتج من ناحية وترشيد الاستهلاك من ناحية أخرى
,ونستطيع اجمال موقف الإسلام من هذين العاملين في النقاط التالية :
أولاً من
ناحية الإنتاج :
نجد أن هناك نصوصاً عديدة سبق تناولها في البحث عند تناول عنصر العمل على
ضوئها يمكن القول أن الإسلام يطالب الفرد والجماعة بأن يصل الإنتاج إلى أحسن وضع
يحقق أهداف المجتمع ويؤصل لهذا القول عدة تكليفات إسلامية هي:
1-
الإحسان , ومعنى الإحسان هو تحقيق أقصى قدر ممكن من ناحية الكم والكيف يقول تعالى
(( وأحسنوا إن الله يحب المحسنين )) سورة البقرة الآية 195 , ويقول تعالى (( ولا
تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده )) سورة الأنعام الآية 152
. وفسر رجال الفكر الإسلامي أن معنى هذه الآية أنه يجب أن يستخدم مال اليتيم بما
فيه صلاحه وإنماؤه ويكون ذلك بحفظ أصوله وتثمير فروعه وهذا يعنى أن المحافظة على
رؤوس الأموال وعدم استهلاكها , وإنما تستغل ,ويكون الإنفاق من دخلها ذاتها , ويقول
صلى الله عليه وسلم :(اطلبوا الحوائج من حسان الوجوه ) أو من أحسن وجوهها التي تحل
.
2- بذل
الطاقة والواسع , يقول تعالي : (( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها )) سورة البقرة
الآية 286 , ومعنى ذلك أن الجماعة عليها أن تستخدم جميع طاقاتها وإمكاناتها .
3- العمل
تبعاً للقدرات , وهذا يعنى بلوغ الإنتاج أقصى قدر ممكن كماً وكيفاً .
ثانياً من ناحية الإنفاق :
نجد
أن الإسلام قد شرع عدة مبادئ على ترشيد الإنفاق, ومن هذه المبادئ ما يلي :-
1- تحريم التبذير والإسراف , ونجد أن الفكر الإسلامي يعرف التبذير بأنه
إنفاق المال على ما لا يحل , وعلى المباح إذا تجاوز الحد المتعارف عليه , وكذلك
إهدار الأموال وعدم الاستفادة الحسنة منها , وهذا يعنى أن أي مقدر من المال مهما
قل إذا انفق في غير المباحات التي أباحها الإسلام يعد هو الآخر تبذيراً , وكذلك
سوء توجيهه يقول تعالى : (( وكلوا أشربوا ولا تسرفوا )) سورة الأعراف الآية 31
.ويقول تعالى : (( ولا تبذر تبذيرا)) سورة الإسراء الآية 26 , ويقول صلى الله عليه
وسلم : ( إياكم والسرف في النفقة وعليكم الاقتصاد فإنه ما افتقر قوم اقتصدوا )
ويقول صلى الله عليه وسلم أيضاً : ( التدبير نصف المعيشة ).
ونجد أن
الإسلام كما حرم التبذير والإسراف فإنه حرم الترف أيضاً كنمط إنفاقي غير رشيد
وينقي المجتمع الإسلامي منه تماماً .
2- تحريم الاكتناز
يقول تعالي : (( والذين يكنزون الذهب الفضة ولا ينفقونها في سبيل فبشرهم بعذاب
أليم )) سورة التوبة الآية 34 .وتعرضت للكلأ عن هذه الآية فأحب أن ألفت الانتباه
هنا إلي أن بعض رجال الفكر الإسلامي يفسرون هذه بعدم إخراج الزكاة من الأموال ,
فالمال المخرج زكاته لا يعد مكتنزا , والبعض الآخر يرى أن الاكتناز لا يقتصر على
عدم تأدية الزكاة فقط , فقد يزكى المال ومع ذلك يظل مكتنزاً , والذي أراه في هذا
الموضوع هو ما قلته سابقاً وهو أن الإسلام بتحريمه الإسراف والتبذير قد حافظ على
الفائض الاقتصادي من الضياع والاهدار وبتحريمه الاكتناز قد حفز صاحب المال على استثماره
وإنفاقه .
موقف الفكر الإسلامي من قضية الفائض :
لقد
حدثنا التاريخ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل أحد الافراد عن حال الإقليم الذي
يعيش فيه فقال له : يا أمير المؤمنين تركت الناس يسألون أيزيد في عمرك من أعمارهم
. ما وطي أحد القادسية إلا أعطاه ألفين وخمسة عشر مئة , وما من مولود يولد إلا كان
له الحق في مئة وجريبين في كل شهر , ذكراً كان أو أنثي , وما يبلغ لنا ذكر إلا
الحق على خمسمائة أو ستمائة ,فإذا أخرج هذا لأهل بيت منهم من يأكل الطعام ومنهم من
لا يأكل فما ظنك به إنه ينفقه فيما ينبغي وفيما لا ينبغي , فقال عمر الله المستعان
إنما حقهم أعطوه وأنا أسعد بأدائه إليه منهم بأخذه , فلا تحمدني عليه فإنه لو كان
من مال الخطاب ما أخذوه , ولكن قد علمت أن فيه فضلاً ولا ينبغي أن أحبسه عنهم ,
فلو أنه إذا أخرج عطاء أحد هؤلاء ابتاع منه فجعلها بسوادهم , فإذا خرج عطاؤه
الثانية ابتاع الرأس والرأسين فجعله فيها . فإني أخاف عليكم أن يليكم بعض ولاة لا
يعد العطاء في زمانهم مالاً , فإن بقي منهم أحد من ولده كان لهم شيء قد اعتقدوه
فيتكئون عليه ,فإن نصيحتي لك وأنت عندي جالس كنصيحتي لمن هو بأقصى ثغر من ثغور المسلمين
.
من هنا يتضح لنا أن مشكلة الفائض الاقتصادي قد فرضت نفسها على المجتمع
الإسلامي الأول , وكانت التوجيهات والأوامر على عدم تضيع هذا الفائض , وإنما يوجه
للاستثمار وتكوين رؤوس أموال تدر دخلا على مدار الوقت .
وكذلك
الموقف التالي يوضح لنا المنهج الذي غرسه الإسلام في نفوس أتباعه في هذا الشأن
,يحدث التاريخ أن عبادة بن الصامت قال للمقوقس : إن غاية أحدنا من الدنيا أكلة
يأكلها يسد بها جوعه ليله ونهاره , وشملة يلتحفها , فإن كان أحدنا لا يملك إلا ذلك
كفاه وإن كان يملك قنطاراً من الذهب ينفقه في طاعة الله واقتصر على ما بيده ,
وبذلك أمرنا الله وأمرنا نبيه . كما نجد اتجاها آخر كشف عنه أصحاب رسول الله بقوله
: ( حسن التقدير في المعيشة أفضل من نصف الكسب ) .
ويقول
الدكتور شوقي أحمد دنيا في كتابه ( الإسلام والتنمية الاقتصادية ) : والباحث في
هذا القول يجده ضمن ما يتضمن جانبين لا غني عنهما في قضية الفائض الأول : أن إنتاج
الدخل إذا كان هاماً فإن نمط إنفاقه لا يقل أهمية إن لم يزد حيث أن الإنفاق الرشيد
بمثابة زيادة في الدخل بأكثر من 50% , والمغزى من ذلك هو العمل الجاد على ترشيد
الإنفاق والثاني أن حسن استخدام رؤوس الأموال المتاحة يدر دخلا يفوق ما تحققه
زيادة رأس المال بمفردها بمقدار 50 %على الأقل .
ونجد أن
من النصوص الهامة هنا قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه : (الخرق في المعيشة أخوف
عندي عليكم من العوز يعطي شيئاً مع الإصلاح , ولا يبقي شيء مع الفساد ) .
وهذا
يعني أن سوء استخدام الأموال أكثر ضرر من عدم وجود المال أصلاً.
ونجد أن الإمام الدلجي يوضح لنا أسلوباً علمياً دقيقاً على أهمية الفائض الاقتصادي
, ويعتبر من أهم أسباب الفقر والتخلف عدم توافر هذا الفعل , ويناقش التسربات التي قد يتسرب إليها
إذ يقول : ( إنه كلما تجدد للإنسان دخل جدد له صرفا ,إما للمباهاة والترفه على
أمثاله أو إفراط في الشهوات وانهماك في
اللذات أو خوف من سوء القال والأحدوثة , أو لأن الحالات المتجددة في دخله يلزمها
تجدد أمور في صرفه فلا يزال الشخص مفلوكا
مهملا) .
والدلجي بالإضافة إلى ما تقدم فإنه يسبق المفكر الاقتصادي الغربي (دوسمبري) الذي اشتهر عنه أنه المكتشف
لعامل المحاكاة والتقليد وأثره على الاستهلاك .
ومما
تقدم يتضح لنا رأى الإسلام في المبادي العامة التي وضعها بصدد قضية الفائض الاقتصادي
من حيث إيجاده واستخدامه السياسات والإجراءات التي يحكم الفائض الاقتصادي :-
مما
تقدم يتضح أن الإسلام حث بل أمر بتكوين الفائض وبحسن استخدامه , والسؤال الذي يفرض
نفسه هنا هو هل بهذا أكتفي الإسلام أم أنه قد وضع للحاكم وللجماعة الإسلامية
سياسات أو إجراءات تنفيذية يتخذها عندما تتعرض إحدى القواعد المتقدمة للتعطيل ,محيلاً بذلك موقفه من النظرية المحضة
إلي واقع عملي , وفي هذا البحث يمكن القول والإجابة على هذا السؤال على النحو
التالي :
هناك عدة إجراءات
يجب على الحاكم أن يتخذها حيال التفريط في المبادي السابق ذكرها :-
1- إجراء المصادرة , وهذا يعني أن المال إذا لم يقم صاحبه باستخدامه على
النحو السابق فإن الحاكم يتدخل لتصحيح الموقف , ومن وسائله في ذلك مصادرة المال .
يقول صلى الله عليه وسلم :(ليس لمتجر حق بعد ثلاث ) ويقول ابن الخطاب : ( من أحيا
أرض مواتة فهي له وليس لمحتجر حق بعد ثلاث سنين ) . والإحتجار هو وضع أحجار ونحوها
حول قطعة من الأرض تمهيداً لتعميرها , وقد قال عمر أيضا : ( من ترك ارض معطلة ثلاث
سنين فجاء غيره وعمرها فهو أحق بها ) .
ونجد أن
عمر بن الخطاب رضي الله عنه طبق هذا الحكم عملياً عندما حكم على بلال بالإبقاء على
ما يقدر على عمارته ويرد الباقي لمن يعمره ونفذ الحكم قهراً. بل نجد أن الفكر
الإسلامي يقول : أن الفرد لا يقر على الأرض المعطلة ولو دفع خراجها لئلا تصير
بالخراج مواتا .
هذه مواقف ونصوص تبين أن على الحاكم أن يتدخل بحمل الناس على استغلال موارد
ثروتهم .
ورد على هذا نجد أن قول أبي يوسف لهارون الرشيد : لا أري أن يترك الإمام
أرضا لا ملك لأحد فيها ولا عمارة حتى يقطعها فإن ذلك أعمر للبلاد .
2-مداومة
الاستقطاعات المشروعة , وهذا يعني أن الفوائض المالية تستثمر بغض النظر عن استثمار
الإنتاج أو انقطاعه طالما كان الإنتاج ممكناً , فنجد مثلا أن فريضة الزكاة سواء
استثمر المال أم بقي معطلا , وفي ذلك يقول صلي الله عليه وسلم : ( اتجروا في مال
اليتيم حتى لا تأكله الصدقة ) . وأوضح عمر بن الخطاب مضمون الحديث بقوله : إنما
تأكله الصدقة بإخراجها منه .
ورأينا
أن الخراج قد فرض على من يقوم باستغلال الأراضي الخاضعة للملكية الجماعية , سواء
استغلت تلك الأراضي أم لم تستغل . ومن ذلك يقول رجال الفكر الإسلامي : إن خراج الأرض
إذا أمكن زرعها مأخوذ وإن لم تزرع , ولا يقل الخراج بسبب نقص في الغلة راجع إلي
أصحابها ويأخذون بالعمارة لئلا يستديم خرابها فتعطل .
من ذلك
نفهم أن الإسلام يقدم إجراءات إيجابية حتى لا تعطل الأموال ويدفعها دفعا إلى ميدان
الإنتاج والتشغيل.
3- الحجر
على السفيه:- وهذا الإجراء يعد بمثابة إجراء شامل يواجه به الإسلام كل مظاهر الانحراف
في استخدام الأموال .
يقول
تعالى : (( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها
واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً )) .وقال رجال الفكر الإسلامي في التعليق على
تلك الآية : أن السفيه هو الذي لا يحسن استخدام أمواله , ولا قدرة له على إصلاحها
وتثميرها والتصرف فيها .
ومن هنا
فإن هناك ضرورة توافر القدرة على الاستثمار ونجد أن قول الإمام مالك محدد بشكل
واضح في مفهوم الرشد الذي هو عكس السفه انه تثمير للمال وإصلاحه, ونجد أن موقف الإسلام
هذا ودقه إصراره على استثمار الأموال وحسن استخدامها كان موقفاً جيداً , كما يعتبر
أن من لا يحسن ذلك يوصم بالسفه , ونجد أن بعض المفسرين قالوا إن المقصود بالأموال
في الآية أموال السفهاء , وقد أضافها الله إلي المخاطبين وهم الجماعة لان المال في
الأصل مالها والفرد مجرد نائب عنها في استخدامه وإنفاقه في مصلحته ومصلحة الجماعة
. فإذا لم ينهض بذلك سلب منه ماله بأمر الحاكم ووضع تحت يد قادرة على تثميره وحسن
إنفاقه.
هذه
إجراءات عدة قد وضعها الإسلام محافظاً بها على الفائض الاقتصادي وحسن توجيهه ,
وبذلك استكمل النظام الاقتصادي الإسلامي أسباب الكمال , فليس هو مبادى وتوجيهات
فقط رغم اهميتها وأثرها في سلوك المؤمن
بها , وإنما قدم إجراءات محددة تخضع لسلطة وسيطرة الدولة التي هي بدورها يجب أن
تكون رشيدة كما سبق .
إلى
اللقاء في الحلقة القادمة إن شاء الله
سامي زين
العابدين حماد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق