الحكم بالشريعة الإسلامية فرض على كل مسلم الحلقة 13
تلكمنا في الحلقة الماضية عن الفائض الاقتصادي وأثره في التنمية الاقتصادية
وسوف نتكلم في هذه الحلقة بإذنه تعالى عن واردات الدولة في الشريعة الإسلامية
وكيفية جبايتها.
أولا الإيرادات الدورية:-
ومن أنواعها ما يلي :
·
الذكاة : وهي فريضة مالية تعبيرية , فإن كانت عبادة فهي حق مالي ,
وترجيح أحد الجانبين على الآخر محل خلاف بين فقهاء الإسلام .
·
الخراج : ويمكن تعريفه بأنه ما يفرض نظير استغلال الأراضي المملوكة
ملكية عامة , حيث إذا أعطيت أي أرض من تلك الأراضي لمن يستغلها فإنه يدفع عليها
جزء من المال ويطلق عليه خراج , ونجد أن جمهور الفقهاء يقولون : أنه لا تعارض بين
تلك الفريضة والزكاة , بحيث إذا أسلم المستغل للأرض يؤدي الفريضتين معاً.
·
إيرادات القطاع العام: وهذه تتمثل في الدخل الذي يأتي نتيجة الأموال
الخاضعة للملكية العامة بنفسها من جهة الدولة كما فعل ذلك عمر بن الخطاب رضي الله
عنه في أرض السواد
·
الجزية : ويمكن أن نعرفها بأنها فريضة مالية تفرض على أهل الذمة
المقيمين بدار الإسلام مقابل ما يؤديه المسلمون من الزكاة , ومقابل عدم اشتراكهم
في الدفاع والنفقات , ونجد أن الفقهاء قد أتفقوا على أنها لا تفرض على الأطفال
والنساء والعاجزين عن الكسب , أما في تحديد مقدارها ففيه خلاف بين الفقهاء وسوف
أتكلم عنها داخل البحث عند الكلام عن تخطيط الموارد المالية .
·
العشور :ويمكن القول فيها أنها فرائض مالية تفرض على من يدخل بلاد
الإسلام ومعه أموال للتجارة , ويختلف سعرها حسب الأشخاص المكلفين بها وحسب أنواع
السلعة المستوردة , وعموماً فهي تتراوح ما بين 5/2 إلي 10وسأعود إلي مناقشة هذا الموضوع تفصيلياً في
موضعه من البحث
الإيرادات غير الدورية:
والمعروف أن تلك الأموال أو على الأصح الإيرادات السالف ذكرها هي محدودة من أجل
الإنفاق العام في الدولة ولكن لو فرض أن هذه الإيرادات لم تكف الإنفاق العام فهل
يتوقف الإنفاق العام أم ماذا ؟وقد قدم الإسلام تجاه هذه المشاكل ثلاثة أساليب يمكن
استخدامها عند الحاجة :
1 - الضرائب :- هي عبارة عن
ضرائب تفرض على القادرين عند الضرورة , والمصدر التشريعي لتلك الفريضة نجده في
القرءان والسنة وعلى ألسنة رجال الفكر الإسلامي , يقو تعالي : (( ليس البر أن
تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من أمن بالله واليوم الأخر والملائكة
والكتب والنبيين وأتي المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وأبن السبيل
والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة )) سورة البقرة الآية 177. ففي الآية ذكر إنفاق المال بجوار الزكاة , وقد
رجح كبار المفسرين كون إيتاء المال في الآية على سبيل الفريضة وليس على سبيل الندب
والاستحباب .ونجد أن معظم الصحابة رضوان الله عليهم يرون أن في المال حقا غير
الزكاة , وفي ذلك يقول على بن أبي طالب كرم الله وجهه : إن الله فرض على الأغنياء
في أموالهم ما يكفي الفقراء ,فإن جاعوا أو عروا فبمنع الأغنياء , وحق على الله أن
يحاسبهم يوم القيامة ويعذبهم . يقول القرطبي : قال مالك : يجب على المسلمين فداء
أسراهم وإن استغرق ذلك كل مالهم
واتفق العلماء انه إذا نزلت
حاجة بالمسلمين بعد أداء الزكاة يجب صرف المال
إليها وقال الشاطبي : إذا قال
الشارع أطعموا القانع والمعتر وأنفقوا في سبيل الله فمعني ذلك طلب رفع الحاجة في
كل واقعة يحسبها من غير تعيين مقدار , فإذا تعينت حاجة تعين مقدار ما يحتاج إليه
فيها بالنظر لا بالنص , فإذا تعين جائع فهو مأمور إطعامه وسد خلته بمقتضي ذلك
الإطلاق فإن أطعمه مالا يرفع عنه الجوع فالطلب باق عليه.
وقال الشاطبي أيضا ً : إذا قررنا إما مطاع مفتقر إلي تكتيل الجنود لسد
حاجة الثغور وحماية الملك المتسع الأقطار ,وخلا بيت المال وارتفعت حاجات الجند إلي
مالاً يكفيهم ,فللإمام إذا كان عدلاً أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافياً إلي أن
يظهر مال بيت المال , ثم إليه النظر في توظيف ذلك على الغلات والثمار وغير ذلك
,وإنما لم ينقل مثل هذا عن الأولين لاتساع بيت المال في زمانهم بخلاف زماننا ,
فالقضية فيه أحرى , ووجه المصلحة فيه ظاهر
فإن الإمام لو لم يفعل ذلك بطلت شوكته , وصارت دياره عرضة لاستيلاء الكفار , وإنما
نظام ذلك كله شوكة الإمام , فالذين يحذرون من الدواء لو تنقطع عنهم الشوكة
يستحقرون بالإضافة إليها أموالهم كلها فضلا عن اليسير منها , فإذا عورض هذا الضرر
العظيم بالضرر اللاحق بهم , يأخذ البعض من أموالهم فلا يتساوى في ترجيح الثاني عن
الأول . ونجد الغزالي يقول في مضمون هذا القول :وغير نخرج من ذلك بأن من حق الحاكم
فرض ضرائب لمواجهة نفقات عامة عجزت الإيرادات الدورية عن مواجهتها سواء تعلقت بتلك
النفقات بأغراض التوازن الاجتماعي أو الإنفاق العسكري أو الإنفاق على التنمية
الاقتصادية التي يتوقف عليها كل ما عداها .
ونجد أن الضابط الإسلامي الذي يحكم الموقف هنا هو توافر عدة شروط:
1-وجود حاجة عامة لم تشبعها الضرائب الدورية.
2-أن تكون تلك الضرائب على قدر تلك الحاجات بلا زيادة.
3-أن تكون على الأغنياء فقط
ثانياً : القروض :-
يري الإسلام أنه لا مانع أن يلجأ الحاكم لاستخدام أسلوب القروض لتمويل
النفقات العامة إذا اقتضى الأمر ذلك , ويروي أبو عبيد أن الرسول صلي الله عليه
وسلم قد فعل ذلك , فقد صح أن النبي صلي الله عليه وسلم اقترض من عمه العباس زكاة
عامين مقدماً.
ونجد الماوردى يقول : ( لا يجوز لولي الأمر إذا خاف الفساد أن يقترض
على بيت المال ما يصرفه في الديون , ومن حدث بعده من الولاة مأخوذ بقضائه إذا اتسع
له بيت المال .
ونجد أن ألشاطبي قد أوضح ذلك بقوله : ( أن يقتصر استخدام هذه الأداة
إذا كانت الأحوال الاقتصادية بحيث تسمح بإمكانية السداد وإلا فعندئذ يلجأ إلي
الضرائب ).
ثالثاً : تعجيل الفرائض الدورية
يروي أبو عبيد أن الرسول صلي الله عليه وسلم قد عجل الزكاة على بعض
أصحاب الوجوب حينما كان في حاجة إلي ذلك , لذا نجد أن لفيفاً من العلماء قد تمسكوا
فقالوا بجواز هذا التصرف من الحاكم .
هذه لمحة سريعة نعرف من خلالها مدي اهتمام الإسلام بتوفير الواردات
المالية التي تمثل مصادر رئيسة للتمويل للنفقات العامة ومتطلبات الظروف .
وعلى كل فإن إيرادات الدولة في الوقت الحاضر تختلف عن إيرادات الدولة
الإسلامية في العصور الذهبية , ذلك لأنه لا يوجد الآن فيء ولا غنيمة ولا يوجد خراج
,وإنما تعتمد الدولة الإسلامية الآن في إيراداتها على الثروات الطبيعية من باطن
الأرض المتوفرة لديها كالبترول والمعادن والغاز الطبيعي ومن الضرائب على مختلف
أنواعها إضافة الى الزكاة .
وجوه الإنفاق العام :
تعرفنا على الفائض الاقتصادي أنه
لا يكمن في مقدار الإيرادات فحسب بل يكمن أيضاً في كيفية إنفاق تلك الإيرادات
, وهل هذه الإيرادات تستهلك جميعها أم يوجه جزء منها لاستثمار المنتج المفيد, ونجد
أن موقف الإسلام من تلك النقطة واضح وصريح ويمكن التعرف عليه من المواقف التالية :
1-الإيراد المتحصل من الزكاة : وله أبواب إنفاقه , ولا يمكن بأي
حال من الأحوال صرفها في غير هذه الوجوه , والنص الذي يجبرنا على إنفاقها في
وجوهها الثمانية هي آية الصدقات التي يقول فيها سبحانه وتعالي : (( إنما الصدقات
للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل
الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم )) . سورة التوبة الآية 60 ومن
هنا نستنتج أنه لا يمكن للحاكم بأي حال من الأحوال وفي أي ظروف كانت إنفاقها إلا
في تلك الوجوه , وهذا مبدا عام لا يمكن التلاعب فيه وإن حرية الحركة والتصرف في
اسلوب توصليها لهؤلاء تبعا لما يراه اكثر مصلحة فيمكن ان يصرف منها بشكل نقدي أو
عيني او يمكن انشاء مشروعات يمتلكها هؤلاء الأفراد ينفقون من إيراداتها.
2-الإيراد المتحصل من المصاريف التمويلية الأخرى:
نجد هنا أن الإسلام يترك للحاكم حرية التصرف في وجوه إنفاقها مع
إلزامه بتحري المصلحة العامة واتباع الاهم فالاهم ,وحينما ندرس مواقف رجال الفكر
الإسلامي نجد ان أبواب إنفاق هذه الايرادات متنوعة ومتعددة , تشتمل على النفقات
الجارية كالمركبات والأجور واعمال الصيانة وعلى النفقات الاستثمارية كبناء السدود
والطرق ,وشق الترع والأنهار وعلى النفقات العسكرية المختلفة , وكذلك على النفقات
التحويلية ونفقات الضمان الاجتماعي . ونجد الغزالي يقول في ذلك: (إنما مال المصالح
الأموال العامة ماعدا الزكاة لا يجوز صرفه إلا ما فيه مصلحة عامة , وهو محتاج اليه
عاجز عن الكسب , فأما الغنى الذي لا مصلحة فيه لا يشغل وظيفة فلا يجوز صرف مال بيت
المال إليه ). ونجد ابن تيمية يقول :( الواجب أن يبدأ في القسمة بالأهم فالأهم من
مصالح المسلمين العامة كعطاء مَن يصلح للمسلمين به منفعة عامة , فمنهم المقاتلة
وذوي الولايات عليهم, كالولاة والقضاة والعلماء ونحو ذلك ,وكذلك صرفه في الاجور
والأثمان لما يعم نفعه من سداد الثغور بالكراع (الخيل ) والسلاح وعمارة ما يحتاج
الي عمارة من طرقات الناس كالجسور والقناطر وطرقات المياه كالأنهار .)
3- هل كل ما يجبي ينفق ؟:
من الممكن إسلامياً أن تفيض الإيرادات على النفقات , فما حكم هذا
الفائض ؟ نجد أن هناك وجهتي نظر في الفكر الإسلامي ,فقيل يحتفظ به كاحتياطي
لمواجهة الظروف المستقبلية , وقيل بل تزداد النفقات الحاضرة بحيث تمتص هذا الفائض
,والظروف المحيطة هي التي تملي السياسة .
الاثار الجانبية :
الأثار الضارة : نجد أن الإسلام قد حرص كل الحرص على تلافي الأثار
الضارة لتلك الايرادات, فمعروف في الفكر المالي أن الاستقطاعات المالية قد تؤثر
سلباً على الحافز وعلى العمل والاستثمار وذلك إذا ما كان فيها ارهاق المكلفين ,
لذا فإن الدارس في الفكر الإسلامي وخاصة في هذا المجال يلاحظ أن هذا الجانب قد
لوحظ بعناية ومن ذلك:
أّ- بالنسبة لفريضة الزكاة نجد ان مقدارها جاء متمشياً مع مشقة الحصول
علي نصابها , ومن ذلك نجد زكاة الإنتاج
الزراعي تخفض الى النصف إذا ما كانت هناك مشقة في الإنتاج , كذلك نجد من ناحية
أخري الحرص على عدم أخذ أعلى أنواع الجودة في الزكاة , وفي ذلك يقول صلي الله عليه
وسلم : ( اتق كرائم أموالهم لا تأخذ من حذرات أنفس الناس شيئاً ) .
والحذرات خيار مال الرجل وعندما مرت بعمر بن الخطاب رضي الله عنه غنم
الزكاة رأي فيها شاة ذات ضرع ضخم فقال : ما أظن أهل هذه اعطوها وهم طائعون , لا
تأخذوا حذرات المسلمين ولا تفتنوا الناس .)
من ناحية ثالثة نجد أن الحرص
على عدم المبالاة في تقدير الوعاء ومراعاة التخفيف في ذلك .
ب- بالنسبة للخراج نجد الحرص التام على عدم الإرهاق , وفي ذلك يقول
عمر لعماله على الجباية : ( لعلكما حملتما الارض ما لا تطيق ) فقال عثمان عامله :
حملنا الأرض امراً هي له مطيقه ولو شئت لخصصت أرضاً ضاعفت المقدار .
ونجد الإمام علياً كرم الله وجهه يقول لنائبه حاكم مصر فيما يختص
بالخراج : ( ولكن نظرك في عمارة الارض أبلغ من نظرك في جباية الخراج لأنه ذلك لا
يدرك الا بالعمارة , ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد , ولم
يستقم أمره إلا قليلا , فإن شكوا ثقلا أو علة أو انقطاع شرب خفضت عنهم بما ترجوا
أن يصلح به امرهم ولا يثقلن عليك شيء خففت به المعونة عنهم , فإنه ذخر يعودون به
عليك في عمارة بلادهم , فإن العمران محتمل ما حملته وانما يعطي خراب الارض من إعواز
اهلها وانما يعوز أهلها الأشراف انفس الولاة على الجمع وسوء ظنهم بالبقاء ).
إضافة إلي ذلك فإن فريضة الخراج ذاتها تختلف بمقدارها تبعاً لاختلاف
التكلفة ومقدار الايرادات . وهكذا القول بالنسبة للجزية ولبقية المصادر التمويلية
. من هنا نجد الإسلام شدد في الحرص على عدم الإرهاق , بل وحث على التخفيف ,
والواضح أن الهدف الرئيسي هو مراعاة الاثار الضارة على الإنتاج والعمل , وهذا قول
صحيح وسوف أتطرق إليه في موضعه من البحث , وسوف أورد أراء العلماء مثل الماوردي وابن خلدون , وابن
الازرق في هذا الموضوع في موضعه من البحث إن شاء الله .
الى اللقاء في الحلقة القادمة إن شاء الله
سامي زين العابدين حماد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق