الاثنين، 11 مارس 2013

,الحكم بالشريعة الإسلامية فريضة على كل حاكم مسلم 14


الحكم بالشريعة الإسلامية فريضة على كل حاكم مسلم 14

تكلمنا في الحلقة الماضية عن الإيرادات الدولة في ظل الاقتصاد الإسلامي , وسوف نتكلم بإذنه تعالى في هذه الحلقة عن تمويل المشروع الخاص في ظل النظام الاقتصادي الإسلامي  : -

المقصود بذلك مواجهه هذا التساؤل, هل أوجد الإسلام نظاماً يواجه مشكلة تمويل المشروع الخاص أم لا ؟ وهل النظام يستطيع تلبية مطالب كل من المدخر والمستثمر ؟ , وقبل أن نناقش هذا الموضوع يجب علينا أن نلاحظ أن تلك الجزئية تحتمل الدراسة الموسعة لخطورة وتعدد جوانبها وأثارها, وقد حاول بعض الكتاب المعاصرين القيام بذلك. وحيث إن الأمر يتطلب وضع هذه القضية ضمن الخط الرئيسي للبحث فإن الدراسة ستتناول الخطوط العامة, ويمكن التعرف على ذلك في الفروع التالية

التمويل الذاتي:-

وهذا يعني الصورة التي يجب أن يتولى أصحاب المشروع تمويل مشروعهم بها ,هل بأموالهم ؟ فإذا كان ذلك فإن هذا لا يثير مشاكل ذات بال , لذا فإن الدراسة لا تتوقف عند هذا طويلاً , وقد أعطى الإسلام مجالاً واسعاً في ذلك للأفراد ليقوموا بتكوين العديد من الشركات ذات الطبائع المختلفة ليواجهوا مختلف الأنشطة الاقتصادية ومختلف الظروف , والملاحظ أن الإسلام هنا قدم العديد من أشكال تكوين رأسمال الشركات , فهناك المساهمة النقدية , وهناك المساهمة العينية بمختلف صورها ,واقتصر توجيهه على ما فيه منع الأضرار بأحد الشركاء .

التمويل عن طريق القروض:-

نجد أن كثيراً ما تواجه مشكلة التمويل حجر عثرة أمام العديد من الأفراد ذوي القدرة الاستثمارية , بحيث لو وضع تحت يدهم المال الكافي  لوجدوا العديد من الأنشطة الاقتصادية النافعة , فهل أوجد الإسلام علاجا لمثل هذا الموقف أم لا ؟ ونجد في هذا الصدد بجوار الصورة المتقدمة صورتين للتمويل , وهما التمويل عن طريق الاقتراض , والتمويل عن طريق ما يعرف بالقراض  أو المضاربة .

وسوف نقوم بمناقشة الاقتراض ونرجي مناقشة أسلوب القراض للفرع التالي .

1-مفهوم القرض : هو دفع مال للغير في نظير عرض متماثل في الذمة لنفع المعطي له فقط .

2-تحبيب الإسلام في الإقراض فإن الدارس للقرآن الكريم يجد فيه العديد من الآيات التي تحبب وترغب الأفراد في إقراض الغير يقول تعالي :

(( من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثير )) سورة البقرة الآية 245 , ويقول سبحانه : (( إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعف لهم ولهم أجر كريم )) . سورة الحديد الآية 18 . والملاحظ أن هذه الآيات توضح أن من يعطي غيره قرضاً حسناً فإن الله سبحانه وتعالي قد تكفل برده أضعافاً مضاعفة لصاحبه ,وفي ذلك لفتة تستحق النظر الدقيق لأن الفرد في سبيل حرصه على الأموال قد ينتظر أن يرد المقترض له أزيد من القرض , وللتغلب على هذا الشعور النفسي , أوجد الإسلام في نفس الإنسان شعوراً نفسياً يتغلب على الشعور السابق , وهو أن الله هو الذي سيتولى الرد المضاعف أضعاف كثيرة تفوق ما يتصوره الإنسان تجاه الغير , ونجد أن الإسلام ينسب القرض إلي الله تعالي وليس إلي المقترض , وفي ذلك دفع وتحريض للفرد على تقديم القرض .

3-إن الشرع يفرض على القرض عملاً من أعمال البر والتعاون , ولذلك فليس لصاحب القرض الحق في أي شيء زائد على القرض ,فكل منفعة مشروطة محرمة شرعاً , ومن ناحية ثانية نجد أن المقترض يجب أن يرد القرض كاملاً بغض النظر عن نتيجة العمل , وإن كان من المرغوب فيه شرعاً الإنظار إلي ميسرة .

4-أن تلك الصورة التمويلية لها فاعلية , لأن هذا الأسلوب يمكن أن يؤدي دوراً ايجابياً إذا ما رسخت عقيدة الإسلام في نفوس الناس , بالإضافة إلي ذلك فإن الإسلام يكفل للمقرض حقه في الحصول على قرضه مهما كانت حالة المدين , وذلك لوجود اعتماد في خزينة الدولة لسداد ديون المدينين .

وبفرض أن الأثر محدود إذا ما كان المقرض فرداً فإن الدولة يمكنها أن تقوم بذلك على نطاق واسع , فتقرض المشروعات قروضاً حسنة تشجيعاً لها على ممارسة الأعمال الاقتصادية . ونجد أن الدولة الإسلامية قد قامت فعلاً في عهد عمر بن الخطاب بهذا الشيْ فقد قرض ( هندا) مبلغ أربعة ألاف درهم لتمويل تجارتها من بيت المال .وقد نهج ذلك عمر بن عبد العزيز فقد قدم قروضاً للمزارعين لتمويل عملية الزراعية .

أسلوب القراض أو المضاربة :

وهذه الصورة مفادها أن يدفع فرد لآخر مالاً يعمل فيه , بمعني أن يقدم فرد أو أكثر مقدراً من الأموال لشخص أو أكثر يمول بها مشروعات تجارية أو صناعية , ويمكن إجمال دراسة هذا الموضوع في النقاط التالية :

1-نجد في هذه الصورة أن صاحب المال يدفع ماله للغير ليعمل فيه وذلك نظير عائد مادي يعود على صاحب المال , وقد نظم الإسلام هذا العائد , فهناك اتفاق بين فقهاء الإسلام على أن يكون العائد معلوم النسبة مجهول المقدار مثل الثلث أو الربع أو الثمن أو النصف . الخ ونجد أن أحد أئمة الفكر الإسلام يقول في ذلك : لقد أجمع كل من يحفظ عنه أهل العلم على إبطال القراض إذا جعل أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة , وبه قال مالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي , والحكمة إحتمال عدم ربح غيرها فيحصل على جميعه , واحتمال عدم الربح فيأخذ من رأس المال ,وقد يربح كثيراً فينظر , فيتضرر من شرطت له الدراهم , وكذلك لو شرط جزء معيناً ربما تواني في طلب الربح لعدم فائدته منه وحصول نفسه لغيره .

هذا موقف علماء الإسلام , ومنه يتضح لنا أن الإسلام يهدف إلي عدم إلحاق الضرر بأحد الطرفين , كما أنه يهدف إلي الجد والاجتهاد في العمل , لوجود حافز مادي , ومعني ذلك أن الأسلوب الإسلامي هذا يحمل بعدي العدالة والكفاءة

2-إننا نلاحظ أن هذا الأسلوب مخالف لما هو معروف اليوم من الإقراض بفائدة , والواقع أن أسلوب الفائدة هذا قد تناوله رجال الفكر الإسلامي المحدثين بالدراسة , وتنوعت مواقفهم تجاه تحليله وتحديده , وإن كان مجمع البحوث الإسلامي قد حسم الموقف بقوله : الفائدة على أنواع القروض كلها ربا محرم لا فرق في ذلك بين القرض الإنتاجي والقرض الاستهلاكي , كثير الربا وقليله حرام .

كما أن كثير من رجال الفكر الاقتصادي  الإسلامي يعزو إليه آثاراً ضارة على النشاط الاقتصادي و وفي ذلك يقول الدكتور جمال سعيد : ( يود كنز  لو يلغي عائد إقراض رأس المال , فالفائدة في نظره لا تدفع الآن بتضحية حقيقة ) وهذا يعني أن أسلوب الفائدة هو من الناحية الإسلامية محل ريبة على الأقل إن لم يكن ظاهره تحريماً , ومن الناحية الاقتصادية  له آثاره الجانبية التي لا تخفي علي الباحث  الاقتصادي .

3-إمكانية استخدام أسلوب المضاربة في العصر الحاضر : فنجد أن الإسلام قد أسهب في توضيح هذه النقطة , ويمكننا القول بأنه يمكن تطبيق هذا الأسلوب عن طريق المصاريف بتغير أسلوب الفائدة إلي هذا الأسلوب الذي يحكم علاقة البنك بالمودعين , فهم أيضا شركاء في الربح إن تحقق الربح ويحكم ايضا علاقة البنك بالمستثمرين فهم ايضا شركاء في الربح  على نظام المضاربة الإسلامية الذي تناولته المراجع الفقهية بالشرح والدراسة .

4-إن من مزايا الأسلوب الإسلامي أن المصرف يتحول من مجمع للنقود كل هدفه تجميعه بفائدة أقل ودفعه للغير بفائدة أكبر بالنظر إلي ما تتطلبه ظروف البلد وأهدافه , فتتحول إلي مشارك في العمليات الإنتاجية , فيدرس مع المستثمرين المشروعات الدراسة الاقتصادية السليمة , ويحرص على إنجاحها بوجود حافز قوي لديه و وبالتالي فلا تعارض بين موقف الجهاز المصرفي , وموقف المستثمرين .

 

التخطيط الاقتصادي للتنمية :-

لقد عرفنا موقف الإسلام من مشكلة الفائض الاقتصادي من حيث خلقه , والإطار العام لاستخدامه , ونري أنه لزاما علينا أن نتعرف على موقف الإسلام من أسلوب استخدام هذا الفائض , ومحل التركيز هنا علي قضية التخطيط الاقتصادي كأسلوب أمثل لاستخدام الفائدة بوجه خاص وتحقيق التنمية الاقتصادية بوجه عام , ولنا أن نتساءل هل الإسلام تصوره المميز لقضية التخطيط , أم أن الأمر لا يعدو إقحام مصطلحات عصرية على الفكر الإسلامي , وللتعرف على ذلك رؤى أن يتناول هذا البحث التالي :-

التخطيط الاقتصادي  مطلب إسلامي , ولابد لنا أن نتناول بالدراسة ثلاث قضايا, موقف الإسلام من تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي , ثم أهمية التخطيط , وأخيراً أهداف التخطيط .

الإسلام لا يعترف بفكرة الدولة الحارسة :

إن الإسلام يقتصر على الدولة في نشاطها على تأدية الخدمات التقليدية , وهي الدفاع ضد الاعتداء الخارجي , وحفظ الأمن الداخلي , مع عدم التدخل في النشاط الاقتصادي وتركه للأفراد والاكتفاء بحماية أوضاع الأفراد والمحافظة عليها أيا كانت هذه الأوضاع أمراً لا يقره الإسلام . والدليل على هذا الموقف من النصوص التالية :

يقول النبي صلي الله عليه وسلم : ( من ولاه الله شيئاً من أمر المسلمين فأحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة ) . وهذا الحديث يفيد أن هناك التزاما ايجابياً يقع على عاتق الدولة يتلخص في مواجهة حاجة الأفراد الاقتصادية والتغلب عليها ولا يتفق ذلك مع فكرة الدولة الحارسة ز ويقول صلي الله عليه وسلم : ( كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه ) .

وهناك العديد من المواقف العملية التي توضح أن الرسول صلي الله عليه وسلم لم يقف بعيداً عن النشاط الاقتصادي , بل تدخل بصور متعددة سواء في مجال الزراعة أو التجارة أو الصناعة , وفي ذلك قوله حينما اشتكي قوم لرسول الله صلي الله عليه وسلم سرعة فناء طعامهم حيث قال لهم الرسول الله صلي الله عليه وسلم : ( أتكيلون أم تهيلون ) فقالوا بل نهيل : قال لهم ( كيلو ولا تهيلوا ) . وهنا نلاحظ أنه قد قد طرأت مشكلة عدم كفاية المنتجات , وتدخل الرسول صلي الله عليه وسلم موضحاً السياسة الرشيدة لمجابهة هذا الموقف , وذلك بأن يخضع الإنفاق لتخطيط وتقدير دقيق بعيد عن الارتجال ونجد أيضا  أن الرسول صلي الله عليه وسلم أن أول عمل قام به بعد الهجرة وبناء المسجد هو تخطيط سوق المدينة وتنظيمه , ومن هنا ندرك تماماً أن الإسلام لا يوافق على فكرة الدولة الحارسة .

ويقول عمر بن الخطاب أيام حكمه : (إن الله استخلفنا على عباده لنسد جوعتهم و ونستر عورتهم , ونوفر لهم حرفهم ) .

فإمام الدولة مسؤول على توفير العمل للإفراد وسد احتياجاتهم الاقتصادية ولا يكون ذلك إلا بالتدخل الإيجابي في صميم النشاط الاقتصادي . ويقول على بن أبي طالب لأحد ولاته : ( وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج ) . ويقول أيضاً : ( ولكل على الوالي بقدر ما يصلحه ) . ومن هذه التوجيهات نعرف أن الدولة مطالبة بالنظر في شؤون عمارة الأرض , أي في مجالات النشاط الاقتصادي المختلفة والعمل على تحقيق التنمية الاقتصادية التي عن طريقها يتوفر لكل فرد ما يصلح حاله , ولا يتأتى ذلك مع الاقتصار على حراسة الأوضاع القائمة مهما كان نوعها .

ويذكر الإمام الماوردي أن مسؤولية الحاكم عمارة البلدان باعتماد مصالحها وتهذيب سبلها ومسالكها . 

الى اللقاء في الحلقة القادمة إن شاء الله

سامي زين العابدين حماد

 

        

 

ليست هناك تعليقات:

تابعني علي التويتر