الاثنين، 18 مارس 2013

الحكم بالشريعة الإسلامية فريضة على كل مسلم الحلقة 15


الحكم بالشريعة الإسلامية فريضة على كل مسلم الحلقة 15

تكلمنا في الحلقة الماضية عن تمويل المشروع الخاص في ظل النظام الاقتصادي الإسلامي , وسوف نتكلم بإذنه تعالى في هذه الحلقة عن التخطيط و الاستثمار . الاقتصادي وأهدافهما .

إذ نجد أن الإمام أبو يوسف يقول لحاكم المسلمين هارون الرشيد : ( لا أرى أن يترك الإمام أرضاً لا ملك لا حد فيها ولا عمارة حتى يقطعها فإن ذلك أعمر للبلاد ) . ومعنى ذلك أن على الحاكم أن يحصر الموارد الاقتصادية المعطلة ويعمل على تشغيلها بالوسيلة التي يراها صالحة . ومن هنا يمكن القول إن الإسلام لا يقر شرعية الدولة الحارسة وذلك على الدولة أن تتدخل في النشاط الاقتصادي لتحقيق أهداف يقررها الإسلام وسندرسها تفصيلياً فيما يلي :-

صورة التخطيط الاقتصادي وأهدافه :

من المعروف أن دراسة المبادئ الإسلامية في هذا الصدد تدل على أن تدخل الدولة في النشاط  الاقتصادي ليس عملاً جزئياً أو استثنائيا  , وإنما هو ذو طبيعة أساسية يمكن أن نعبر عنها بالتخطيط الاقتصادي , ويستمد هذا التخطيط ضرورته من ضرورة توافر مقومات معينة في الحياة الاقتصادية تتوقف في وجودها بصورة فعالة على وجود تخطيط اقتصادي رشيد ومن هذه المقومات ما يلي :

1-من الضرورة بمكان تشغيل قوة العمل بنظام معين يكفل وضع كل فرد في المكان المناسب له , فالدولة مسؤولة عن ظاهرة البطالة سواء في شكلها الظاهر أو في شكلها المقنع .

2-ضرورة توفير الفائض الاقتصادي ثم حسن استخدامه وقد سبق الكلام عليه .

3-ضرورة توفير صفة القوة والاستقلال للاقتصاد القومي , وفي ذلك يقول الله تعالي : (( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة )) . سورة الأنفال الآية 60 , إذاً فنحن مطالبون بإعداد أقصي قدرة من القوة , ومفهوم القوة شامل يتناول شتي مجالات الحياة ويدخل فيها أولاً القوة الاقتصادية , فيجب أن يكون الاقتصاد  جميعه وأعني به الاقتصاد القومي في أعلى درجة من القوة حيث يقول سبحانه وتعالي : (( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين )9 . سورة آل عمران الآية 28 ومن هنا فإن على الجماعة الإسلامية ألا تكون في وضع التبعية في أية صورة من صورها والتي منها التبعية الاقتصادية .

4-أنه لزاماً علينا تشغيل كافة الموارد الطبيعية وعدم تركها معطلة , وقد مارست الدولة في صدر الإسلام صوراً عديدة لتنفيذ هذا المطلب, ومن ذلك أسلوب الإقطاع  إذا كانت تمنح الأفراد القادرين على الاستغلال  قطعاً من الأرض ليقوموا باستغلالها حتى لا تظل مهملة , ومن ذلك أيضاً عدم إقرار شرعية الاحتجار الدائم بمعني إحراز قطعة من الأرض وتركها دون استغلال كما سبق شرحه .

5-ضرورة قيام القطاعات الأساسية في الإقتصاد القومي , وفي ذلك يقول الإمام الغزالي : ( إن الصناعات والتجارات لو تركت بطلت المعايش , وهلك أكثر الخلق , فانتظام أمر الكل بتعاون الكل وتكفل كل فريق بعمل , ولو أقدم كلهم على صنعة واحدة لتعطلت البواقي وهلكوا وعلى هذا حمل بعضهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( اختلاف أمتي رحمة ) على اختلاف هممهم في الصناعات والحرف , ومن الصناعات ما هي مهمة , وما يستغني عنها لرجوعه إلي طلب التنعيم , فليشتغل بصناعة مهمة ليكون في قيامه بها كافياً عن المسلمين .

ونجد الإمام ابن تيمية يقول  في هذا : (ومن ذلك أن يحتاجوا إلي صناعة ناس مثل حاجة الناس إلى الفلاحة والنساجة والبناية و وإن الناس لا بد لهم من طعام وثياب ومساكن , فإذا لم يجلب لهم مقدار حاجتهم احتاجوا إلي من يقومون بها ولهذا قيل : إن تلك الصناعات فرض على الكفاية ( فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بها , فإذا كان الناس محتاجين إلى فلاحة قوم أو نساجتهم  أو بنائهم صار هذا العمل واجباً يجبرهم ولي الأمر عليه إذا امتنعوا عنه بعوض المثل , ولا يمكنهم من مطالبة الناس بزيادة عن عوض المثل , ولا يمكن الناس من ظلمهم , أن يعطوهم  أقل من حقهم , وبمثل هذا القول قال الإمام ابن القيم .

6-بالإضافة  إلى كل ذلك نجد هناك موقفاً اقتصاديا إسلامياً كفيلاً بنفسه ودون انضمام أي مؤيد آخر بإعطاء صورة الموقف الإسلامي تجاه قضية التخطيط الاقتصادي , وهو الاعتراف بالملكية الجماعية لقطاعات إرتكازية في الاقتصاد القومي ,ومعني ذلك هيمنة وإشراف الدولة على القطاعات القائدة في الاقتصاد القومي , وهذا يتطلب بالضرورة توافر نظام تخطيطي رشيد على المستوي القومي يجابه مسؤوليات تشغيل تلك القطاعات وتمويلها وتوزيع ناتجها .

هذه بعض المطالب الإسلامية في المجال الإقتصادي ., أما ونحن مطبقين للمذهب الإسلامي يجب علينا اختيار الأداة المثلى التي تلبي تلك المطالب , وعلى ضوء هذا فإن التخطيط الاقتصادي الرشيد هو الأداة المثلي لتحقيق ذلك .

أهداف التخطيط الاقتصادي :

من دراسة ما سلف تمكن القول أن هناك أهدافاً عديدة يضعها الإسلام للتخطيط الاقتصادي ويمكن إجمالها في ما يلي : -

1-توفير فرص العمل كماً وكيفاً

2-تخطيط التعليم بما يكفل تزويد المجتمع بالكافيات المطلوبة بصورة مستمرة

3-تشغيل كافة الموارد الطبيعية المتاحة سواء كانت خاضعة للملكية الجماعية أو الملكية الفردية .

4-إقامة القطاعات الأساسية في الاقتصاد القومي

5-توزيع الدخل القومي طبقاً لتوجيهات الإسلام في هذا الشأن

صفة التخطيط :-

نجد أن الإسلام يتعرض بالتفصيل لجوانب التخطيط وأبعاده حيث يملي علينا مبادئ  وإرشادات عامة ويترك تحديد الجوانب والجزئيات للدولة تبعاً لما تراه أكثر تمشياً وصلاحية , ومعنى ذلك أن الإسلام لم يأمر بأن يتخذ التخطيط شكلاً معيناً من الأشكال المتعارف عليها في علوم الاقتصاد والتخطيط , حيث أن ذلك من اختصاص الدولة تبعاً للظروف المتغيرة التي تحيط بها والإسلام يوجهنا في هذا الصدد , ويمكن أن نلخص هذا التوجيه في الفقرات التالية :

1-يتولى القيام به خبراء المختصون بعد دراسة جادة ودقيقة لموارد المجتمع واحتياجاته .

2-ليس من صلاحياته المبادرات الفردية والنشاط الاقتصادي الخاص فذلك قائم ومعترف به إسلامياً , وأن كان من حقه التوجيه والتنسيق معه بهدف تحقيق مصالح الجماعة ومصالح الفرد , حيث أنه لا غني لأحدهما عن الآخر , وفي ذلك يذكر الإمام الماوردي هذه الفقرة : ((أعلم أن صلاح الدنيا مقيد من وجهين , أولهما ما ينتظم به أمور جملتها , والثاني ما يصلح به حال كل واحد من أهلها فهما شيآن لا صلاح لأحدهما إلا بصلاح الآخر )) .

3-يجب أن يخضع لرقابة دقيقة من أفراد الشعب وممثليه , فهناك المساءلة الشعبية عن كل تصرفات الحكومة المالية , ونجد ذلك في قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ( من أراد أن يسأل عن المال فليأتني فإن الله جعلني له خازناً وقاسماً ) . وقال ابن تيمية : ( ليس لولاة الأمور أن يقسموا الأموال بحسب أهوائهم كما يقسم المالك ملكه  فإنما هم أمناء ونواب ووكلاء وليسوا ملاكاً ) .ويقول في موضع آخر : (لا يجوز للإمام أن يعطي أحد مالا يستحقه ) .

وختاما  يمكننا أن نقول أن الإسلام لا يأخذ بفكرة الدولة الحارسة ويري ضرورة قيام الدولة بالتدخل الإيجابي الفعال في النشاط الاقتصادي  عن طريق تخطيط اقتصادي رشيد يحقق المطالب والأهداف الإسلامية .

إلى اللقاء في الحلقة القادمة إن شاء الله

سامي زين العابدين حماد

 

 

 

ليست هناك تعليقات:

تابعني علي التويتر