الحكم بالشريعة
الإسلامية واجب على كل حاكم مسلم 16
تكلمنا في الحلقة
الماضية عن صورة التخطيط الاقتصادي وأهدافه وصفة التخطيط في ضوء الاقتصاد الإسلامي
وسوف نتكلم في هذه الحلقة بإذنه تعالي عن مبادي التخطيط في الاقتصاد الإسلامي
وحينما نستقريْ المباديْ والتوجيهات الإسلامية حيال هذا الموضوع فإنه يمكننا أن
نقول بأن الإسلام يملي على المخططين مبادى معينة عليهم الالتزام بها , ويمكن تناول
هذه المبادي بشيْ من الإجمال على النحو التالي :
1- مبدأ التوازن ,
ويقصد به أن يأخذ كل قطاع من قطاعات النشاط الاقتصادي ما يتطلبه من احتياجات بلا
زيادة ولا نقصان , فالمطلوب هو عدم الإسراف من جانب وعدم التقتير من جانب آخر ,
وينطبق هذا المبدأ سواء نظرنا لمطالب الاستثمار جملة في مواجهة مطالب
الاستهلاك جملة فلا يكون هناك إسراف في
جانب وتقتير في آخر , وسواء كانت النظرة على مستوي بنود الاستثمار وكذلك بنود
الاستهلاك .
2- تأصيل مبدأ
التوازن , يقول الله تعالى : (( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ))
سورة الفرقان الآية67 والملاحظ في هذه الآية سياق صفات الجماعة المؤمنة ومنه نرى
أن الإنسان المسلم والمجتمع المسلم مطالب بالإنفاق أياً كان نوع هذا الإنفاق
استهلاكياً أو استثماريا , نقدياً أو عينياً .فالنفقة هنا جاءت مطلقة بلا تحديد
بنوع معين , فتشمل مختلف صور النفقات , إذا ً فهو مطالب بتحقيق شرط أساسي هو عدم
الإسراف وعدم التقتير فلا يجاوز الحد المرغوب به ولا يقتصر عنه , كما أننا نلاحظ
أن النص اكتفى بذكر لفظ الإسراف والتقتير بلا تقيد , وقد ترك ذلك ليحدده الناس حسب
ظروفهم وما يتمشى مع مصالحهم ,ونجد قوله تعالى :(( وكان بين ذلك قواما )) سورة
الفرقان الآية 67يوضح الالتزام بمبدأ لا الإسراف ولا التقتير يحقق مبدأ التوازن
الذي به تستقر الأوضاع حيث أن القوام ما به
صلاح الشيء وما دامت صلاحية الشيْ
تحققت في الأمر ويستقر , وكذلك قوله تعالي : (( ولا تجعل يدك مغلولة إلي
عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسوراً )) سورة الإسراء الآية 29 , فهنا
نري انه علينا أن لا إفراط ولا تفريط , لأنه إتباع النهجين يترتب عليه المزيد من
المتاعب .
3-مبدأ تنوع
الاستثمارات : وهذا يعتبر من المباديْ
الهامة التي يجب على المخطط مراعاتها , بحيث تكون الاستثمارات متنوعة
القطاعات , إذ أن هناك قطاعات اقتصادية أساسية ينبغي أن تتوافر في الاقتصاد القومي
, ويجب على الدولة أن تحقق ذلك و في هذا نجد لرجال الفكر الإسلامي مواقف تأصل لهذا
القول وتؤيده منها قول الإمام الغزالي : ( إن أصول الصناعات من فروض الكفاية
كالفلاحة والحياكة والسياسة والحجامة
والخياطة ) . ويقول الدسوقي : ( من فروض الكفاية الحرف المهمة التي بها صلاح الناس
وإقامة معاشهم كالخياطة والنجارة والحياكة والفلاحة ) . وهذا يعني أن كل مالاً
يستغني عنه في قوام أموار الدنيا , فتعلمه ووجوده من فروض الكفاية ومن ذلك
الصناعات الأساسية , ومعني فرض الكفاية أنه إذا لم يتوافر في المجتمع أثمت الأمة
كلها , ولن يرتفع الإثم إلا إذا قامت هذه القطاعات ومن هنا ندرك أن التنمية
الاقتصادية تنمية رشيدة متكاملة موزعة فيها الموارد بصورة تكفل كل ما يستغني عنه
في صلاح حال المجتمع وتقدمه ورخائه .
4-الأولويات
الاقتصادية في الإسلام : إن لكل دولة موارد متاحة , وأن أمام الدولة مشروعات
متعددة كل منها ينافس الآخر على الموارد المتاحة , إذا فلابد وأن الحاجة ملحة من
تطبيق قاعدة الأولويات والإسلام في هذا الخصوص أوصي بالتالي :-
الأهم فالمهم : إن
الفكر الإسلامي قد صنف الاحتياجات بصفة عامة تحت ثلاث مراتب حسب الأهمية هي ضروريات , وحاجيات وتحسينات .
أ-المقاصد الضرورية
: هي التي لابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا , بحيث إذا فقد ت لم تجري مصالح
الدنيا على استقامة , بل على فساد وتهارج وفوت حياة وفي ألآخره فوت النجاة والنعيم , والرجوع بالخسران المبين , ومجموع
الضروريات خمسة : حفظ الدين , والنفس والنسل , والمال , والعقل .
ب-المقاصد الحاجية
: وهي الأمور التي يكون مفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب
إلي الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب , فإذا لم تراع دخل على المكلفين الحرج
والمشقة .
ج-المقاصد
التحسينية : هي الأمور التي يكون الأخذ بها بما يليق من محاسن العادات وتجنب الأحوال
المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات وهذا النوع من المقاصد يجمع في مكارم
الأخلاق فالمستوي الأول يجب أن يخصص فيه موارد اقتصادية بحيث تكون كافية لحفظ
الدين والنفس والنسل والمال والعقل , وهذه الأمور الخمسة يجب ان تفهم على النحو
التالي :
حفظ الدين : تحقيقه
بتخصيص موارد اقتصادية تكفي الدفاع عن المسلمين وعن وطنهم .
حفظ النفس والنسل :
مأخوذان معا بتصور تحقيقه بتخصيص موارد اقتصادية
تكون كافية لتوفير الحد الأدنى الضروري من الإشباع بحيث يبقى الإنسان حيا
وقادر على المحافظة على استمرار النوع الإنساني
حفظ المال : يمكن
تحقيقه بوجود جهاز أمن داخلي يؤمن حمايته , وعلى هذا يمكن تحقيق هذا الأمر بتخصيص
موارد اقتصادية تحقق الإشباع لهذه الوظيفة في المجتمع الإسلامي
حفظ العقل : يمكن
تحقيقه بالحفاظ عليه سليما مع تطويره بالتعليم بالقدر الذي يلزم لعلوم الدين وعلوم
الدنيا وعلى هذا يمكن تصور تحيق هذا الهدف بتخصيص موارد اقتصادية كافية لقيام
مؤسسات تعليمية . وبعبارة اخرى يمكن القول ان المستوى الأول من الأولويات الاقتصادية في الإسلام يلزم ان يحقق أشباع الحد
الادنى للوظائف التالية :- وظيفة الدفاع ,
وظيفة بقاء الإنسان ونوعه , وظيفة الأمن , وظيفة التعليم أما الوظيفة الثانية التي
يلزمها تحقيق في المستوى الأول من سلم الأولويات الاقتصادية في الإسلام , بحيث من
خلال هذه الوظيفة يمكن إشباع الضروري الذي يفهم باعتباره الحد الأدنى الذي يكيف على أنه من الضروريات , حيث حصر
الإمام الشيباني هذه الفقرة في الحاجات في أربع , الشبع , والري و والكساء , والاقتناء
. ولا ينبغي ان يفهم من كلام الإمام الشيباني حصر الحاجات الأربعة المذكورة ,
وإنما الحاجات التي ذكرها هي التي تبقى الإنسان حيا . وأي الحاجات الضرورية للحياة
, ويعني هذا ان الإمام الشيباني لم يمنع ظهور حاجات أخرى لمراحل تالية في تطور النوع
الإنساني .ونجد ان الإمام الشيباني قد اعطى مساهمات اخرى في مجال الحاجات فقد كتب :
من امتنع عن الأكل والشرب والإستكنان حتى مات وجب عليه دخول النار لأنه قتل نفسه
عمدا , وفي موضع آخر كتب : إشباع الحاجات على أربعة أوجه : ففي مقدار ما يسد رمقه
ويتقوى على الطاعة هو مثاب غير معاقب , وفيما زاد على ذلك الى حد الإشباع هو مباح
له محاسب على ذلك حسابا يسيرا بالعرض , وفي قضاء الشهوات ونيل اللذات من الحلال هو
مرخص له فيه , محاسب على ذلك و مطالب بشكر النعمة وحق الجائعين , وفيما زاد على
الشبع هو معاقب فإن الأكل فوق الشبع حرام .
وربط ما كتبه
الإمام الشيباني فقهاء بالوظيفة التي يناقشها البحث وهي تحقيق الإشباع الضروري
الذي يلزم لبقاء الإنسان , هذا الربط بين أن الحاجات التي تدخل في هذا المستوى
الضروري هي أربع وقد حدد الإمام الشيباني مستوى الإشباع الذي يعتبر ضروريا , على
هذا فإن المجتمع الإسلامي مفروض عليه إن يخصص موارد اقتصادية تحقق الإشباع لهذه الحاجات بالدرجة التي حددها
الإمام الشيباني . وقد حدد الإمام الشيباني هذه الحاجات الضرورية تأسيسا على ما
جاء في القران الكريم في قوله (( إن لك لا تجوع فيها ولا تعرى * وإنك لا تظمؤا
فيها ولا تضحى )) سورة طه الآيتان 118-119. فعلى كل فإنه يمكننا القول بان
الأولويات في الاقتصاد الإسلامي تتم أساسا على استخدام المال وتثميره عن طريق الاعتماد
الجماعي على الذات , وفي إطار نظام أولويات شديدة الوضوح ودقيقة التحديد , وهذا
النظام يتدرج بحسب الأهمية من إنتاج وتوزيع واستهلاك الضروريات والأشياء التي لا يمكن
أن تقوم بدونها الحياة , فهي ضرورية لقيام حياة الناس ولا بد منها لاستقامة مصالحهم , وتأتي بعد ذلك مرتبة الحاجيات أو
الأشياء التي يمكن تحمل الحياة بدونها
ولكن بمشقة زائدة فهي أشياء يحتاج إليها الناس لرفع الحرج والضيق والمشقة الزائدة
عنهم , وأخيرا تأتي المرتبة الثالثة وهي مرتبة التحسينات , أي الأشياء التي تجعل
حياة الناس أكثر يسرا وسهولة ومتعة دون إسراف أو ترف . أي إن المنهج الإسلامي يعطي
أهمية نسبية أكثر لإنتاج معظم الطيبات
التي يحتاج أليها معظم الناس لصلاح دينهم ودنياهم وعليه يهدف هذا المنهج إلى توفير
الحياة الطيبة الكريمة لكل من يعيش في ظل النظام الإسلامي وعلى ضوء ما تقدم فأن
الفكر الإسلامي يحتم التزام هذا الترتيب ,
فلا توفير للكماليات قبل توفير الحاجيات , ولا تتوفر الحاجيات قبل استكمال
الضروريات , وفي هذا يقول ابن قدامة موضحا المعيار الذي يسير على نهجه الحاكم عند
تخصيص الموارد : ( أما الفيء فهو مصروف في مصالح المسلمين , ولكن يبدأ بجند
المسلمين لأنهم هم المصالح لكونهم يحفظون المسلمين وما فضل قدم الأهم فالأهم ) .
ويقول ابن تيمية : ( الواجب أن يبدأ القسمة بالأهم فالأهم من مصالح المسلمين العامة
) . ونص على ذلك أيضاً الغمام أبو يعلى يبدأ بالأهم فالأهم.
واستخدام المال –
أي الموارد – يقوم وفق هذا المنهج على أساس شامل ومتوازن لا يعرف إهدار الإمكانات
أو تبديد الطاقات ويستند هذا الاستخدام إلى دور محدد للدولة والقطاع العام ويتركز
في تنمية الهياكل الأساسية والمرافق العامة والمشروعات التي يحجم عن الدخول فيها
القطاع الخاص إما لكبر حجم التمويل المطلوب لها أو لارتفاع درجة مخاطرها أو تدني
العائد المتوقع منها أو لعدم تحقيق عائد إلا بعد آجال طويلة نسبية أو كل هذه
الأسباب , هذا بالإضافة إلي المهمة الأساسية للدولة والتي تتمثل في العمل المستمر
علي قيام بيئة صحية محيطة بالعملية الإنتاجية جوهرها حماية كرامة الإنسان واحترام أدميته
والحفاظ على حريته
الى اللقاء في الحلقة القادمة إن شاء الله
سامي زين العابدين حماد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق