الاثنين، 1 أبريل 2013

الحكم بالشريعة الإسلامية واجب على كل حاكم مسلم 17


الحكم بالشريعة الإسلامية واجب على كل حاكم مسلم  17

تكلمنا في الحلقة الماضية عن مبادئ التخطيط والتوجهات الإسلامية في هذا المجال وتعرفنا على المقاصد الضرورية والمقاصد الحاجية والمقاصد التحسينية , وأراء بعض العلماء , وفي هذه الحلقة سوف نتكلم عن الاستثمار في الاقتصاد الإسلامي .

إن الاقتصاد الإسلامي وكما هو معروف يؤكد على المصلحة العامة ومصلحة الفرد أيضا , فالفرد له أن يستثمر ولكن ليس كما هو معروف في الاقتصاد الرأسمالي – ذاتيته الخاصة وله ارتباطه العضوي وله ملكيته الخاصة , إلا أن هناك حقيقة أخري وهي الجماعة , فعليه إن يراعي الجماعة , لأن الفرد حين يترك ليحقق مصالحه الذاتية فإنه قد لا يحقق مصالحه الاجتماعية التي يعبر عنها بصالح الجماعة , وبهذا فعليه أن يراعي الاعتباريين معاً في كل ما يتعلق بسياسة الفرد وسلوكياته , كما أن هناك ثقة أكيدة الصلة بالسابقة مفادها أنه من المحتمل أن يحدث تناقض بين الاعتبار الذاتي وبين الاعتبار الجماعي , ومن ثم فإنه الفرد لو ترك لذاته ليحقق مصالح الذاتية فإنه قد لا يحقق مصالحه الاجتماعية التي يعبر عنها بصالح الجماعة , وفي الحقيقة مصلحة الأفراد الاجتماعية .

وبهذا فإن الجماعة ليست بديلاً عن الأفراد , كما أن لها دوراً أساسيا في حياة الأفراد  ضمانا لتامين الجانب الاجتماعي لديه , وان الاقتصاد يمثل حياة الأفراد , لذا فإنه يجب أن يخضع لما تمليه الاعتبارات  , ومن هنا فإن مسؤولية الدولة  تكون ملزمة من الناحية الشرعية .

الدولة والاستثمارات العامة :

إن الملكية العامة لبعض مصادر الثروة يحتم عليها استثمارات اقتصادية في المجتمع , والإسلام قدم للملكية العامة قطاعات هامة من موارد الثروة , وعلى هذا فإن الفرد تحت إشراف الدولة يقوم بدور رئيسي في استثمار الموارد وإحداث عملية التنمية كهدف لتنمية الاقتصاد , ومن منطلق التكامل والتعاون مع الدولة فإن مسؤولية القطاع الخاص هي توفير الحاجيات الضرورية لهم , وينبثق هذا الشرط وفقاً لنظام الأولويات الإسلامي من حقيقة أن التنمية الاقتصادية – أي أعمار الأرض – ليست سببا لإشباع هذه الحاجات وإنما تعد نتيجة مباشرة لهذا الإشباع , والحاجات الضرورية لا تشمل الجانب المادي فقط من مأكل ومشرب وملبس ومأوي ووسيلة انتقال وخدمات منزلية وتعليمية وصحية وفرص عمل وزواج, وإنما تشمل أيضاً الجانب المعنوي أو الروحي من مشاركة جماعية وهوية ثقافية وكرامة إنسانية وإحساس بإشاعة الحرية والعدل بين الناس , وهي الضروريات التي أجملت في مقاصد الشريعة الغراء من حفظ الدين والعقل والنفس والمال والنسل أو العرض , وبإشباع هذه الحاجات سوف يتصرف الناس كآدميين ويقومون بتعبئة الاستخلاف وبتحمل مسئولية اعمار الأرض , وتحدث التنمية الاقتصادية والاجتماعية على الواقع , وهذا يتم من خلال مشروعات إنمائية صغيرة ليست مشروعات تتكلف الملايين , ولكن ملايين المشروعات وفقاً لاحتياجات الأفراد في المجتمع وتلبية لتطلعاتهم المشروعة والمنضبطة وعلى أسس تكنولوجية تتفق مع المرحلة التي يمر بها الاقتصاد والظروف التي يعيشها المجتمع وتتمشي مع خصائص الموارد الإنتاجية المتاحة . ومن ثم نجد أن التيار التعميري يسري في الجسد المتخلف ويظهر أثر التسرب الإنمائي في كافة القطاعات الاقتصادية والمجتمع وينعكس على ذلك الأداء فيزداد كفاءة ويشع على الإنتاجية فتزداد ارتفاعا خلال الزمن , وعليه تحدث التنمية من الأساس أو من القاعدة والإنسان لتعم به ومن اجله كافة جوانب الحياة .

ومن هذا المنطلق وفقاً لهذا المنهج , وفي إطار نظام الأولويات الإسلامي وفي حدود الاستطاعة البشرية والإمكانات المادية يتم القيام بالجهد الإنمائي على أساس من التكامل والتوازن والتدرج ببذل الجهد في كافة القطاعات , مؤسسياً القطاع العام والخاص , وإنتاجياً القطاعات السلعية والقطاعات الخدمية والزراعية وصناعياً الصناعات الثقيلة والصناعات الاستهلاكية , وإقليميا المناطق الريفية والمناطق الحضرية ودولياً منتجات إحلال الواردات ومنتجات تنمية الصادرات .

ويتم هذا الجهد وفقاً لبرامج إنمائية تأشيريه مترابطة ومتناسقة من حيث الأهداف والوسائل , وواقعية من حيث الإمكانيات والقدرة على التنفيذ

ومن هنا ندرك أن التنمية في الاقتصاد الإسلامي تعتمد على الفرد والدولة , وقد أشرت فيما مضي إلي أن المعادن تكون من الملكية العامة ونجد الإمام الشافعي رحمه الله قد أجاز خضوع المعادن الباطنة التي تحتاج إلي جهد وتكلفة للملكية الخاصة إلا أن الإمام الرملي الشافعي نص على أن المعادن التي يبرز معدنها فيها من غير جهد لا تخضع للملكية الفردية مهما بذل في إخراجها من أموال مثل النفط والكبريت وأحجار الرحى وكذلك ما عداه من معادن في القول الأظهر .

وقد اجمع العلماء أن ملكيتها للمسلمين كافة بل قال بعضهم للناس عامة داخل الدولة الإسلامية مسلمهم وكافرهم , وقد أكدوا على أن الحاكم لا يملك التصرف فيها بما يغير من وظيفتها هذه .

وحيث أن قطاع المعادن في مجال الملكية العامة يعتمد في إخراجه , وتقوم عليه أمهات الصناعة فقد أصبح من ملكية الدولة , وعليها أن تقيم الاستثمارات العامة بما يحقق مصالح عامة المسلمين . وللدولة أن تدفع قطاع المعادن لمن يستثمره من القطاع الخاص نظير عائد يعود لخزانة الدولة تنفقه في مصالح المسلمين , وذلك مثل المعادن التي تحتاج إلي استخراج مثل الذهب والفضة . فإذا كانت الملكية العامة لبض مصادر الثروة هي الأساس المادي لقيام الاستثمارات العامة إذا كان هناك أساساً مالياً لقيامه وهو موارد الخزانة العامة التي تمول مختلف أنواع النفقات العامة , ويجب على الدولة أن تلتزم في إنفاقها تلك الأموال أرشد السبل بما يحقق اكبر قدر ممكن من المصلحة , وعليها أن تراعي مبدأ الأولويات وأن تلتزم بالاقتصاد في النفقات .

وعلى هذا فإن الدولة في الاستثمارات العامة وفي سائر إنفاقها يجب أن تتأكد من أن المبدأ الأقصى من المصلحة العامة سوف يحدث , ولقد قيل في هذا المعني ما قاله الإمام القرافي المالكي : ( يجب على الوالي بذل الجهد في ما هو أصلح للمسلمين , فإذا فكر واستوعب فكره في وجوه المصالح ووجد بعد ذلك مصلحة هي أرجح للمسلمين وجب عليه فعلها وتحتمت عليه ويأثم بتركها , فعليه الاجتهاد وجوباً وبذل الجهد في وجوه المصالح , وأما بعد الاجتهاد فيجب عليه العمل بالراجح من المصالح ولا خيرة له فيه ,

ومتى تركه أثم فالوجوب قبل الوجوب بعد الوجوب حالة الفكرة , وكذلك قولهم إن تفرقت أموال بيت المال موكلة إلي خيرته معناه يجب عليه أن ينظر في المصالح ويجب عليه تقديم أهمها فأهمها فيحرم عليه العدول عن ذلك ولا خيرة له في ذلك وليس له أن يتصرف في أموال بيت المال بحسب هواه وشهوته بل بحسب المصلحة الراجحة والخاصة ) .

وفي موضع آخر يقول : ( اعلم إن كل من ولي ولاية الخلافة فما دونها إلي الوصية لا يحق له أن يتصرف إلا بجلب المصلحة أو درْ المفسدة لقوله تعالي : (( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن )) سورة الأنعام الآية 152 , وقوله صلي الله عليه وسلم : ( من ولي من أمور أمتي شيئاً ثم لم يجتهد لهم ولم ينصح فالجنة عليه حرام ) . فيكون الأئمة معزولين عما ليس فيه بذل الجهد والمرجوح أبداً , ليس بالأحسن , بل الأحسن ضده وليس الأخذ به بدلاً للاجتهاد بل الأخذ بضده , فقد حجر الله تعالي على الأوصياء التصرف فيما هو ليس بأحسن مع قلة الفائدة من المصلحة في ولايتهم لخستها بالنسبة إلي الولاة والقضاة وأولي أن يحجر على الولاة والقضاة في ذلك , ومقتضي هذه النصوص أن يكون الجميع معزولين عن المفسدة الراجحة , والمصلحة المرجوحة والمساوية , ومالا مفسدة فيه ولا مصلحة , فإن هذه الأقسام الأربعة ليست من باب ما هو أحسن , وتكون الولاية إنما تتناول جلب المصلحة الخالصة أو الراجحة ودرء المفسدة الخالصة أو الراجحة , فأربعة معتبرة وأربعة ساقطة وبهذه القاعدة قال الشافعي : ( لا يبيع الوصي صاعاً بصاع لأنه لا فائدة في ذلك ولا يفعل الخليفة ذلك في أموال المسلمين ) .

وبهذا فإننا نستخلص أن الإسلام ينص على أن يهدف الوالي بأن تكون الاستثمارات بحيث تحقق اكبر قدر متاح من التوازن الاقتصادي والاجتماعي بين الأفراد وبين الأقاليم وبين القطاعات ذلك طبقاً للتحليل الاقتصادي الحديث , فإذا تحقق هذا التوازن بأبعاده المتعددة يعتبر شرطاً ضرورياً لتحقيق التنمية الرشيدة ولتحقيق الاستثمار الأمثل , ومعني ذلك انه يكثر ويعظم من خلاله المصلحة الاجتماعية والاقتصادية وبالتالي فهو مطلوب ومفروض إسلامياً .

موقف الدولة من الاستثمارات الخاصة :-

كما سبق عرفنا أن التنمية في الاقتصاد الإسلامي تعتمد على كل من الفرد والدولة , وأمام الأفراد متسع لاستثمار أموالهم في المشاريع التي يريدون , ونجد أن المسؤولية الشاملة للدولة تجاه الموطنين هي تنفيذا لقول رسول الله صلي الله عليه وسلم : ( ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته ) .

وهنا تتبلور مهام الدولة في الرقابة على الاستثمارات الخاصة , وضرورة التزام الأفراد بالضوابط الإسلامية في استثماراتهم , ملتزمين بمبدأ الحلال سواء في منتجاتهم من سلع وخدمات أو في أساليب إنتاجهم فلا احتكار ولا غش ولا ظلم لعامل , أو في توزيع منتجاتهم فلا تواطؤ على ارتفاع الأسعار ارتفاعاً يضر بالناس , ولا خداع للمستهلك عن طريق الترويج والإعلان عن منتوجاتهم وكذلك لا يجوز استخدام الربا في مشروعاتهم لتوظيف أموالهم .

كما أن على الأفراد أن يلتزموا بمبدأ تنوع الاستثمارات وعدم تركيزها على قطاع واحد , والدولة تقدم لهم الإعانات والتسهيلات والقروض والتدخل الإداري المباشر مما تراه كفيلا بتحقيق مبدأ التنوع الاستثماري ومبدأ الأولويات , كما أن للدولة الحق في أن يلتزم الأفراد بتثمير أموالهم ومواردهم وعدم تركها معطلة لأنه يترتب على ذلك مفاسد , مع أن قيام الأفراد بذلك أمر مركوز في فطرتهم , إلا انه قد يحدث أن يعمد الفرد إلي تعطيل موارده مع أنه من الواجب عليه أن يلتزم في استثمار أمواله .

كما نجد العلماء قد ناقشوا من يترك أرضاً معطلة عن الاستثمار واتفقوا على أنه لا يقر على تحجير الأرض إلا لمدة مناسبة ثم يجبر على تعميرها أو التخلي عنها .

ونجد أن عمر رضي الله عنه نزع أرضاً من بلال المزني كان قد حصل عليها لإحيائها في زمن الرسول صلي الله عليه وسلم فلم يقدر على عمارتها .

كما نجد بعضاً من العلماء كالمالكية وبعضاً من المذاهب الأخرى , يرون أنه إذا استولى شخص على أرض وأحياها ثم تركها بواراً فإنها تعود ملكيتها إلي عموم المسلمين لأنه زال الأصل في ملكيتها وهو الإحياء , ومن حق أي فرد أن يحيها لعموم قوله صلي الله عليه وسلم :( من أحيا أرضاً ميتة فهي له ). وهذه ارض ميتة , إما إذا كانت تلك الأراضي قد دخلت في حوزة صاحبها بطريق غير طريق الأحياء مثل الشراء أو الميراث فإن الفقهاء القدماء قالوا إنها تظل ملكاً لصاحبها  ولا يحق لا حد إحياؤها رغماً عنه وبعضهم يجيزون إحياءها .

ونجد أن الإمام ابن هزم ناقش مسألة إجبار صاحب الأرض على زراعتها رداً على من يقول بأنه لا يجب على الإنسان حفظ ماله إذا أراد إضاعته , كما لا يجبر على سقي نخله يقول : ( إضاعة المال حرام وأثم وعدوان بلا خلاف , ويجبر على سقي نخله إن كان في ترك سقيه هلاك للنخل وكذلك في الزر وع ) وبرهان ذلك قوله عز وجل : (( وإذا تولي سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد )) سورة البقرة الآية 205 , فمنع الحيوان مالا معاش له إلا به من علف أو رعي , وترك شجر الثمر والزرع حتى يهلك إفساد في الأرض وإهلاك للحرث والنسل والله تعالي لا يحب هذا العمل , فإن قيل فأنتم لا تجبرون أحداً على زرع أرضه إذا لم يرد ذلك , قلنا إنما نتركه وذلك إذا كان له معاشاً غيره يغني عن زرعها , وهذا بلا شك صلاح للأرض واحمام لها, إما إذا لم يكن له غني عن زرعها فإنما يغصب على زراعتها نظير إعطائه جزءا مما يخرج منها , ولا نتركه عالة على المسلمين لإضاعته لماله ومعصيته لله عز وجل .

 ونجده يقول أيضا : ويأخذ السلطان الناس بالعمارة وكثرة الفراس ويقطعهم الإقطاعات في الأرض الموات ويجعل لكل أحد ملك ما عمره ويعينه على ذلك في ترخيص الأسعار ويعيش الإنسان والحيوان ويعظم الأجر ويكثر الأغنياء وما تجب عليهم الزكاة .

ومن هنا ندرك أن الدولة مسؤولة عن تشغيل وتثمير موارد الثروة سواء كانت خاصة أو عامة وفي ذلك يقول أبو يوسف : ( ولا أرى أن يترك الإمام أرضاً لا ملك لأحد فيها ولا عمارة حتى يقطعها فإن ذلك أعمر للبلاد وأكثر للخراج ) .

                         الى اللقاء في الحلقة القادمة  إن شاء الله

                         سامي زين العابدين حماد

 

 

 

 

 

ليست هناك تعليقات:

تابعني علي التويتر