الثلاثاء، 30 أبريل 2013

الحكم بالشريعة الإسلامية واجب على كل حاكم مسلم 20


الحكم بالشريعة الإسلامية واجب على كل حاكم مسلم 20

تكلمنا في الحلقة الماضية عن السياسات التنموية في الإسلامي ,   وسوف نتكلم في هذه الحلقة بإذنه تعالى عن اهم الأسس التي ترتكز عليها التنمية في الاقتصاد الإسلامي .

فقد مر بنا سابقا ان الخطة الاقتصادية القومية هي الطريقة المثلى لتحقيق هدف معين , وهي تتضمن القرارات المتعلقة بتحقيق الهدف وطريقة التنفيذ ومراحله الزمنية , فهي تشمل جميع النواحي المتعلقة بالتطور الاقتصادي والاجتماعي , وتحاول أن تنسق بينها تنسيقا يضمن السير قدما بالتنمية الشاملة نحو الأهداف المتوخاة , وقد قلنا أن هناك خططا شاملة واخرى اقليمية او محلية

,وثالثة اطلق عليها خطة القطاع , وهذه نجدها تتم بقطاع معين من قطاعات الاقتصاد مثلما تتم خطة الاقليم بإقليم معين في الدولة .

وعرفنا كيف يتم إعداد هذه الخطط , ولكن حينما نعود إلي الرسول صلي الله عليه وسلم وتخطيطه القومي لحكومته نجده لم يخطط لحكومته وجيله فقط , وإنما علمنا وبين لنا ووضح لنا , بل ترك لنا حقائق علمية اقتصادية واجتماعية ونظم حكم , وتعليمات ادارية نافعة للتطبيق لكل زمان ومكان حتي قيام الساعة .

إن رسول الله صلي الله عليه وسلم هو الذي علمنا وبلغنا رسالة ربه التي جاءت فيها حقائق علمية تنظم جميع اوجه النشاط البشري , وبهذا حينما نقوم بدراسة حكومة رسول الله صلي الله عليه وسلم يجب أن نقف عندها موقف الفحص الباحث لأنها هي أساس كل التقدم والتحضر الذي نعيش فيه الآن .

صحيح أن الدول الغربية في هذه الايام هي رائدة التقدم المادي الذي نعيشه , ولكن حينما نعود إلي مؤسسي هذه العلوم نجد أن العلماء المسلمين هم الذين كان لهم الفضل فيما وصلت إليه البشرية من تقدم وتقنية . وإنما توصل إليه علماء اليوم كان مكملا لما أسسه المسلمون , وهؤلاء استمدوه من تعاليم الإسلام التي شملت كثيرا من العلوم  الانسانية بجانب حثها على طلب المعرفة المتواصل في العلوم الطبيعية , لذا فإن رسول الله صلي الله عليه وسلم لم يكن واضع خطة قومية لتطوير حكومته فقط , وإنما زودنا بعلم كامل في الاقتصاد يفوق جميع العلوم الاقتصادية الوضعية المعاصرة , وجميع العلوم الانسانية الأخرى , ولو رجعنا إلي معاجم اللغة نجد هناك ما يطلق أصل الشيْ الذي هو أساسه , ونجد أن بعضا من الكتاب يساوي بين لفظة الأصل ولفظة قانون بالمعني العلمي الدقيق الذي يعني وجود علاقة ثابتة ومطردة  بين مجموعة من المفردات وما تؤديه هذه الاقوال من معني أن ننظر إلي جميع الأشياء نظرة علمية , وبهذا نلاحظ وجود أصول للعلم المعين أو قوانين لهذا العلم , وقد اتجه بعض الكتاب إلي تقسيم هذه القوانين إلي مجموعات ودرجات يفوق بعضها البعض الآخر , إذ إننا نجد علوم المادة والطاقات تصل في مراتبها بقوانينها أعلى الدرجات , ذلك بتحديدها علاقات ثابتة ومطردة بين الوقائع والظواهر التي غالبا ما تتكرر .

وبناء على ما تقدم تعد العلوم في أعلى المراتب هي العلوم الطبيعية كالطب والطبيعة والكيمياء والهندسة ودراسة الفضاء بما فيها من قوى للجاذبية وقوى طاردة , وبهذا فإن هذه العلوم تمثل الدرجة الأولي وكذلك قوانينها التي لها صفة ثابتة في الدقة والثبات , أما الدراسات الانسانية من علم اقتصاد واجتماع وعلم النفس وكذلك اصول الحكم ونظمه والحقوق والالتزامات وهذه تعد في الدرجة الثانية لأن قوانينها في الثبات والاستقرار لآ تصل إلي مرتبة القوانين الأولي , ومن هنا ندرك أن قوانين علم الاقتصاد الوضعي لا تصل في الثبات والشمول إلي قوانين العلوم الطبيعية , وبهذا فإنها ليست يقينية وإنما هي احتمالية .

ولكن قوانين الاقتصاد الإسلامي وكذلك جميع العلوم الانسانية التي أتى بها الإسلام إنما هي قوانين بالغة في الدقة تصل في دقتها قوانين الجوامد والطاقات , وبهذا فإن العلوم الانسانية  التي أتى بها الإسلام لها من القوانين اليقينية وليست احتمالية والدقيقة وليست النسبية والشاملة وليست الجزئية لزمان أو مكان أو بيئة وثابتة لا تتغير مع النزعات والاهواء .

وقد تكملت في الجزء الاول عن الاقتصاد الإسلامي ورأيت لو تكلمت عن الاقتصاد الإسلامي وتنمية الموارد الاقتصادية لكتبت فيها موسوعة أخري , ولكن سوف أتكلم بإيجاز شديد عن بعض عناصر الاقتصاد الإسلامي , فقد تكلمت في مقالات سابقة عن الأرض والصناعة والجهد البشري والتجارة التي يطلق عليها علماء الاقتصاد بعناصر الإنتاج , ودعنا الآن نناقش بعض أصول الاقتصاد الإسلامي في دراسة سريعة :

نظرة الإسلام إلي الدولة والمجتمع :

كما هو معروف أن تعاليم الإسلام أتت شاملة لإصلاح البشرية واسعادها , وحينما نريد ان ندرس الإدارة والحكم من خلال تعاليم الشريعة الإسلامية أرى أنه لزاما علينا أن نتعرف على ما يخص الاقتصاد من خلال هذه التعاليم , وتعاليم الإسلام جاءت تبين لنا الاطار الاقتصادي بما فيه من أسس التنمية الاقتصادية والاجتماعية من خلال قواعده التي حثت على حوافز العمل والإنتاج والملكية وتوزيع الثروة , وكما عرفنا من خلال الجزء الاول والثاني أن إدارة الدولة  ورقيها وسعادة أفرادها مرتبط في الغالب بعوامل خمسة هي : الجانب الروحي , والجانب الخلقي , والجانب الاجتماعي , والجانب السياسي , والجانب الاقتصادي  , هذه العوامل جميعها مترابطة بعضها مع البعض الآخر بحيث تتعاون فيما بينها لتبرز شخصية المجتمع المتكامل الذي يتبع المنهاج الإسلامي عقيدة وأفعالا , وبهذا نضمن تقدم المجتمع في جميع نواحي الحياة .

1-الجانب الروحي : وهذا كما شرحناه يشمل العلاقة بين الانسان وخالقه , وكيف تكون علاقة متينة وقد أوضح الإسلام كيف تكون سلامة العقيدة وكذلك العبادات

2-الجانب الخلقي : ولقد مر بنا كيف أن الإسلام يلزم أفراد المجتمع باتباع الأخلاق الحميدة من صدق وأمانة ووفاء وعدالة وتراحم وسخاء   الخ

3- الجانب الاجتماعي : سوف اشرح في الجزء الخاص بالتنظيم هذا الجزء وأن مدى الحريات التي يتمتع بها أفراد المجتمع والمساواة أمام الشريعة والقضاء وحسن المعاملات والتعامل مع المجتمعات المخالفة في العقيدة على أساس من الأخوة الانسانية المشتركة .

4-الجانب السياسي والإداري : أيضا وهذا ما تم شرح جزء منه من التزام الحاكم والمحكوم بأصول ومبادىْ الشريعة الإسلامية والعمل على تنفيذ تعليماتها في نظم الحكم والإدارة واقامة السلطة في البلاد   الخ .

5-الجانب الاقتصادي : وهذا يقوم على مجموعة من المبادئ الأساسية لتنظيم الحياة الاقتصادية للمجتمع أذكر منها

الحرية الاقتصادية التي يجب أن يتبعها المجتمع :

إن نظام الاقتصاد الإسلامي يقوم على اساس حرية تملك عناصر الإنتاج , وحرية النشاط الاقتصادي في العمل والانتاج والتعاقد والاستهلاك والتصرف في الملكية بشرط أن يلتزم بشروط معينة بحيث تتمشى وما خطه الإسلام من مسار اقتصادي , وفي حدود القواعد التي حددتها الشريعة لهذا المسار وهي :

الجمع بين مصلحة الفرد والمجتمع .

الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة .

التوافق مع الاحتياجات المتطورة والظروف المختلفة.

إذ شرط الإسلام بأن يكون نشاط الفرد نافعا له وللمجتمع , وأن لا يكون متعارضا مع احتياجات المجتمع لأهدافه , وفي سبيل اشباع حاجاته عليه أن يحرص على استغلال موارده المتاحة وأن ينميها بما يعود بالنفع عليه وعلى المجتمع وأن يجتنب كل ما يؤدي بهذه الموارد إلي الإهدار وسوء الاستخدام , وأن يمتنع عن إنتاج المحرمات أو استهلاكها أو العمل بها .

وقد حث الإسلام على استغلال الموارد وأعطى الانسان حق تملكه لها وتنميتها في منفعة المجتمع , كما ضمن نقلها لورثته من بعده من أجل أن يكون حافزا له ودافعا إلي مزيد من النشاط الاقتصادي طالما  وأن ثمرة جهده سوف تعود عليه وعلى أبنائه من بعده .

ومع أنه أعطاه حق تملك الثروة إلا أنه حثه على استغلالها من أجل نماء الاقتصاد وتقدمه وعدم اكتنازه , وبتقدم الاقتصاد تتقدم الحياة المعيشية أيضا , كما نجده حث على عدم الاسراف في الانفاق الاستهلاكي ودعا إلي الاعتدال والتوسط فيه لتكوين مدخرات كافية لتنشط الاستثمار .

كما نجده فرض الزكاة على هذه المدخرات ليجد الفقراء دخلا يساعدهم على المعيشة , ذلك لأن الاسلام وكما ذكرت سابقا حدد لكل فرد حق الحصول على المسكن والملبس والمأكل في حدود الكفاية . والزكاة فرضت لتساعد في تحقيق هذا المطلب وتنمي وتطهر المال أيضا .

وأنا أخالف كل من يقول إن الزكاة هي نظام ضريبي على المدخرات  واوافق الدكتور عيسي عبده في رايه إذ قال : إن الزكاة لا تعتبر بأي حال من الاحوال ضريبة لأننا لا نجد سندا من العقل ولا من النقل يثبت ذلك .

فلأن الضريبة تكليف مالي يفرضه ولي الأمر بماله من سيادة وبما يحتاجه من إنفاق مالي استنادا إلي العقد الاجتماعي الذي طغت فكرته على عقول المسلمين بل إننا نجد بعض كتاب القوانين المالية الوضعية ذهب إلي أن ولي الأمر يعتبر شريكا للممول وبهذا يصبح الايراد مثقلا بحق الشريك أو بحق السيادة أو بالالتزام التعاقدي , وذلك وفقا لتقرير جان جاك روسو , في حين أن الإسلام لا يقر هذه الأمور التي ترجع أساسا إلي السياسة الوضعية بقواعدها الكلية والجزئية و ومنها بالطبع الشئون المالية .

1-من المعروف أن ولي الامر باستطاعته أن يفرض رسوما مالية اضافة إلي العبادات المالية الثابتة في الإسلام كالزكاة والصدقات والكفارات , ولكن لا نستطيع ان نقول بأن هذه الرسوم أو الضرائب نوع من الزكاة , لأن الزكاة ليست ضريبة , والإسلام قدة حدد وجوب إنفاقها , فإذا اخذها الحاكم فلا يستطيع صرفها كرواتب لموظفي الدولة أو في استثمارها في مشاريع تقام من أجل إيجاد البنية الاساسية في الدولة , وانما يجب أن يأخذها ويصرفها في أوجهها التي حددتها الآية القرآنية .

2-إن الضرائب غير ثابتة فقد تفرض وقد تلغي وأحيانا تنخفض نسبتها , وحينا اخر ترتفع نسبتها من الدخل أضعافا مضاعفة كالضريبة على الأرباح الاستثنائية , وعلى الدخول , وعلى الشرائح العليا منها , فإنها قد تصل إلي حد 90% من الدخول العالية , ثم بعد ذلك نجدها قد تلغي من أساسها ثم أنها لا تحصل أن حل بالممول خسائر وهذه كلها من ابتداع وتصنيف رجال التشريع المالي الوضعي , حيث يبتدعون لها قواعد وفقا لحاجة الدولة إلي أموال عامة لتواجه نفقاتها العامة , في حين أن الزكاة ثابتة ومستديمة , وقد شرح الفقه الإسلامي كيفية استحقاقها في خمس شعب شرحتها سابقا .

3-لقد لمسنا أن أساس الضريبة هو الربح في حين أن الزكاة اساسها رأس المال بالنسبة للتجارة والأنعام , أما بالنسبة للزروع فتجبى من المحاصيل , أما بالنسبة للكنوز والثروات التي في باطن الارض فتجبى على الثروة , وبهذا نجد أن الاساس الذي بنيت عليه الزكاة هو رأس المال , في حين أن الضرائب في الاساس على الأرباح , هذا بالإضافة إلى أن مصدر التشريع الإسلامي هو الكتاب والسنة وما يضاف اليهما من اجماع واستحسان في حين أن مصدر التشريع المالي إرادة الفرد وعلى الاصح فهي ارادة الحاكم .

إلى القاء في الحلقة القادمة إن شاء الله

سامي زين العابدين حماد

 

ليست هناك تعليقات:

تابعني علي التويتر