الاثنين، 13 مايو 2013

الحكم بالشريعة الإسلامية واجب على كل حاكم مسلم 22


الحكم بالشريعة الإسلامية واجب على كل حاكم مسلم 22

تكلمنا في الحلقة الماضية عن العمل في ظل الشريعة الاسلامية وانواع الملكية وطرق التملك ومحظوراته في الشريعة الإسلامية وكذلك تحدثنا عن المشكلة الاقتصادية في نظر الإسلام وحلولها وسوف نتكلم بإذنه تعالي في هذه الحلقة عن مباديْ التنمية الاقتصادية في الإسلام وهي تتوقف في توفر على مدى إمكانات التطور والتقدم للاقتصاد في المجتمع لان المصادر الخارجية ما هي إلا تكميل وتعزيز للمصادر الداخلية ولا يمكن باي حال من الاحوال الحصول على السلع الكافية لسد احتياجات دولنا إلا بعد استيراد المواد الخام والخدمات الأجنبية المطلوبة لاستكمال ما تنتجه عناصر الانتاج الداخلية والمدخرات الداخلية نجدها تتمثل في مدخرات القطاع العائلي الاختبارية والتي تمثل جزءا من الدخل القابل للتصرف فيه يقتطع منه بعد الانفاق على الطلب الاستهلاكي , أما مدخرات قطاع الأعمال فتتمثل في الاحتياطيات أي الارباح الغير موزعة ومخصصات استهلاك رأس المال والي جانب ذلك فهناك مدخرات القطاع الحكومي التي تحققها من فائض النشاط الحكومي فضلا عن المدخرات الإجبارية التي تحققها الدولة من نشاطات مختلف قطاعات الاقتصاد من خلال الضرائب الإضافية والتضخم في الحالات التي تستدعي ذلك ونجد أن المدخرات المحلية قد مثلت إلي نسبة جملة الادخار التي تحققه للدول النامية لتمويل تنميتها في عقد الستينات من القرن العشرين الميلادي بنحو 85% ويظهر لنا أن الدول النامية قد عانت كثيرا في تمويل تنميتها خلال هذا العقد الأمر الذي تسبب في نقص معدلات النمو كثيرا بها عن المستهدف لها وذلك لعدم كفاية المدخرات المحلية وعدم توافر القدر الكافي من التمويل الأجنبي بالشروط المناسبة للتنمية الاقتصادية ذلك لان التمويل المقدم من الدول المتقدمة والهيئات الدولية غالبا ما نجده لا يساعد الدول النامية على تطوير اقتصادياتها وتنمية خبراتها وقدراتها الذاتية في الاجل الطويل لأن هذا التمويل عادة نجده يتسم بصفة عامة وبعدم الانتظام بعدم حله للمشاكل التي يواجهها الاقتصاد المتخلف في هذه الدول لان أغلب التمويل المقدم من الدول المتقدمة يتسم طابع خدمي واستهلاكي جاهد في الأصل أي إلي زيادة الإنتاجي واستقرار اسعار الحاصلات في الدول المتقدمة المانحة للمساعدات وتوظيف القوى العاملة الخاصة في الدول المتقدمة ايضا لدى الدول النامية كما أن المعونات نجدها في المنظمات الدولية محدودة ليس هذا فحسب بل الدول المتقدمة تقرن مساعدتها بشروط سياسية او اقتصادية او عسكرية  وفي اغلب الاحيان علاوة على حصولها على الفائدة على القروض المقدمة , حيث ادت القروض والمساعدات بمواصفاتها الحالية واشتراطاتها في زيادة أعباء المديونية  الخارجية على الدول النامية وهذا لم يحقق اهداف التنمية المرغوبة .

الإسلام والاستثمار الخاص :

إن الإسلام دائما يحث على نمو المقدرة الاقتصادية للمجتمع والافادة من الموارد المتاحة وحسن استغلالها على زيادة التكوين الرأسمالي بواسطة القطاع الخاص. من خلال الاساليب التالية :-

ترشيد الإنفاق الاستهلاكي : ونجد أن الأسس التي يرتكز عليها الإسلام في ترشيد الانفاق الاستهلاكي نلخصها فيما –يلي :يجب ان يلتزم الفرد في الاستهلاك بدائرة المباح من الطيبات والنعم المختلفة دون الخبيث والرديء المحرم والتوسط والاعتدال في هذا الاستهلاك وكذلك نجده يحث على الاستثمار دعما للطاقة الانتاجية للمجتمع وتوفير متطلبات التنمية وتحقيق المستوى المعيشي المناسب في الحاضر والمستقبل .

إن الاسلام يربط الاستهلاك بظروف المجتمع وامكانياته الاقتصادية وكذلك تحديد اولوياته تبعا لهذه الظروف مع التأكيد على توفير الاحتياجات الاساسية لكافة المواطنين والعمل على ترشيد استخدام الموارد المتاحة الأمر الذي يحقق ذلك ومنع التقليل والمحاكات للمجتمعات الاخرى في غير ما اباح الله واحل .

إن الإسلام يحرم استهلاك السلع والخدمات الضارة بالفرد وبالمجتمع والالتزام بالقواعد الشرعية في التحريم والإباحة وعدم أحقية الفرد أو المجتمع في تعديلها ومراعاة هذا التحريم للظروف المختلفة .

أن الإسلام يحث على تنظيم الاستهلاك على كل من السلوك الرشيد للمستهلك بدوافع عقيدته وإيمانه والسلطة التنفيذية والرقابية للمجتمع .

أن الإسلام يأمرنا بمنع الإسراف وهو ما زاد عن إمكانية الفرد وموارده ولم يناسب ظروف المجتمع ولم يسمح بتحقيق التوازن بين الاستهلاك الحاضر والمستقبل والقيام بالواجبات تجاه النفس والاسرة والمجتمع ويعد ذلك من المحرمات .

إن الإسلام  يلزمنا في كل تصرفاتنا بدائرة مباحة من الطيبات والنعم دون الخبيث والمحرم وذلك التحريم من السلع الضارة يحرم الإسلام كل ما يضر بالفرد أو المجتمع من السلع  وخدمات ضارة بالجسم والعقل أو تؤدي إلي تبديد الموارد بدون منفعة .

توفير مدخرات كافية للتنمية الاقتصادية :

إن الإسلام دائما نجده يرغب في التوسط فب الإنفاق الاستهلاكي والادخار وذلك من اجل دعم القدرة الاقتصادية للمجتمع لكي يتمكن من تحسين مستويات المعيشة فيه حيث يقول الله سبحانه وتعالي : (والذين اذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ) سورة الفرقان الآية 67ومن هنا يتضح لنا أن الاسلام يحثنا على عدم الإنفاق الاستهلاكي وأن يكون الفرد معتدلا في استهلاكه وفي توفير مدخرات كافية حتي يستطيع أن يكون للمجتمع موارد كافية لدعم طاقته الإنتاجية بصفة مستمرة وذلك من أجل الحد من المشاكل الاقتصادية التي يواجهها المجتمع من جراء الانفاق الترفي والتطور الغير مبرر اقتصاديا وإسلاميا في الرغبات الإنسانية الامر الذي يؤدي الي عجز في استخدام الموارد المتاحة للمجتمع عن الوفاء باحتياجاته الأساسية .

توجيه المدخرات نحو سبيل الاستثمار :

إن القاعدة في الإسلام هو إلغاء الاكتناز والبخل وفرض الزكاة على الاموال الغير مستثمرة في اصول عينية ثابتة وادخال العوائد الاجتماعية إلي جانب العائد المباشر من الانتاج وذلك على النحو التالي :

-الغاء الاكتناز والبخل : يقول الله تعالي ( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم , يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ) التوبة الآية 35

البخل والشح كلاهما مذموم في الإسلام ولهذا نصت الآية على أن الفرد لا يكنز الذهب والفضة وإنما يجب أن يستثمرها لكي يفتح فرص عمل لكثير من أبناء وطنه ولينمي العجلة الاقتصادية في البلاد ان فرض الزكاة على الاموال غير مستثمرة يدفع الفرد على ان يستثمر امواله لان الرسول الله صلى الله عليه وسلم حث على استثمار الأموال حتي لا تأكلها الزكاة .

الادخار والاستثمار الحكومي :

طالما نحن نتكلم عن الادخار والاستثمار الحكومي رأينا من الواجب أن أشير إلي ان الدولة وكما شرحنا سابقا يجب أن تقوم استغلال الموارد الطبيعية في البلاد كما تقوم بما تتطلبه الظروف الاخرى كالطوارئ والظروف الاقتصادية أو الطبيعية غير الملائمة من دور مكثف في الحياة الاقتصادية وما يتطلبه كل ذلك من تكوين رأس المال يقوم على ادخار توفره الدولة . وتعد الميزانية العامة الدورية للدولة المعاصرة وسياسة الإنفاق العامة بين الأدوات المالية المناسبة التي تنتهجها الدولة في تأثير على الحياة الاقتصادية سواء في دعم النمو الاقتصادي أو التغلب على مشاكل التقلبات في مستويات النشاط الاقتصادي , وعادة ما تلجأ الدول في المجتمعات الحالية غير الإسلامية تغطية نفقاتها العامة للاقتراض أو التضخم أو فرض الضرائب لتمويل نفقاتها المختلفة في هذا السبيل إذا لم تكن لديها الموارد الكافية والاحتياطات اللازمة أما في ظل الإسلام فإن الدولة يتوفر لها موارد مالية للقيام بمشروعاتها المختلفة في تنمية الاقتصاد كما ذكرت سابقا لتطوير وتحقيق الأهداف الأخرى للمجتمع وأفراده وطوائفه المختلفة وهذه الموارد في موارد الثروات الطبيعية العامة التي هي ملك الجماعة.

فالدولة إذا استطاعت أن تقوم باستثمارها خير قيام فإنه يتوفر لديها فائض كي تستطيع الإنفاق منه على الخدمات العامة في الدولة وبالتالي تستطيع أن تقوم بمشاريع إنمائية أخرى في البلاد لاستغلال الثروات الطبيعية الغير مستغلة وهكذا فإن الدولة في الاسلام تلعب دورا كبيرا في الادخار والاستثمار وفي تنمية الاقتصاد.

التنمية القطاعية والإقليمية : أن التخطيط يجب أن يهتم بجميع قطاعات الاقتصاد المختلفة من زراعة وصناعة وتجارة وبنية أساسية الخ , أعود فأقول أن الإسلام يحث على تنمية جميع قطاعات الاقتصاد وأمر بالعناية بقطاعات الاقتصاد الصناعي والزراعي بقسميها النباتي والحيواني والتجارة الداخلية والخارجية والنقل والمواصلات ومشروعات البنية الأساسية كما أوجب تنمية كافة أقاليم الدولة من ريف وحضر ومناطق نائية ودانية حتي تتحقق الرفاهية لكافة أفراد المجتمع وأقاليمه وقطاعاته المختلفة ففي مجال الصناعة أشار الله عز وجل في صناعة الغزل والنسيج والملبوسات والأثاث والتعدين . والصناعات العسكرية وبناء السفن ووسائل الانتقال وإقامة المباني والسدود والموانئ وهي بذلك تشمل الصناعات الخفيفة والثقيلة ومن هذه الإشارة تتضح أهميتها والمحافظة عليها  وتنميتها فيقول الله تعالي ( يا بني ءادم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوءتكم وريشاً ولباس التقوى ذلك خير ذلك من ءايت الله لعلهم يذكرون ) .الأعراف الآية 26ويقول جل شانه : ( والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الانعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم  ويوم إقامتكم  ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثثا ومتعاً إلي حين ) النحل الآية 80. وقال تعالي ( والله جعل لكم مما خلق ظللا وجعل لكم من الجبال أكننا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم باسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون ) النحل الآية 81 وقال تعالي : ( وانزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنفع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز ) الحديد الآية 25وقال سبحانه : ( واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ) هود الآية 37وقال سبحانه : ( قالوا ياذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الارض فهل نجعل لك خرجاً على أن تجعل بيننا وبينهم سدا , قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما ) الكهف الآيتان 94,95

وكما مر بنا  أن سيدنا على بن أبي طالب في كتابه لعامله على مصر قال له فاستوص بذي الصناعات وأوص بهم خيرا ذلك بأن قطاع الصناعة يعد من القطاعات المهمة في الدولة ونماؤها أمر يؤدي إلي نماء الدولة وكذلك قال رسول صلى الله عليه وسلم ( ما من كسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه الطير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقه . رواه البخاري .

وقال رسول صلى الله عليه وسلم : ( من عمر أرضا ليست لأحد فهو أحق بها ) . رواه البخاري . وقد أرشدت الآيات أيضا إلي جانب الإنتاج النباتي كل من الثروة الحيوانية والثروة المائية قال تعالي : ( والانعام خلقها لكم فيها دفْ ومنفع ومنها تأكلون ) النحل الآية 5. وقال تعلي : ( وأوحي ربك إلي النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون , ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألونه فيه شفاء للناس إن في ذلك لأية لقوم يتفكرون )النحل الآيتان 69,68

وفي مجال التجارة حث الإسلام على التجارة وقد بين أنها من أعمال الرسل لمنفعتها للقائم بها وللمجتمع فيقول تعالي ( وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم لياكلون الطعام ويمشون في الاسواق ) الفرقان الآية 20 .وقال تعالي : ( علم أن سيكون منكم مرضي وآخرون يضربون في الارض يبتغون من فضل الله  وآخرون يقتلون في سبيل الله ) المزمل الأية 20 .

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم مبينا التزام الدولة تجاه جميع أفرادها وان اختلفت أديانهم ومراكزهم ( لهم ما لنا وعليهم ما علينا ) كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته )

ويقول عمر بن الخطاب : ( إن الله استخلفنا على عباده نسد جوعتهم ونستر عورتهم ونوفر لهم حرفتهم ) .

ويذكر الماوردي أن على الحاكم المسلم عمارة البلاد والقيام بمصالحها وتهذيب سبلها ومسالكها ولقد ساوى الإسلام بين المهاجرين والانصار وبين كل المؤمنين يقوله تعالي ( إنما المؤمنون إخوة ) الحجرات الآية 5

فلا تفرقة ولا امتياز لطائفة على أخرى ولا لإقليم على أخر ومن هنا فإن الإسلام يأمرنا بالتنمية في جميع أقاليم الدولة ولا نؤثر إقليما على إقليم .

                          الى اللقاء في الحلقة القادمة إن شاء الله

                           سامي زين العابدين حماد

 

ليست هناك تعليقات:

تابعني علي التويتر